هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«.. إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».. (القصص: 76 و77)
يخبر الحق -سبحانه وتعالى- في الآية الكريمة عن مشهد يتحدث عن التصور الإيماني، الذي يجب أن يرسخ في أذهان الناس وهو معنى الشكر للذي أعطى ووهب كل ما يتمتع به الإنسان في الحياة من نعم، وفي قصة قارون العبرة والعظة، كما ذكر معظم المفسرين، فقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتحصيلها فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، وتكون وجهة الناس في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا ينشغلون بالمتاع عن تكاليفها، وفي هذه الحالة فإن تقديم الشكر للمنعم على عطاياه هو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله سبحانه وتعالى.
المشهد الأول من مشاهد القصة، يتجلى فيه البغي والتطاول، والإعراض عن النصح، والتعالي على العظة، والإصرار على الفساد، والاغترار بالمال، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكر.
فتنة المال
ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه، فتطير لها قلوب فريق منهم، وتتهاوى لها نفوسهم، ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون، ويحسون أنه أوتي حظاً عظيماً يتشهاه المحرومون، وفي المقابل يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون، ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين بما هو حق في ثقة ويقين.
لم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم، وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم، فأتى التهديد في السورة رداً على تكبره وغروره، فإن كان ذا قوة وذا مال، فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشد منه قوة وأكثر مالاً، وكان عليه أن يعلم هذا، فهذا هو العلم المنجي، وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد!
ويجيء المشهد الثالث حاسماً فاصلاً: وقف قوم قارون يحمدون الله على أنه لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما آتى قارون، وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة، وصحوا على أن الثراء ليس آية على رضى الله، فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب، ولو كان الثراء دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف، إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء، وعلموا أن الكافرين لا يفلحون، ويخبرنا القرآن الكريم على لسان قومه «وأحسن كما أحسن الله إليك».
وكأن لسان حالهم حين رأوا زهوه وتكبره وغروره في مشهد يدل على نكران ما أنعم الله به عليه أن هذا المال هبة من الله وإحسان، فليقابل بالإحسان فيه، إحسان التقبل وإحسان التصرف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكران، لكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم، وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم.
بين موسى وقارون
وفى تفسير (مفاتيح الغيب) للإمام فخر الدين الرازي، يروى أن موسى، عليه السلام، لما قطع البحر وأغرق الله -تعالى- فرعون جعل الحبورة (من الأحبار) لهارون، فحصلت له النبوة والحبورة، وكان صاحب القربان والمذبح، وكان لموسى الرسالة، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فقال: يا موسى لك الرسالة، ولهارون الحبورة، ولست في شيء ولا أصبر أنا على هذا، فقال موسى، عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهارون، ولكن الله جعله له، فقال: والله لا أصدقك أبداً حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى، عليه السلام، رؤساء بني إسرائيل بأن يجيء كل رجل منهم بعصاه، فجاؤوا بها، فألقاها موسى، عليه السلام، في قبة له.
وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون يهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهارون! فقال: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثر، وولي هارون الحبورة والمذبح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هارون فيضعها في المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه، وكان كثير المال والأتباع من بني إسرائيل، فما كان يأتي موسى، عليه السلام، ولا يجالسه.
يقول محمد الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»: «إن لهذه القصة اتصالاً بانتهاء قصة جند فرعون، وقارون اسم معرب أصله في العبرانية (قُورَح)، بضم القاف مشبعة وفتح الراء، وليست حروفه حروف اشتقاق من مادة قرن، و(قورح هذا ابن عم موسى، عليه السلام)، فهو قورح بن يصهار بن قهات بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو ابن عمرم، المسمى عمران في العربية، بن قاهت، وورد أن قارون تألب مع بعض زعماء بني إسرائيل، مئتين وخمسين رجلاً منهم، على موسى وهارون، عليهما السلام، حين جعل الله الكهانة في بني هارون من سبط (لاوي) فحسدهم قورح إذ كان ابن عمهم، وقال لموسى وهارون: ما بالكما ترتفعان على جماعة الرب؟ إن الجماعة مقدسة والرب معها، فغضب الله على قارون وأتباعه وخسف بهم الأرض، وذهبت أموال قارون كلها، وذكر المفسرون أن فرعون جعل (قارون) رئيساً على بني إسرائيل في مصر، وأنه جمع ثروة عظيمة.