قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاء فَلَنُوَليَنكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِن الذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنهُ الْحَق مِن ربهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَما يَعْمَلُونَ)
اقتضت حكمة الله أن يجمع (أمة التوحيد) على قبلة واحدة، فأمر خليله إبراهيم عليه السلام بأن يبني هذا البيت العتيق، ليكون مثابة للناس وأمناً، ومصدراً للإشعاع والنور الرباني، ومكاناً لحج بيته المعظم، يأتيه الناس من كل فج عميق (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيامٍ معْلُومَاتٍ) وقد أمر الله رسوله الكريم بالتوجه إليه في الصلاة، بعد أن توجه إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وذلك لحكمة جلية هي امتحان إيمان الناس، واختبار صدق يقينهم، ليظهر المؤمن الصادق، من الكاذب المنافق، وليعيد لهذه الأمة التي اختارها الله، قيادة ركب الإنسانية، بعد أن تخلت عنها ردحاً من الزمان كما قال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدينِ مِنْ حَرَجٍ ملةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَماكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى الناسِ) .
إن الكعبة المشرفة زادها الله شرفاً وتعظيماً هي رمز التوحيد، ومظهر الإيمان، وقبلة أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن وحولها تلتقي أفئدة الملايين من المؤمنين لأنها مظهر وحدتهم، وسر اجتماع كلمتهم، فلا عجب أن يأمرهم الله تعالى بالتوجه إليها في صلاتهم أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها .
خصوصية إسلامية
إن تحويل القبلة من علامات الأمة الظاهرة في تميز الصف المسلم، وتنقيته من الخبث، تماماً كما كانت رحلة الإسراء والمعراج، وكما كانت سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه وما تبعها من قتلٍ في الشهر الحرام، وكما كانت غزوة أحد، وكما كانت أحداث الحديبية، وكلها تصب في سياق التطهير وتنقية الصف المسلم .
أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن مالك عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر، قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه الليلة، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى القبلة: الكعبة .
إن الأمة التي شاء الله تعالى لها أن تكون الأمة الوارثة المستخلفة في الأرض والتي تحمل الأمانة وتشهد على العالَمين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمةً وَسَطاً لتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143) هذه الأمة أراد لها الله تعالى أن تنفرد بحس إسلامي رباني مميزٍ، فاتجاه المسلمين إلى بيت الله الأول هو تميزٌ للمسلمين، هو وراثة الفضل من الله تعالى، فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا له بالأمن والرزق والبركة والحفظ لهو السياق الطبيعي المنطقي لوراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده عليه السلام مع ربه سبحانه، وهو المنهج الذي يميز أمة الشهادة، فيربطها بأصولها وتاريخها وعقيدتها، ويمنحها القيادة التي خُلقت لها وأُخرجت للناس من أجلها، فلها تميز في الجذور والأصول، وفي الأهداف والغايات، وفي الراية والوجهة .
وهذه الخصوصية وذلك التميز هو ما كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الله تعالى لأجل الحصول عليه . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاء) إلى قوله: (فَوَلواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: 144-150) .
إن الخصوصية والتميز ضروريان للجماعة المسلمة، في التصور والاعتقاد، وفي القبلة والعبادة، وفي كل شيء .
اختبار في التسليم
وكانت حادثة تغيير القبلة اختباراً لمدى قدرة الأمة المسلمة على التسليم بكل ما يجيء به دينها، ولمدى إمكانية أن تغير ما في نفسها كي تؤمن وتطيع وتلتزم، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتبِعُ الرسُولَ مِمن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ) (البقرة: 143) . وهكذا يجب أن يكون لهذه الحادثة اليوم آثارها في نفوسنا وفي علاقاتنا بالآخرين .
وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها كبيرة: (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ) البقرة: ،143 غير أنها ليست كذلك على الذين هدى الله تعالى، فمع الهدى لا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها أي رداءٍ سوى الإسلام، وأن تنفض عنها رواسب الجاهلية، وأن تتجرد لله تعالى تسمع منه وتطيع، وحيثما وجهها الله تعالى تتجه .
هذا التسليم أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلمُواْ تَسْلِيما) (النساء: 65) .
وقد نجحت الأمة المسلمة في هذا الاختبار، وفي قدرتها على التسليم وعلى تغيير النفس، وتعاملنا اليوم مع هذه الحادثة يجب أن يكون بمنطق تحويل القبلة: بأن نخلع عن أنفسنا كل ما يعوق التزامنا بتعاليم ديننا، وهكذا كان لتحويل القبلة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الأمة المسلمة في داخلها، وفي علاقاتها مع الآخرين .
حكم جديد
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلناسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلا الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِم نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة: 150).
والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم والكعبة المشرفة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشعر - حسب فطرته التي فطره الله عليها منذ الأزل - بهذا، ويود التوجه نحو الكعبة ويحن إلى هذا، وهذا التوجه والحنين شرحه القرآن الكريم: (قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهكَ فِي السّمَاء) .
أما هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من تقليب وجهه في السماء فهو رغبته أن يضع الله تعالى حكماً جديداً في موضوع تحويل القبلة . أجل، كان ينتظر نبأَ من السماء لذا نرى أن الآية في عقبها تبلغه البشارة (فَلَنُوَلّيَنكَ قِبْلَةً تَرضَاهَا) . والظاهر أنه من الصعب فهم هذه الحقيقة، ولا يفهمها إلا شخص كالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يدرك هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين الكعبة حق الإدراك بفطرته .
أجل، كانت لحقيقة الكعبة علاقة وثيقة به . ولكن كانت مسألة التوحيد التي هي سبب بعثته أهم بكثير جداً من قدسية الكعبة ومن كونها قبلة للصلاة، ولذا توجه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة في صلاته نحو المسجد الأقصى واستمر على هذا مدة أخرى في المدينة كذلك .
أما يهود المدينة فإنهم بدأوا يدعون - انطلاقاً من كون قبلة المسلمين نحو المسجد الأقصى - بأنهم هم الأصل وأن المسلمين تابعون لهم لكي يجعلوا من هذا الموضوع حجة لدينهم، ولو شاء الرسول صلى الله عليه وسلم لحول القبلة إلى الكعبة عند أول وصوله إلى المدينة، ولكنه لم يكن يتصرف بمشيئته وبرغبته، بل كان على الدوام متعلقاً بالله مخلصاً له في كل شأن من شؤونه ينتظر الأوامر منه، مرجحاً هذه الأوامر على رغبات قلبه، فقد كان إنسان الذروة يستشرف أبعدَ الآفاق الإنسانية إلا أنه لم ينسَ كونه عبداً رسولاً يأتمر بأمر الله تعالى .
النعمة الكبرى
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام - بتوجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى - بإشعال نور الهداية في قلوب العديد من اليهود أمثال عبدالله بن سلام، وبعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً من هذا التوجه شطر المسجد الأقصى لم يعد بمقدور المشركين القول: أنتم تتوجهون نحو الكعبة المملوءة بأصنامنا، إذن فإن ديننا هو الأصل ولا بمقدور اليهود القول: أنتم تتجهون إلى قبلتنا، إذن فديننا هو الأصل . في مثل هذا الجو جاء الأمر الإلهي بالتوجه شطر المسجد الحرام فحقق الوصال بين ذات الرسول صلى الله عليه وسلم وذات الكعبة المشرفة .
(وَلأُتِم نِعْمَتِي عَلَيْكُم) أي أن توجهكم في الصلاة شطر المسجد الأقصى كان نعمة، ولكن النعمة الأصلية الكبرى كانت في لقاء الأحبة . أي التقاء الرسول صلى الله عليه وسلم - الممثل للأمة الإسلامية - بالكعبة، ومن هناك العروج في ما بعد إلى سدرة المنتهى ليحظى بالنعمة الإلهية وجهاً لوجه، وهكذا يكون الله تعالى قد أتم نعمته، وهو شرف اختص به الله هذه الأمة التي أسبغ عليها رحمته .