يرى المرحوم الأستاذ شكري فيصل عضو مجمع اللغة العربية في دمشق أن رسالة (روح القدس في محاسبة النفس) للشيخ محيي الدين بن عربي أثر إنساني رفيع وكتاب أدبي رائع ذو أسلوب تربوي تهذيبي قريب إلى الناس، وأنه إن توفر له قليل من العناية به يمكن أن يكون واحداً من أرفع الكتب الإنسانية التي تجمع بين العمق والبساطة والسلاسة والوضوح، وبين الأسلوب الأدبي السمح والحقائق الإنسانية الخالدة، بين الترجمة الذاتية والتراجم الموضوعية، في إطار رائع من الحماس الديني المتوهج والتدفق البياني الصافي والهدف التربوي البعيد .
ويرى المرحوم فيصل أن أصدقاء ابن عربي وخصومه لا يملكون إلا أن يقفوا موقفاً واحداً تجاه القيم المنثورة في الكتاب، وهي قيم من مجموع القيم الإنسانية التي لا سبيل للشك فيها ولا الخصومة حولها .
ويضيف، إنه إن كان في حياة الإنسانية قلة من التجارب الفذة في مجالات الحقائق الخالدة التي يؤرق الإنسان أن يتعرف إليها تعرفاً أعمق من مثل المعرفة والخير والحب والأخلاق عصفت بالقلة الفذة من الناس فهزتهم وصهرتهم وتفجرت عندهم فكراً أو سلوكاً أو أدباً أو فلسفة ثم دفعتهم إلى أن يسجلوا ذلك في مثل هذه الكتب على أنه توعية للناس بنفوسهم أو تقويم لسلوكهم أو وصل لهم بالله أو إيحاء لهم بالتنوير فإن تجربة ابن عربي في هذا الكتاب، هي واحدة من هذه التجارب التي استطاع أن يفصح فيها عن كثير مما في نفسه وقلبه وعقله، وأن يسخر ذلك كله ليكون طريق الناس إلى الله وسبيل النفوس إلى الخير ووجهة العقل نحو اكتساب المعرفة .(من محاضرة ألقيت بالفرنسية في بلنسية 1965م) .
وكنا قد رأينا في العام الماضي أن الرسالة قد كتبت على شكل نصيحة وجهها الشيخ إلى أحد أصدقائه المخلصين بعد أن تلطف ومهد لنصحه بذكر محاسن منصوحه، وكان قد رأى أن أحواله لا تليق بما يدرج على لسانه من وعظ الناس، فركبه هم عظيم وعزم على اعتزال الناس إلا أنه كان يشعر بأهمية دوره في التبليغ إلى أن رأى في الرؤيا أنه دخل الجنة مسروراً قرير العين من دون حساب، فما غرته الرؤيا بل رأى فيها علامة نقص حيث كان فرحه بالجنة ونعيمها لا بلقاء الله ومشاهدته، فرأى أن يحاسب نفسه بأن يعرضها على القرآن والسنة وأخبار السلف الصالح ليرى مدى تحققها من هذه العزائم فلما احتالت عليه بأنها لا يمكن أن تعرض على القرآن العظيم (البحر الأعظم الذي لا يدرك قعره)، أو على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (لأن فلك النبوة ليس لنا فيه قدم) سايرها بأن عرضها على أحوال الصحابة والسلف الصالح ثم على بعض أشياخه المتأخرين- وفي ظني أنه أراد أن يحاسب نفسه وأنفسنا، ولكن بطريقة عملية بالقياس إلى الرجال لا بمجرد الاتكاء على النصوص والعزائم التي فيها، فهو يقول (إن الزمان لم يخل من الرجال الجارين على أسلوب المتقدمين باختلاف أحوالهم) .
وقد صاغ الشيخ حواراً شائقاً مع نفسه كان فيه التدافع والتجاذب والخصومة والمصالحة، وكان دائماً ينتهي إلى غلبة نفسه وافحامها والزامها بالاعتراف بالتقصير، وفي الوقت نفسه كان الشيخ يروي قصصاً، ويقرر أحكاماً وينتقد أحوالاً مما جعل الرسالة أقرب إلى السيرة الذاتية والخواطر الفكرية والموعظة الحسنة من دون أي تكلف أو عناية بالزخارف اللفظية مما جعل الصدق يغلب على الرسالة فتدخل إلى القلوب مباشرة وتهذب النفوس .
وفي رمضان يجدر بنا أن نقف وقفة محاسبة مع أنفسنا التي كثيراً ما تخلط وتعبث من دون أن تقدر خطورة تخليطها، فنحن في رحاب رسالة أهم ما فيها أنها رسالة تهذيبية تربوية تعتمد القرآن والسنة، وأحوال السلف الصالح مما لا يختلف عليه اثنان .
ويقترح المرحوم شكري فيصل شيئاً من التهذيب والصقل للرسالة لتصبح كتاباً يقرأ فيه الناس جميعاً صوراً رائعة من صور المجاهدات النفسية نحو حياة فضلى تنصرف إلى ايقاظ الضمير وإشاعة الخير وتحقيق معنى الإنسانية في إطار من الإيمان والاطمئنان والثقة العميقة بالله .