طمست الوثنية على عقول وقلوب أهل الجاهلية، وذهب بهم الشرك بالله كل مذهب، وتعصبوا لشركهم، حتى فقدوا القدرة على التمييز بين الحق الواضح والباطل البين، يتشبثون بما وجدوا عليه آباءهم، فأصبحوا عبيد ما توارثوه من العقائد الباطلة، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون، إلا أن قليلاً منهم لم يستسيغوا كثيرا ما كان عليه الجاهليون من عقائد، وصعب عليهم أن يقتنعوا بما يرونه من أباطيل قومهم.
وقد شهدت الفترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعضا ممن أوتوا نصيبا من إعمال الفكر الذين نظروا إلى الوثنية باستهزاء، وكانت قد بقيت عند بعض العرب بقايا من سنن إبراهيم عليه السلام وشريعته بنسب متفاوتة بين القبائل، وكان يوجد بعض الأفراد من الحنفاء الذين يرفضون عبادة الأصنام، وما يتعلق بها من الأحكام والنحائر وغيرها، وكان بعضهم يرفضون وأد البنات، ويرفضون المظالم، وكانوا جميعا يبحثون عن الدين الصحيح، الذي تطمئن له فطرتهم، وتميل إليه عقولهم.
باحثون عن الحق
في قلب الجاهلية العمياء كان هناك من بحثوا حثيثاً وراء النور الذي يخرجهم مما هم فيه من ظلام، والذي يقرأ وقائع تلك الفترة من التاريخ، يجد أن هناك حالة انتظار واسعة الانتشار على رقعة الجغرافيا، انتظار لنبي قد أظل زمانه، وكثر الحديث في تلك الآونة عن قرب ظهوره، بل لقد حددت روايات كثيرة أن مكان ظهوره في مكة بالقرب من بيت الله العتيق. كان هناك أحبار ورهبان وكهان وعرافون وملوك وعوام من الناس ينتظرون قدوم نبي آخر الزمان، وكان مثل هذا الانتظار يؤرق الذين أضناهم البحث عن الدين الصحيح الذي لا يجدونه في ما هو قائم من عقائد وأديان دخل الشرك فيها، وكانت الشائعات قد انتشرت بين أهل الكتاب أن نبياً قرب ظهوره، وقد بدا أن فترة طويلة قد مرت على عهدهم بآخر رسل الله إلى الأرض، وخاصة وقد امتلأت الأرض بالمفاسد، وانتشرت الضلالات حتى صارت دين الناس.
كان العالم القديم يتطلع إلى نبي، وكان الحنفاء من قريش يتطلعون إلى نبي منتظر، وكان أهل الكتاب يبشرون بقرب ظهوره، وكانوا يتوعدون به المشركين من العرب.
وانظر في قصة إسلام سلمان الفارسي يتأكد لك أن انتظار النبي كان حالة عامة، فهذا الفارسي المجوسي، عابد النار بل الذي يوقدها، ولا يتركها تخبو ساعة، حين يمر على كنيسة للنصارى بالقرب من ضيعة أبيه تعجبه صلاتهم، ويشعر بأنه على باطل، وأن الدين الحق ليس دين أبيه ولا دين قومه، فيخبر أباه بما رأى، فيحبسه ويضع القيد في رجليه، حتى لا يصل إليهم، ولكنه يترك بلده وضيعة أبيه والعز الذي كان فيه، بحثاً عن الدين الحق، ويعرف أن بغيته في الشام، فيرحل إليها متخفيا في صحبة ركب من تجار الشام النصارى، وهناك التحق بأسقف الكنيسة، ولما عاشره أبغضه، فقد كان رجل سوء، يأمر الناس بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئاً اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، فلما مات وشى به عند قومه، ودلهم على كنزه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه، أحبه سلمان لصلاحه، ولما حضرته الوفاة طلب منه أن يوصيه، قال: أي بني ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به، ولحق به سلمان وأقام عنده، فوجده خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة أمره باللحوق برجل بنصيبين، ثم أوصى به رجل نصيبين حين وافته المنية إلى رجل آخر بعمورية، فلحق به وأقام عنده، ثم نزل به أمر الله، وقال له قبل أن يودع الحياة: أي بني والله ما أعلم أنه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجراً إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
وجاء سلمان الباحث عن الحقيقة إلى حيث أرشده آخر معلميه، وظل ينتظر النبي حتى هاجر إلى المدينة، فلحق به وعرف فيه العلامات التي دله عليها الرجل الصالح في عمورية، في أواسط جبال الأناضول، والقصة مروية بطولها في كتب السيرة وكتب الحديث، ولكنها تدلنا على أن العالم كان في انتظار نبي آخر الزمان.
مبشرون بالتوحيد
وكان في قريش أيضا من ينتظر النبي الذي أظل زمانه، من هؤلاء قس بن ساعدة الإيادي، وكان خطيبا، حكيما، عاقلا، له نباهة، وفضل، وكان يدعو إلى توحيد الله، وعبادته، وترك عبادة الأوثان، كما كان يؤمن بالبعث بعد الموت، وقد بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: (إن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق (عكاظ) فقال في خطبته: سيعلم حق من هذا الوجه وأشار بيده إلى مكة، قالوا: وما هذا الحق؟، قال: رجل من ولد لؤي بن غالب، يدعوكم إلى كلمة الإخلاص، وعيش الأبد، ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه، لكنت أول من يسعى إليه، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ومات قبل البعثة.
وانتظر بعضهم أن يكون هو النبي الذي تبشر به الأحبار والرهبان والكتب، منهم الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت، ويروي أبو سفيان بن حرب أن أمية بن أبي الصلت قال له: كنت أجد في كتبي نبياً يبعث من حرمنا، فكنت أظن بل كنت لا أشك أني هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحداً يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرني بنسبه، عرفت أنه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه، قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضرباته، وأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت في ركب من قريش، أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية بن أبي الصلت فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنتظر، قال: أما إنه حق فاتبعه، قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: الاستحياء من نساء ثقيف، إني كنت أحدثهم أني هو، ثم يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف، ثم قال أمية: كأني بك يا أبا سفيان إن خالفته، قد ربطت كما يربط الجدي، حتى يؤتى بك إليه، فيحكم فيك ما يريد. وكان هناك من بحثوا عن الدين الحق ومنهم ورقة بن نوفل الذي يروى أنه قال للباحثين مثله عن الدين الحق: (تعلمون، والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة، وتركوا دين إبراهيم، ما حجر تطيفون به؟ لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يضر، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين)، ويقال إنه تنصر، وكان هو الذي بشر النبي بنبوته، وقصته معروفة. وممن كان يدين بشريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي، وأحد الحكماء، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، ورحل إلى الشام باحثا عن عبادات أهلها، فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم، وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقي بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب، فقال له الراهب: إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك، يبعث بدين الحنيفية، فلما قال له ذلك رجع يريد مكة، فغارت عليه لخم، فقتلوه، قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه يبعث أمة وحده).واليهود أيضاً
وفي يثرب كانت أخبار النبي المنتظر تتردد على ألسنة اليهود، وفي الصحيح من دلائل النبوة حدث الوادعي عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته، قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم، إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، يودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدا، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟، قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟، قال: فنظر إلي وأنا أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به، بغياً وحسداً.
ولما أنزل الله تعالى قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)، كان شيوخ الأنصار يقولون: فينا والله وفيهم (يقصدون اليهود الذين كانوا جيرانهم) نزلت هذه، قالوا: كنا قد علوناهم دهراً في الجاهلية، ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبياً الآن مبعثه، قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم، فلما بعث الله تعالى رسوله من قريش، واتبعناه كفروا به، يقول الله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
وفي يثرب أيضا كان هناك رجل من بني النجار هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس أبت عليه فطرته النقية أن يعبد الأوثان، ورفض النصرانية التي كانت قد دخلتها وثنية وشرك، يقول ابن إسحاق: كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الأوثان، وقال أعبد رب إبراهيم، وأنا على دين إبراهيم، وكان يعظم الله، ويقول الحق، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم، وحسن إسلامه.