وإذا كانت الأمسيات الشعرية تتطلب من الشاعر تقديم نماذج سهلة الالتقاط السماعي من قبل المتلقي، فإن حال المسابقات يختلف عنها، لأن التنافس يعني تقديم كل جميل يحتوي على تفرد في اللغة وابتكار في الصورة وانطلاق في فضاء واسع من الخيال لاصطياد فكرة راقية، وفي مثل هذا الجو التنافسي تغيب مسألة استسهال الشعر، ويبدأ الشاعر في البحث عن الأصعب مثلما يقول الأمير خالد الفيصل:
يا مدوّر الهيّن ترى الكايد أحلى
ويعتبر الشعر الشعبي بالنسبة لأهل الخليج ومن يشاركهم في التعاطي معه في بعض البلدان العربية هو الأقرب إلى التعبير عن قضاياهم على اختلاف مضامينها، فهو رفيق دروبهم وحادي أسفارهم، وهو غناؤهم في أعراسهم واحتفالاتهم الوطنية والاجتماعية وغيرها، ولذلك اعتمد بعض الشعراء على الكلمة التي تسلم المعنى إلى المتلقي بلا حاجب أو نقطة توقف يستفسر فيها عن المعنى، وربما أثر التبسيط الزائد في المعنى على جودة المبنى، وحاول بعض الشعراء الخروج عن نطاق التقريرية إلى استخدام الرمز من باب إثبات أن هذا النوع من الشعر يستطيع خلق الدهشة بطريقة أخرى، إلا أنهم وقعوا في ضبابية الفهم، وأدخلوا القصيدة في ظلمات وأنفاق لا يستطيع المتلقي الدخول فيها، ثم ظهرت لهجة بديلة تتوسط الإسفاف والإغراق، وأطلق على هذا النوع "اللهجة البيضاء أو اللغة الثالثة" وهذه اللهجة اقتربت كثيراً من اللغة الفصحى، واستطاعت أن تخرج القصيدة الشعبية من نطاق محليتها لتصل إلى كل البلدان العربية واضحة مفهومة وبها روح التجديد، وقد تناول الشاعر فهد عافِتْ قضية التجديد في قصيدة "كيمياء الغي" ومن خلال هذه القصيدة التي أتت على شكل التفعيلة استطاع أن يطرح رؤاه حول هذا الأمر، واستخدم الرمز المكثف مع التبسيط العميق لإيصال هذه الرسالة، حيث يقول:
كيف ابكتب
كيف أبخدع كل هذا اللّب
وأغويه يتخلى عن قشوره
قلت أبرمي رغبة القارئ
في عرض الحيط
وأرمي عرض هذا الحيط للبحر
الذي برميه للأسماك
وبين الإسفاف والإغراق منطقة قد تكون هي المستحوذة على الشريحة الأكبر من الذائقة، وفي مسابقة قصائد إلى عاصمة الثقافة التي خصصت لفئة الشباب، فإن هذه المرحلة من العمر تعتمد على التجريب حتى تصل إلى رؤية واضحة أو خط تنتهجه في الكتابة، وربما تكون المسابقات والدخول في أجواء التنافس سبيلاً جيداً لاختصار مسافات ومراحل التجريب والوصول إلى قصيدة جميلة تحمل الدهشة والخلق .
أربع عواصم ومنبر
العنوان عتبة الدخول إلى النص، هكذا يراه النقاد، وله أهميته للوصول إلى عوالم ومناخات القصيدة، والملاحظ أن أربع قصائد من الخمس الفائزة التقت على كلمة عاصمة في العنوان، واختلفت واحدة في المسمى، فهل هذا التقارب في العناوين يماثله تقارب في العناصر الأخرى؟
في قصيدته "عاصمة الاسلام" حاول الشاعر خالد الكعبي التقاط مفرداته من البيئة التي تصافح من يسكن هذه العاصمة مع مصافحة نور الفجر لها من خلال إعلان إيماني تبثه المآذن:
على نور الفجر في كل يوم ومع نسيم النود
تزف (الشارقة) صوت المآذن من روابيها
وينبت في ثراها من غلاها كل صبح ورود
و تهدي شيخها عطر الزهور وطيب كاديها
ولأن العتبة اتخذت من السرد وسيلة للوصول إلى غايتها، فقد تتابعت العناصر المكونة للفكرة تتابع العناوين، فمر على ذكر ما يرتبط باحتفال الشارقة من منجزات ملموسة دون الدخول في ما وراء هذه المحسوسات من إشراقات:
إلى (سلطان) تثني شكرها وتردد المنشود
ويسمو الشعر في وصفه وتفخر به معانيها
وقف له المجد من عز التواضع واهتفت له حشود
وحيته القلوب ولوحت له بالمحبة كل أياديها
وربما شد انتباه الشاعر جمال الورد وصوت المآذن والمرور على المنجزات المبهجة لهذه الإمارة وألهته عن الشيباني وهو يدندن تفعيلاته:
بعلم وفكر يرقى بالعقول وقادها لسنود
رفع الإنسان بالإيمان قبل يرفع مبانيها
ولم يلتفت الشاعر علي المهيري إلى نزار وهو يقول:
كلماتنا في الحب تقتل حبنا
إن الحروفَ تموتُ حين تُقالُ
إنما توجه إلى الحبيبة مباشرة وخاطبها بثقة وبياء النداء وناداها بأحب الأسماء "عاصمة الثقافة والأدب" وغيرها من هذه الأوصاف التي استحقتها، ليؤكد أن التذلل إلى المحب يسمو بالمحبة ويقويها:
يا عاصمْة الثقافه والأدب والعلم والإيمان
إمارة ألف مسجد والمآذن شاهده فيها
وألهاه هذا الحوار الذي بدأه معها عن الالتفات إلى من هم خارج هذه الدائرة، فبدأ في تطواف تاريخي معها، مر فيه على حضارتها الراسخة ومنجزاتها واستخدم الوصف بديلاً عن الرسم، وركب الشيباني ودندن بمفاعيلن كما ركبه خالد الكعبي في القصيدة الأولى:
صدى التاريخ يشهد لك . . وتاريخك غدا برهان
يا كم يحمل ثرى أرضك حضاراتٍ ويحكيها
متاحف تحتضن موروث يروي سالف الازمان
عن آلاف السنين الماضية للناس ترويها
من (مليحه) إلى (كلبا) و(تل أبرك) بها يزدان
(دبا) حتى (جبل لبحيص) و(الفايا) تجاريها
وهو من خلال هذه الحوارية بينه وبين الآخر "الشارقة" أراد وبطريقة غير مباشرة أن يشرك المتلقي معه عن طريق هذا السرد، ومن خلال ما يقدمه صاحب السمو حاكم الشارقة لهذه الإمارة حتى وصلت إلى هذه المرتبة العظيمة ونالت هذا الشرف .
"منبر" هذا هو المكان الذي وقف عليه الشاعر راشد مسلم الشعبني ليتحدث بصوت قصيدته التي ألبسها مفردات وصوراً مختلفة وهو يترنم بالطويل ويدندن به:
بلادٍ لها موروثها واسألوا الأزمان
شموخ الصواري تشهد بعز بنيانه
سِوار الإمارة شمس تشرق وفا واحسان
وَكلْ ناسها . . من منبع العلم رويانه
سمو مجدها يعكس سمو شيخها سلطان
كساها قلايد من ذهب بارق الوانه
والقصيدة إن لم تبحث عن الصورة تبقى قصيدة فقيرة لا تحمل الدهشة ولا التشويق، وهذا ما انتبه له هذا الشاعر وهو يرسم المنجز بصورة مختلفة، لينهي هذه اللوحة بصورة فنتازية من خلال المنبر الذي يهز الغيم ليتساقط منه المطر:
عَهَدنا منابرها تسوق الفخر هتان
تهزّ الغيوم،، وتسقي قلوب ولهانه
عظيمة البلاد اللي لها ب الثقافة شان
حفظ مجدها رب المخاليق سبحانه!
وما من شك في أن الشعر موثق جيد ومؤرخ، ومن خلاله يستطيع الشاعر أن يكتب أو يرسم بالحرف ما يعايشه من وقائع وأحداث، ويختلف أسلوب كل شاعر في البوح وفي تقنيات السرد وأدوات الكتابة، والشاعر مجد جباري اعتمد على السردية والتقاط صورة فوتوغرافية مجردة، ليسجلها قصيدة تحكي قصة يريدها خالدة لمن يأتي بعده من أجيال ويريد من الجميع مشاركته في هذا القص، وهو يبحر في المسحوب الذي يعد من أكثر البحور استخداماً في الشعبي:
يوم الثقافة في حضن بنت الاجواد
تضمنا في عاصمتها الجديدة
ذابت عيوني في سماها تهجاد
كأنها قبلة هواي الوحيدة
عن شارقةْ سلطان نحكي للأحفاد
عن حكمة أصحاب العقول الرشيده
ومن خلال هذه الحكاية حاول أن يكرر ويؤكد الشعر في أكثر من مرة، لتزدحم القصيدة بتفاصيل كثيرة:
في برها في بحرها كل الأمجاد
كل الأماكن في رباها مجيدة
في غيرها شعري يكلفني أعداد
لابد ما أعيده وأعيده وأعيده
وفيها حروف الشعر تجري وتنقاد
للشعر فيها جاذبية شديدة
وهو يرى أن وصفها ليس بالأمر الصعب، وأن الحروف والشعر سيكونان صيداً سهلاً، لكن استسهال الشعر قد يحوله إلى صياد بدلاً من أن يكون صيداً:
ياهاجسي بالله لاتتعب الضاد
ادخل لها في أي جمله مفيدة
تلقى الجمل تكثر وتكبر وتزداد
وكل جمله تصبح أجمل قصيدة
ومن يدخل هذه الإمارة ويرى ما بها من روحانيات، ستتغلغل في وجدانه ويدخل محراب التعبد طواعية، وفي قصيدة المشيخي التي أخذ عنوانها من عنوان اللقب الذي حازته، أراد من الجميع مشاركته هذا التعبد والابتهال في محراب الشارقة، فجاء بإنشادية تداخلت فيها الأدعية، وفي أجواء هذه الزحمة وقفت المعاني في بناء متعرج:
اقرأ كتاب الله واستفْتح بْخير
نهجٍ من القرآن والدين قران
وابْسم بدار الشارقة واطلق الطير
واعزف لحون السعد في دار سلطان
مع أن خلوة التعبد تمنح الصفاء والمكاشفة مع الروح، وتكون فيها الصورة أوضح، والدعاء موحد الهدف واضح الطلب:
يا شارقتنا حزْتي بْكل تقدير
وفزتي وفاز الكون في أطيب إنسان
فيك الثقافة عاصمة بدون تفسير
بانت بفضل الله عَ مَرّ الازمان
مادام بكْ سلطان للقمّة يْسير
ويبني قواعد راسخة بعدل وإيمان
إن مسابقة قصائد إلى عاصمة الثقافة التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة من خلال بيت الشعر ومركز الشارقة للشعر الشعبي استطاعت أن تكشف عن أمور عدة أهمها أن القصيدة الوطنية حاضرة بتجلياتها، وأن التنافس محفز حقيقي لتفجير طاقات المبدعين، واستطاعت كذلك أن تكتشف بعض المواهب الشبابية التي كانت محتجبة أو غيبت نفسها عن التواجد والحضور، لتبقى هذه المسابقة وكأنها عود ثقاب سيشعل الزمن القادم بإنجازات تضيء أرفف المكتبات ليهتدي إليها الباحث عن منجزات تاريخية سطرتها إمارة الشارقة في عهد راعي الثقافة والأدب والشعر والفن والإنسانية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة حفظه الله .
محمد عبدالله البريكي
عاصمة الثقافة
يا عاصمْة الثقافه والأدب والعلم والإيمان
إمارة ألف مسجد والمآذن شاهده فيها
يا شارقة الأمل والحب طيبك للملا عنوان
في حضنك هالقلوب الوافيه تفخر براعيها
صدى التاريخ يشهد لك . . وتاريخك غدا برهان
يا كم يحمل ثرى أرضك حضاراتٍ ويحكيها
متاحف تحتضن موروث يروي سالف الازمان
عن آلاف السنين الماضيه للناس ترويها
من (مليحه) إلى (كلبا) و(تل أبرك) بها يزدان
(دبا) حتى (جبل البحيص) و(الفايا) تجاريها
عصور تمر تبقى هالحضاره للزمن تيجان
وشارقة الفخر تاريخ والاسلام يكسيها
بها روح الاصاله والتراث يهل من أمزان
بها عادات أجدادٍ تجلت كل معانيها
بفضل الله تطورها وثم بشيخنا سلطان
رجل قدم لنا عمره وقلبه عاش يغليها
يقول: انجازنا نبني فكر في عقل كل انسان
ودون العلم ما تسوى بلاد . . الجهل ينهيها
صروح العلم تشهد له ونبراسه ضوى أذهان
وأرقى الجامعات اليوم تحضن جيل بيديها
هدانا من عناقيد الضيا سيرة عظيم الشان
رسول الله محمد منقذ الأمه وهاديها
يا عاصمة الثقافة . . يا منارة أجمل الأوطان
يفاخر بك شعب دوله . . سقا الله روح بانيها
علي المهيري
عاصمة الثقافة الإسلامية
اقرأ كتاب الله واستفْتح بْخير
نهجٍ من القرآن والدين قران
وابْسم بدار الشارقه واطلق الطير
واعزف لحون السعد في دار سلطان
يا شارقتنا حزْتي بْكل تقدير
وفزتي وفاز الكون في أطيب إنسان
فيك الثقافه عاصمه بدون تفسير
بانت بفضل الله عَ مَرّ الازمان
مادام بكْ سلطان للقمّه يْسير
ويبني قواعد راسخه بعدل وإيمان
عنده سياسة فكر يا حي تفكير
وتدشين للإنجاز مع كل عنوان
أنا اشهد انه خير من يعرف يْدير
وانا اشهد ان الطيب في كفّه ايْبان
الشارقه تلبس من الحشمه كْثير
مادام لبّسها من الستْر فستان
مراكز التحفيظ علمٍ وتنوير
للدين والإنسان منهج وعرفان
معرض كتاب ودور علمٍ وتعمير
ورحمه وراحة بال واحساس واذعان
ولاجل الثقافه دائرة بْفكْر تدبير
تحمي تراث اللي لهم قدرٍ وشان
تفكير فِ الحاضر وللماض تذكير
ومستقبلٍ زاهر مع الوقت قد زان
الله حباها بالمكارم عن الغير
وصارت على وجه الزمن خير برهان
مبروك لك يالشارقه بْكل تعبير
يا عاصمة فكْر وثقافه وسلطان
محمد سعيد المشيخي
منبر . .
عظيم الوطن دامه تميّز عن الأوطان
حفظ رايته رب العباد ورفع شانه
وطن فاتح لنهج التطور سبع "بيبان"
وعلى كل بابٍ ناقش المجد عنوانه!
كتابٍ مداده من ضيا خيرت العربان
وبالشارقه هاليوم راسخ بأركانه
بلادٍ لها موروثها واسألوا الأزمان
شموخ الصواري تشهد بعز بنيانه
سِوار الإماره شمس تشرق وفا واحسان
وَكلْ ناسها . . من منبع العلم رويانه
سمو مجدها يعكس سمو شيخها سلطان
كساها قلايد من ذهب بارق الوانه
بلاد الثقافه قبلة العلم . . والإيمان
صدح في مآذن عزها أجمل ألحانه
روت بالثقافة كل لافي لفى ضميان
على كل منبر علم شامخ ب عمدانه
تباهت وصارت عاصمة كل هالبلدان
تَعانق مثل ما يْعانق الأخ أخوانه
عَهَدنا منابرها تسوق الفخر هتان
تهزّ الغيوم،، وتسقي قلوب ولهانه
عظيمه البلاد اللي لها ب الثقافه شان
حفظ مجدها رب المخاليق سبحانه!
راشد بن مسلم الشعبني