القنص أو الاقتناص في قانون الغاب، هو إما أن تأكل الفريسة وإما أن تكون لقمة سائغة للحيوانات القانصة، فتؤكل وتصبح في خبر كان، لأن قانون الغاب لا يعرف الرحمة، حيث البقاء للأقوى، وعلى الرغم من قسوة هذا القانون نجد فيه شيئاً من الإثارة والسحر والغرابة، لا سيما في المشاهد المثيرة التي تحبس الأنفاس .

في عالم الغاب نجد أن كل نوع أو صنف من الحيوانات يمتلك تقنيته الخاصة في عملية الصيد أو الاقتناص، فأحياناً تكون خاطفة وأحياناً تكون قائمة على المواجهة، وفي غالب الأحيان يكون العنف أساسها على الرغم من ضرورتها في هذا العالم الذي يقوم على التنافس وقتل القوي للضعيف .

ولو شئنا أن نعرف المزيد عن هذا العالم العنيف، فليس لنا إلا أن نتجول في بعض غابات العالم، ولنبدأ من العاصمة الإندونيسية جاكرتا، حيث يقطن غاباتها ثمانية آلاف حيوان من شتى الأنواع، ويمكن لنا أن نلحظ ونحن نتجول في حدائق المنازل الموجودة في الأحياء الكبرى، مشاهد جديرة بأن تكون من المناظر المعروفة في الغابات الاستوائية، فعلى سبيل المثال نجد أن الثعبان ذا العنق الملون (الحنش) ينجذب نحو غناء الضفادع، فيتبعها ويكمن لها، وما أن تحين الفرصة وهو كامن بين الأغصان، حتى ينقض عليها انقضاضة خاطفة، ماسكاً إياها بفمه العريض من الجهة الخلفية، ومحكماً بقبضة فكه الأعلى عليها، بينما تعمل أنيابه الفتاكة على ابتلاعها رويداً رويداً، وهي تحاول الانفكاك من هذا الشرك العظيم، وعلى مدى عشرين دقيقة تحاول الضفدعة التمسك بالأغصان هرباً من قبضة الثعبان القانص، لكن محاولاتها تبوء بالفشل، اللهم إلا أن الحركة غير الإرادية لمصور المشهد هي التي حالت دون ابتلاعها ودفع الثعبان (الحنش) إلى الهرب فجأة تاركاً الضفدعة تلوذ بالفرار بدورها بأقصى ما لديها من سرعة، على الرغم من الجرح العميق الذي تركه الثعبان في إحدى قوائمها، ولا شك في أن الثعبان القانص سيشعر بالحزن وبخيبة الأمل، لأنه سيكون بهذه الطريقة قد فاتت عليه وجبة غذائية تكفيه لأسبوع كامل . ونبقى في إندونيسيا وفي عالم غاباتها الغريب لنكتشف نوعاً من النمل البرتقالي اللون المعروف بمجساته الفتاكة القادرة على الإيقاع بأية فريسة تزيد على وزن النملة مئة مرة، ولذا فهذا النوع من النمل يمكنه أن يصطاد عصفوراً أو سحلية، ويحمله إلى عرينه أو مملكته النملية الواقعة في أعلى شجرة البامبو، وهذا الأمر لا يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق فقط، سبحان الله .

ومن جاكرتا نصل إلى جزر الباهاما، وهناك يفضل لزائر المنطقة ألا يدخل كثيراً في عمق البحر، لأنه ربما سيفاجأ بأنياب فتاكة، كما حدث لهذه السمكة الكبيرة التي وقعت فريسة سائغة بين فكي سمك القرش القويين، ويستخدم هذا النوع من سمك القرش، المسمى بالقرش الليموني، نسبة إلى لون ظهره الأصفر، حاسة الشم القوية لديه لتتبع الجزيئات الكيميائية كالأحماض الأمينية الموجودة في لحم الأسماك، ولا شك في أن طول هذا القرش الكبير الذي يزيد على 5 .3 متر، وحبه للمياه غير العميقة كثيراً يجعله من أحد المخاطر الكبرى على السياح في هذه المنطقة المعروفة بتوافد الكثير من السياح إليها في فصل الصيف، والذين يتعرضون لهجمات هذا الوحش الكاسر من دون سابق إنذار .

ونحط الرحال بعد الباهاما في إسبانيا لنلتقي مع حشرة فرس النبي المعروفة بقوائمها العملاقة، مقارنة مع طول أعضائها الأخرى، ويبدو أن القوائم الأمامية عبارة عن سلاح فتاك للغاية، فما أن تلتف هذه القوائم حول الفريسة حتى يصعب عليها الإفلات منها، وهذا ما حدث لأبو بريص، فالمهماز الموجود على القوائم وعظام الفخذين تنغرز بقوة داخل لحم أبو بريص كأسنان المنشار، ولسوء حظ أبو بريص فإن عملية التهامه تحدث وهو حي، نظراً لأن مجسات فرس النبي قادرة على طحنه على الهواء مباشرة وبلا رحمة، إنه قانون الغاب .

وفي بريطانيا يوجد نوع من العناكب البرمائية الذي يفضل الاصطياد داخل الماء، ويمتلك هذا النوع من العناكب في نهاية قوائمة حريراً قادراً على الإحساس بالذبذبات التي تصدرها الفريسة عند اقترابها، ومن ثم فإنه يغوص سريعاً في الماء ويلتقطها بالقوائم الأمامية ثم يحقنها بسم زعاف يشل حركتها، ويمكن لهذا العنكبوت أن يبقى تحت الماء لعدة دقائق ويتنفس الأوكسجين الموجود في الحرير القادر على الاحتفاظ بالماء، أما عن الضحية فهي سمكة تعيش في المياه العذبة، وهي من الأكلات المفضلة لهذه العناكب التي تعيش في أوروبا، والتي يصل طول قوائمها إلى 7 سم .

وننهي رحلة القنص الطبيعي في تنزانيا، حيث تسرح الحيوانات المتوحشة كالأسد والنمر، وتمرح ولا تدع في بعض الأحيان مجالاً للحيوانات البرية الأقل قوة وتوحشاً منها كحيوان النوثيتل الإفريقي الشبيه بالبقر، وخلافاً لما هو معروف عن إناث السباع، وأنها هي التي تصطاد في العادة نجد أن ذكور السباع تلجأ إلى الاقتناص في بعض الأحيان إن سنحت لها الفرص، كما يحدث في حديقة سيرنجيتي التنزانية، فالأسود تربض عادة في الأرض وتلاحظ ما يدور حولها كمشاهدة قطعان النوثيتل التي تمر أحياناً بجانبها، وفي بعض الأحيان يستغل الأسد الرابض مرور قطعان النوثيتل أو بالأحرى تأخر أحد أفراد القطيع عن السرب فيداهمه بعنف وقوة شديدة ويغرز مخالبه في جسمه ويعضه عضة قاتلة في رقبته، وخلال ثوان يكون النوثيتل قد أصبح لقمة سائغة لقطيع الأسود في المكان، وربما يحاول النوثيتل استخدام قوة قرونه إن بقي فيه شيء من القوة، لإبعاد الأسد، ولكن يكون ذلك بعد فوات الأوان، وهكذا يكون مصير هذا الحيوان مثل مصير العديد من أ فراد صنفه، حيث تقدر أعدادها بين مليون ومليوني رأس في تنزانيا، علماً بأن أعداد الأسود تتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف أسد في الحديقة الوطنية هناك .