على بعد 18 كيلومتراً الى الشمال من مدينة الفجيرة، تقع قرية قدفع التي تشتهر بوجود آثار تاريخية قديمة أهمها المدفن الجماعي الذي يأخذ شكل قوس . كما تتميز القرية بخصوبة أرضها ووفرة مائها العذب مما شجع مواطنيها على احتراف الزراعة منذ القدم، كما يشتهرون منذ القدم بأعمال الصيد وركوب البحر وذلك لموقع القرية على الساحل، وبذلك كانت الزراعة والصيد المصدرين الأساسيين لتأمين لقمة العيش . أهالي قرية قدفع يتميزون منذ القدم بقوة الصلات الاجتماعية فيما بينهم، وهو ما استمر مع الجيل الحديد .
وحينما تذكر قرية قدفع يتذكر الجميع المتداول من حكايات عن طبيعتها الخلابة وسحرها الذي لا يقاوم، فضلاً عن الآثار المكتشفة فيها .
الشاب عبدالله خميس عبدالله وقف بنا عند المدفن الجماعي التاريخي المبني من الحجارة المسطحة والحصى، وقال إن تاريخه يعود الى النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، وأنه يعتبر من أكبر وأغنى المدافن الجماعية في الإمارات . وأضاف أنه تم اكتشافه من قبل إدارة الآثار بالديوان الأميري بالفجيرة ووجد داخله أعداد كبيرة من اللقى الأثرية الحجرية والفخارية والبرونزية كالخناجر ورؤوس السهام وبعض الأدوات التي كان سكان المنطقة يستخدمونها قديماً .
وعاد الحاج عبدالله محمد الظنحاني بذاكرته الى صور الحياة قبل عقود قائلاً: عايشنا ظروفاَ صعبة قبل قيام الاتحاد وكنا نعتمد بشكل أساسي على ركوب البحر والزراعة لسد حاجاتنا اليومية من خلال صيد الأسماك بجميع أنواعها وزراعة أشجار النخيل والطماطم والذرة والبصل وحبوب القمح وغيرها من المحاصيل التي كان يتم بيعها أو مقايضتها مع التجار الذين كانوا يرسون بقواربهم على الساحل البحري للقرية ومعهم الزيت والدقيق والملح وبعض احتياجات الأسر من الملابس والأقمشة وغيرها .
ويشير الظنحاني الى دور المرأة في الماضي ويقول: كانت لها في ذلك الزمان الدور الكبير والمهم في الكثير من الأعمال، حيث كانت تذهب لمساعدة زوجها في المزرعة بجانب اطعام الماشية والاعتناء بها وكذلك الاشراف على تجارة الرجل وكافة شؤونه في حال غيابه عن القرية، كما كانت المرأة تقوم بواجباتها الاجتماعية من خلال المشاركة في الأعراس والمناسبات التي كانت تقام بالقرية، ولم تكن مسؤلياتها محصورة داخل البيت .
الحاج حمد عبدالله راشد يؤكد أن الحياة في الماضي كانت بسيطة وقائمة على البساطة والبركة، بالرغم من وجود الظروف القاسية التي كانت تواجه الأهالي، مشيراً الى تميز القرية بقوة العلاقات الاجتماعية القائمة على الاحترام والتعاون . ويوضح أنه في الماضي لم يكن لأي طرف في الأسرة أن يتناول الطعام إلا بوجود الأب وكل أفرادها، وأن الحياة كانت تسير بالتكافل بين جميع أهالي القرية واحترام الصغير للكبير واشفاق الكبير على الصغير . ويؤكد استمرار هذه العادات والتقاليد موجود بين جميع الأهالي الذين حرصوا على تعزيزها في نفوس الأجيال الجديدة .
وحسب الحاج حمد، كان بعض أهالي قدفع في الماضي يعيشون في نوعين من البيوت أحدهما الشتوية المبنية من الحجارة والطين، والثاني الصيفية أي ما يسمى بالعريش وهي المبنية من جريد وسعف النخيل وكانت منتشرة على طول الساحل البحري للقرية .
ويلفت خميس عبيد الظنحاني الى أن الحياة الصعبة في القرية تبدلت بعد قيام الاتحاد وانتقال الأهالي من البيوت القديمة الى أخرى حديثة مجهزة بكل الخدمات .
حسن عبدالله سالم يشير الى أن أهالي قدفع كانوا بجانب أعمال الزراعة والصيد يربون الطيور .
وبجانب مقايضة بعض المحاصيل والتمر بسلع أخرى يحملها التجار الذين ترسو قواربهم على الساحل البحري لمنطقة قدفع كان الأهالي يسوقون محاصيلهم في أسواق دبا وخورفكان عبر رحلة شاقة بين الجبال على الحمير أو الجمال أو على الأقدام .
ويتفق محمد عبدالله حسن وعبيد منصور السعدي مع جميع الكبار في القرية على النقلة النوعية التي شهدتها حياتهم بعد قيام الاتحاد على الأصعدة كافة، خاصة مع انتقالهم الى المساكن الحديثة .
سر التسمية
عن سبب تسمية قرية قدفع، يقول راشد سعيد: كنا نسمع من الآباء والأجداد في الماضي أن منطقة قدفع سميت بهذا الاسم لأن أحد أهالي القرية كان في رحلة تجارية واشترى بعض الاحتياجات من محل وأراد الخروج فطالبه شخص بدفع قيمة ما اشتراه فقال له صاحب المحل: قد دفع، وهناك رواية أخرى تقول إن قدفع قديماً كانت تشتهر بزراعة القطن، وعندما سأل أحد التجار عن حال القطن رد عليه الأهالي بالقول: قد فاع، أي كثر محصوله في المنطقة .
ويؤكد أن ما يميز القرية عن غيرها الهدوء الشديد والخضرة الدائمة ذلك بسبب أرضها الخصبة، كما تتميز بوجود بقايا البيوت القديمة التي سكنها الآباء والأجداد بالإضافة الى المدفن الجماعي الذي يعد من أقدم وأغنى المدافن الجماعية المكتشفة في الامارات .
موقع استراتيجي
أكد أحمد محمد، أحد سكان المنطقة، أن الكثير من مزارع قرية قدفع لاتزال محتفظة بتضاريسها وخصوبة أرضها، على الرغم من ملوحة المياه وقلة الأمطار . وأضاف أن وجود القرية على الساحل البحري من جهة الشرق واحاطة الجبال من جهة الشمال جعلاها موقعاً ذا أهمية استراتيجية كبرى، لذلك شيدت الدولة فيها أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهربائية لتغذي مناطق الساحل الشرقي كما شيدت فيها أكبر محطة تحلية لمياه البحر .