يقول الله جل شأنه في كتابه العزيز: إِنا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السمَاواتِ وَالأرْضِ وَالجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنهُ كَانَ ظَلُوماً جهولاً .

وقد اختلف المفسرون في تحديد ماهية الأمانة التي عرضت في الوجود الغيبي الإنساني السابق على هذا الوجود الأرضي، وذهبوا في ذلك كل مذهب ممكن .

قال بعضهم هي: الطاعة، وقال البعض الآخر هي: التكليف، وقيل: هي الدين والفرائض والحدود، وقيل: هي كل ما أؤتمن عليه من قول أو عمل أو مال أو علم، وبالجملة كل ما يكون عند الإنسان من النعم التي تفيده، وتفيد غيره، وكلها من لوازم الحرية أو هي من تبعات المسؤولية كما هو بيّن وواضح .

يقول الإمام الزمخشري: (يريد بالأمانة الطاعة، فعظم أمرها وفخر شأنها، ويراد بها الطاعة، لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء، وعرضها على الجمادات، وإباؤها وإشفاقها مجاز، وأما حمل الأمانة، فمن قولك: فلان حامل الأمانة أو محتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته وتخرج عن عهدته) .

أبعاد جديدة للأمانة

وقدم لنا الفيلسوف الفخر الرازي (606ه) أبعاداً جديدة لمفهوم الأمانة، ويفسرها بالتكليف، فيقول: (إنا عرضنا الأمانة)، أي التكليف، وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، (واعلم أن هذا النوع من التكاليف ليس في السماوات، ولا في الأرض، لأن الأرض والجبال والسماء كلها على ما خلقت عليه، الجبل لا يطلب منه السير، والأرض لا يطلب منها الصعود، ولا السماء الهبوط، ولا في الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء، لكن ذلك لهم كالأكل والشرب فيسبحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه) .

وهكذا يفرق الفخر الرازي بين الإنسان وغيره من المخلوقات بالتكليف، حيث يجعل التكليف هو الخاصية التي صار بها الإنسان إنساناً، ويفسر التكليف بأنه الأمر بخلاف ما في الطبيعة، حيث أن كل المخلوقات غير الإنسان حسب مفهومه أمر الله لها موافق لماهيتها وطبيعتها .

وينقل لنا ابن كثير أقوال بعض الصحابة والتابعين في تفسير معنى الأمانة فيقول نصاً: (قال العوفي عن ابن عباس يعني بالأمانة: الطاعة، عرضها على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فقال لآدم: إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها، قال يا ربي وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم، وحملها بذلك) .

ثم يذكر ابن كثير في تفسيره قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري وغير واحد: (إن الأمانة هي الفرائض، وقال آخرون هي: الطاعة، ثم يذكر عن قتادة قوله: إنها الدين، والفرائض، والحدود)، وأخيراً يعلق ابن كثير على هذه الأقوال كلها بقوله:

(وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه: إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله) .

وجاء في تفسير الإمام السيوطي المتوفى سنة 91 للهجرة: (إنا عرضنا الأمانة) هي الصلوات وغيرها، من فعلها له الثواب، ومن تركها عليه العقاب .

وقال الإمام محمد جمال الدين القاسمي المتوفى سنة 1332 للهجرة:

عبر عنها بالأمانة تنبيهاً على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين، وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحس الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، ومعنى الآية أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة مراعاتها، وكانت ذات شعور وإدراك، لأبين قبولها وأشفقن منها .

اختيار وابتلاء

هذا بعض ما قالوه في معنى الأمانة، ولا شك عندنا في أن معرفة الخاصية التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات هي التي تقودنا إلى معرفة الأمانة التي انفرد وحده بقبولها، ومعرفة الأمانة تقودنا بدورها، إلى معرفة أهم حقائق الوجود الإنساني .

إذاً ما هي ميزة الإنسان التي لا يشاركه فيها غيره من المخلوقات، ليكون هو الخليفة في الأرض؟

إجابة هذا السؤال تعرفنا ماهية الأمانة التي تميز بها الإنسان، ويمكننا أن نمسك بأول خيط في تعريف الأمانة بمعرفة المعروض عليهم هذه الأمانة، من أبى أن يحملها، ومن حملها، ومعرفة الفارق الجوهري بين الممتنعين عن حمل الأمانة، وبين القابلين حملها؟

والسؤال هو: من هم المعروض عليهم حمل الأمانة؟

عرضت الأمانة على تلك السماوات الرحبة المرفوعة بغير عمدٍ ترونها، الأشد خلقاً من الإنسان: أَأَنتُمْ أَشَد خَلْقاً أَمِ السمَاء بَنَاهَا (النازعات: 27) .

وعُرضت الأمانة على الأرض التي تحمل الإنسان، وصلب الصخور، وشاهق الجبال والمباني والمساكن، والبحار والمحيطات وما فيها جميعاً: أَمن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ معَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، (النمل:61) .

وعُرضت الأمانة على الجبال التي تأخذ الأبصار بشموخها وصلابتها ورسوها ورسوخها: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (فاطر: 27) .

وأول ما نلفت النظر إليه أن جمادية هذه المخلوقات لم تكن هي مناط العبرة في العجز عن حمل الأمانة، كما ذهب متأولون . . وليست العبرة ولا مناطها في ضخامة أجرامها وطاقتها على الحمل والتحمل:

السماوات وما تحمل من أهلها وكواكبها ونجومها، والأرض وما تحمل من أهلها وجبالها وبحارها ومحيطاتها ومخلوقات تعيش عليها وفيها .

والجبال نفسها، تلك الشاهقة الراسخة وقدرتها على الحمل غير منكورة .

كل هذه القدرات على الحمل لم تسعف هذه المخلوقات في أن تحمل الأمانة المعروضة عليها، وبقيت كما خلقت، وكما ارتضت لنفسها مخلوقات مسخرة .

هنا تبدو أول وأهم ملامح الأمانة التي رفضت تلك المخلوقات المسخرة أن تحملها، إنها مخلوقات أرادت بإشفاقها من حمل الأمانة ألا تخرج من طبيعة تكوينها التسخيري، أي أنها رفضت إلا أن تكون مُسخرة، رفضت أن تكون حرة تفعل ما تشاء، وتحاسب على ذلك بأعدل الجزاء، رأت نجاتها في ألا تكون حرة الإرادة، فأبت أن تحمل ما عرض عليها .

أبت تلك الحرية التي تضعها في محنة الابتلاء، أبت مسؤولية الاختيار .

لأنها عرفت أنها داخلة في اختبار وابتلاء أن يكون لها حرية الفعل، ويكون عليها جزاء العمل .

فرغبت عن الاختبار، ورغبت في أن تكون مُسيّرة .

هي الحرية التي أبت السماوات والأرض والجبال، وما كان مثلها من مخلوقات أن تحملها، وحملها الإنسان . . وهو من هو في ضآلة جرمه ومحدودية طاقته .

حمل الأمانة، فكان أن سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض، تكريماً له على قبوله الأمانة، وإعداداً له لخلافة الله في الأرض .

وأصبح الإنسان مسؤولاً عن عمله، يحاسب عليه ثواباً وعقاباً، ولا يحمل أحد عنه تبعة مسعاه . أبى الإنسان التسخير وتحمل تبعية الحرية والاختيار .

قبل الإنسان مخاطر الابتلاء وعثرات الجهل، وفتح ربه عز وجل أمامه أبواب التوبة، فيتعثر ويخطئ ويتعلم من تجربته ويهتدي إلى سواء السبيل، حمل الإنسان الأمانة، فحمل جوهر إنسانيته: الحرية .

لو قبل التسخير كما فعلت السماوات والأرض والجبال وكل من قبل التسخير، لأعفاه ذلك من المسؤولية والحساب .

فالحرية تقابلها المسؤولية، والتسخير يقابله الإعفاء من أي مسؤولية .

الحرية يقابلها التكليف، والتسخير يقابله الامتثال .

الحرية يقابلها الابتلاء، والتسخير تقابله الطاعة .

حمل الإنسان الأمانة، فحمل إنسانيته، وحمل حريته، حمل مسؤوليته، حمل ابتلاءه، وحمل تكاليفه، وما فتئ أن عصى ربه وغوى، وندم وتاب، وتاب عليه ربه فهدى، وأهبط إلى ساحة الابتلاء والتكليف حاملاً أمانته، وحاملاً حريته معه .