في عام 375 م دمرت قبائل الهون قارة أوروبا وأحرقت الأخضر واليابس في طريقها ناشرة الرعب في أي مكان تصل إليه، ورويت حكايات مخيفة عن أسلحة الهونيين وعن مرماها البعيد، كما رويت حكايات مرعبة عن مظهرهم الخارجي حيث وصفوا بأنهم بشعون ومتوحشون.
والواقع ان الهونيين هم أحفاد الأتراك فالتاريخ التركي يبدأ حسب المؤرخين مع الهونيين الآسيويين أي امبراطورية الهون الكبرى. ولقد أسس هؤلاء دولتهم في منطقة مركزية تقع بالقرب من أوتومان التي يعتبرها الأتراك بلداً مقدساً، وكذلك عند أنهر أورهون بتركيا. وتعني كلمة هوني في اللغة التركية الإنسان أو الشعب ويصل تاريخ المعلومات الأولية التي تعرف عن الهونيين إلى القرن الرابع قبل الميلاد وتوجد الوثيقة الرسمية الأولى حول هذا الشأن مع سلالة (شو) الصينية وهي عبارة عن اتفاقية يعود تاريخها إلى عام 318 ق.م حيث قام الصينيون على إثرها ببناء سد الصين العظيم عام 214 ق.م لردع الضغط الهوني المتزايد عليهم من جهة الشمال.
المحاربون الأفظع
ويشير المؤرخون إلى أن الهونيين أنشأوا جيشاً جعل العالم بأسره يرتعش أمامه فقد كانوا يظهرون حيث لا يتوقع ظهورهم وكانوا يهاجمون الناس ويسرقونهم. وبالنسبة إلى شعوب العصور القديمة، كان المحاربون الهونيون الأفظع فالناس يقولون إنهم لم يشهدوا شدة في قتالهم بهذه الوحشية، بل يصفهم المؤرخون والروايات المتوارثة بأنهم كانوا بالغي السرعة ويمتطون أحصنتهم الرشيقة وكأنهم ولدوا عليها وذلك وسط ضراوة المعارك التي يصوبون فيها أسلحتهم بأياد هادئة وتسبب سهامهم الموت على الفور حيث إن أحدهم لايخطئ في اصابة الهدف.
وليست لدى الهونيين أي مهنة سوى الصيد وهم يتجولون من مكان إلى آخر كاللصوص ويسرقون كل ما يحتاجون إليه (الحبوب والمواشي وحتى الناس). وكان الهونيون يكونون مجموعات صغيرة تقوم بعميات النهب بشكل وحشي وغير منضبط ويتسلحون بسهام ذات رؤوس ثلاثية مخيفة تميت الخصم من الرعب قبل أن تصيبه. وكان سلاح الهونيين يوصف بسرعته الكبيرة وقدرته الاختراقية العالية. ويصف عالم الآثار المجري بيتر طومكا سلاح الهونيين قائلا أول شيء نلحظه هو سلاح الهون الرسيع المتمثل بالقوس المركب ذي الطراز الشرقي، فلقد تدرب الجندي عليه أثناء رحلات الصيد بطريقة مدهشة جعلته خارقاً ويتميز بعامل المفاجأة أثناء استخدامه ضد الأعداء. ويذكر طومكا أن الهونيين كانوا أول أناس يضعون السروج المناسبة لخيولهم والتي تتوافق جيداً مع فرسانهم الرشيقين الذين كان بوسع الواحد منهم رمي ثلاثين سهماً في الدقيقة هو يمتطي حصانه السريع.
الملك الأسطوري
طبقاً للكشوفات الأثرية تقع امبراطورية الهون في شمال نهر الدانوب، وقد نشأت هذه الامبراطورية القوية تحت قيادة ملك يسمى (أتيلا) الذي كان يتوق للسيطرة على العالم.
وكان منزل الملك الذي يصفه بعض المؤرخين بالاسطوري يقع بين نهري الدانوب والتايزو. وبحسب وصف القدماء، فإن قصره كان مشيداً وفق للطراز الأوروبي وكان محاطاً بأكواخ صغيرة، ولكن كيف بدا محاربو (أتيلا) المثيرون للرعب؟ تقول عالمة الأنثربولوجية أجنيش كوشتار: الهونيون وحوش ممسوخة فعوضاً عن الوجه، كانت لديهم كتلة مثيرة للاشمئزاز ذات ثقوب بدلاً من العيون.
وتشير كوشتار إلى ان فرسان منغوليا الحاليين لديهم ملامح في وجوههم تشبه الهونيين وهذا دليل حسب رأيها على أن الهونيين جاؤوا يوماً ما من هناك.
ويقول المؤرخ أميانوس مكاليناس إن ملك القوط الشرقيين (أرمانيريك) الذي كان معروفاً بمهابته وبأساليبه الحربية العنيفة أدرك أن قومه لن يتمكنوا من محاربة الهونيين ولذا فقد فضل أن ينتحر بدلاً من أن يحمّل قومه وزر وحشية الهونيين. ومع ذلك فقد رفض القوطيون الشرقيون الخضوع للهونيين وانضموا إلى الامبراطورية الرومانية واستقروا عند جنوب نهر الدانوب كقاعدة أمامية للامبراطورية ضد الهونيين.
يأجوج ومأجوج
ويقول المؤرخون إن أول من ذكر قصة يأجوج ومأجوج أو بالأحرى (جوج وماجوج) المؤرخ الشهير فلافوس يوسفوس وكذلك هيرو تيموس غير أن الترجمة السريانية لهذه القصة جرت في القرن السادس الميلادي. وقد اعتبر الكاتب السرياني يعقوب السروجي وهو من أدباء السريان في القرن السابع للميلاد ان شخصيتي جوج وماجوج من الشخصيات التي تمثل الهونيين وهم قبائل همجية غزت سوريا سنة 514 و515. ومن الغريب ان هذه القصة تتصل بقصة ذي القرنين في التراث العربي والإسلامي. ويقول الحسن البصري: إن يأجوج ومأجوج أصلهم من ولد يافث بن نوح ويلقب بأبي الترك ويأجوج ومأجوج من الأتراك وكذلك الهونيون، فهل هؤلاء هم حقاً يأجوج ومأجوج الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم؟
وجاء في تاريخ ماير أن قبائل الهون عبرت الحدود الفاصلة بين آسيا وأوروبا سنة 375م وهبطت على العشائر الجرمانية عند ضفاف الدانوب ومزقت الجيوش الرومانية شر ممزق. ومن قبائل الهون هذه وأخواتها التي جاءت سنة 889م تألف الشعب الهنغاري الذي يعني (هن غار) وهم من العنصر المنغولي. وخلافاً للرأي القائل بأن الهونيين كانوا إلى البشاعة والدمامة أقرب، يرى جوزيف ماير الذي نشر في أربعينات القرن التاسع عشر الميلادي موسوعة كبيرة، أن الهونيين يمتازون بجمال الصورة والذكاء ولين العريكة وحب الاستقلال. ويضيف ماير أن الهونيين نزحوا غرباً عبر نهار الفولجا عام 350م وهزموا الشعب الألاني ثم هزموا بعد ذلك القوط وطردوهم وغزوا بلاد الفال (فرنسا الحالية). ولكن في النهاية ضعف الهوتيون عام 451م وفشلوا بعد ذلك في محاولات الغزو الأخرى. وبعد موت ملكهم أتيلا عام 453 م ثارت الشعوب الخاضعة لهم وألحقوا بهم الهزائم إلى أن تلاشوا وذابوا في سلالات أوروبا المختلفة.