لا يمكن المرور مرور الكرام على التجارب الفنية المشاركة في الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الفنون الإسلامية، فالفنانون المشاركون لا يمثلون ثماني عشرة دولة ينتمون إليها وحسب، بل يمثلون ست عشرة تجربة فنية مختلفة في عمرها وفي تكنيك إنتاج العمل الفني عند كل منها .
ولا تتنوع تجارب الفنانين المشاركين في أساليب إنتاج العمل الفني، من حيث توظيف الخط العربي، أو الخزف، أو المجسمات، أو التصوير الضوئي، أو السجاد أو غيرها، إنما تتنوع لتشكل حالة مزج بين مدارس فنية كلاسيكية وأخرى حداثية .
ويمكن الجزم أن المغايرة والحداثة هي ما نجح المهرجان هذا العام في استقطابها، فالتجارب الفنية المشاركة خرجت في غالبها على شكل العمل الفني المكرس في ذهن المتلقي العربي، المتمثل في لوحة الزيت أو الأكريليك على القماش أو حتى الأعمال المنحوتة في البرونز أو الحديد، إنما جاءت غالبية الأعمال مشغولة بتقنيات متفردة مغايرة .
شارك في المعرض الفنان رشاد أكبروف، وفريد روسلوف، وفائق أحمد من أذربيجان، ومن إيران جاءت مشاركة الفنانين باباك كاظمي، وسودي شريفي، ومن تركيا شارك الفنان سيفان بيكاكي والفنان غولهيس ديبتاس .
كما جاءت المشاركة العربية مختصرة على سوريا ومصر وقطر، فقدمت الفنانة رزان صباغ مشاركة من سوريا، ومن قطر الفنان علي حسن، إضافة لمشاركات الخطاطين المصريين في معرض خطوط مصرية، وهم: الخطاط محمد إبراهيم، وكمال إبراهيم، وإبراهيم المصري .
وعلى صعيد المشاركات من البلدان الغربية قّدم الفنان باباك غولكار مشاركة من كندا، ومن أمريكا الفنان إيريك بارنس، ومن فرنسا الفنان جوناثان بيرشيناك، ومن بريطانيا شارك الفنان روح العالم تعلقدار .
يبدأ التنوع في تجارب الفنانين المشاركين بتجربة الفنان الأذري رشاد أكربروف، حيث يخرج أكبروف عن أنساق إنتاج العمل الفني التقليدي أو ما يعرف في الأوساط الفنية بالكلاسيكي الذي انتجته المدارس الفنية الغربية والمدارس الفنية الإسلامية السابقة، فأكبروف يوظف الظل والكتلة والنور لإبداع عمله الفني، لتصبح مساحة العمل الفني، هي بياض الجدران .
ولا يكتفي أكبروف بهذه التقنية التي لطالما كانت وسيلة للهو الأطفال من خلال إنتاج ظلالٍ لكائنات بتشابك أصابعهم أمام مصدر ضوء، بل يوظف الكتلة الواحدة المشغولة عادة من أدوات مهمة كقوارير مياه أو أواني أو صناديق ورقية، ليبدع عملين فنيين، أي ظلين يختلف كل منهما عن الآخر .
ذلك التكنيك في توظف الضوء والكتلة استخدمه أكبروف في مشاركته في المهرجان ليقدم عملاً بعنوان شرق غرب، إذ رسمت ظلال الكتلة المصفوفة أمام الضوء، من دون التغير في شكلها فقط بتغير مكان مصدر الضوء، عملين الأول صورة الشرق والمتمثل وفق الفنان بالمآذن والقباب، والثاني صورة للغرب المتمثل بالأبراج والبنايات وغيرها .
تكنيك الضوء والظلال شكل مغايرة كاملة عن التجارب الفنية المشاركة، وكذلك تبدت مشاركة الفنان الأذري فريد روسلوف، فالفنان يوظف فكرة السجاد وما يمثله في الحضارة الشرقية والإسلامية خصوصاً، لينتج أعمالاً هي في واقع الأمر سجادة كاملة، إلا أنه يصنع منها أثاث بيت كاملاً فتظهر المقاعد والجدران والطاولات وكل مكونات الغرفة مشغولة بالسجاد بما عليه من زخرفة هندسية إسلامية .
ويضيف لعمله تكوينات نحتية بيضاء كاملة، لتمثل في عمله دلالة رمزية، فتظهر مع السجاد منحوتات لكائنات مثل نمور أو قطط فرعونية أو سحالي صحراوية، وجميعها تظهر بيضاء، إذ وسط تعقيدات وغزارة اللون في زخرفة السجاد لا يوجد أفضل من الأبيض ليظهر واضحاً في العمل الفني .
كل تلك التكوينات والموضوعة الرمزية لأعمال روسلوف يشتغلها بتقنيتين الأولى، طباعة رقمية على الألمنيوم، والثاني فيديو عالي الجودة .
بتجربة السجاد ورمزية الكائنات البرية والطباعة على الألمنيوم والفيديو، تضاف للتجارب المشاركة في المهرجان تجربة مغايرة جديدة، إلا أن التجارب تواصل تنوعها بحيث لا تشبه الواحدة منها الأخرى .
ففي تجربة الفنان فائق أحمد الذي اشتغل أعماله الرئيسة على السجاد، يفكك الفنان الصيغة التقليدية للسجاد، فيظهر وكأنه يعيد دراسة السجاد الأذري بشكله ومقاييسه وأشكاله الهندسية، ليعيد من جديد طرحه مفككاً، إذ يظهر السجاد في أعماله وكأنه قطعة لزجة يحاول فصل أجزائها عن بعضها، وتظهر ممطوطة من إحدى جانبيها .
العمل على السجاد وتقديمه مغايراً هو ما استند إليه الفنان في تجربته المشاركة، فكان يعيد رسم قطع السجاد باستخدام برامج معدل الصور فوتوشوب، ثم يرسمها يدوياً على ورق خاص لرسوم السجاد، ليقدم السجادة مرسومة للنساء في بلاده، وهن اللواتي يضعن السجاد يدوياً .
قريباً من عمل السجاد لكن مع اختلاف في تكنيك، تظهر تجربة الفنان الإيراني باباك كاظمي، فهو يقدم صوراً فوتوغرافية مشغولة بتقنيات رقمية، يكشف فيها الفنان عن شواغله ومشروعه الفني .
يستند كاظمي في مشروعه الفني إلى عناصر كثيرة أهمها سياسي واجتماعي وآخر فني، فهو يرى أن العديد من المشكلات الاجتماعية والسياسية في إيران سببها النفط وإنتاجه، لذلك تظهر صوره من مدينة الأهواز التي تبعد كيلو مترات قليلة عن أول بئر نفط تم اكتشافه في الشرق الأوسط .
تتبدى في أعمال الفنان صوراً لفتيات هن من ألبوم عائلته يطويهن السجاد الإيراني وأخريات يخرجن من سجادة، ويقدم بذلك إسقاطات على استخدامات مشتقات البترول، كما يوظف مخزونه الذهني من أفلام الرسوم المتحركة لتقديم إسقاطات على الشأن السياسي الإيراني والسياسة الخارجية الأمريكية، فيعنون عملاً ب أليس في الأراضي الإيرانية في أشارة منه إلى أمريكا المتمثلة في الشخصية الكرتونية أليس .
يتواصل التنوع والتفرد في التجارب المشاركة مع تجربة الفنانة الإيرانية سودي شريفي، فهي تقدم مشروعاً فنياً يعكس شواغلها بوصفها فنانة تعيش بين ثقافيتين مختلفتين إن لم تكونا متناقضتين، الأولى الشرق والثاني الغرب، فتعمل في لوحاتها على إنتاج أعمال يمتزج فيها القديم في المعاصر او الغربي بالشرقي .
توظف شريفي خبرتها في دراسة المنمنمات الإيرانية القديمة خاصة في القرن الخامس عشر، وصور الملحميات الأسطورية، لتتطرحها من جديد بصيغة اشبه بالمعاصرة، إذ تستبدل شخوص تلك الملحميات - باستخدام تقنيات الكولاج - بشخصيات معاصرة .
التجربة الأكثر تفرداً ليس فقط لتجربتها، بل أيضاً لكونها الوحيدة في المهرجان التي تنتمي لفن صياغة المجموهرات والحلي، هي تجربة الفنان التركي سيفان بيكاكي .
يعمل بيكاكي على صناعة الخواتم، لكنه لا يستند إلى التقليدي منها، بل يختار تقنيته الخاصة التي ابتدعها بعد مراس من العمل مع الأحجار الكريمة وشبه الكريمة، فأعماله تكشف عن خواتم بأحجام كبيرة نسبياً، تظهر من أحجارها صورة لمدينة محفورة في قلب الخاتم، وعلى حلقة الخاتم رسوم دقيقة لمآذن وقباب يحتاج المتلقي فيها إلى عدسة مكبرة، ليتسنى له رؤية تفاصيل مدينة ورسوم مشغولة بألوان زيتية وزخارف رسمت بشعرة من شارب قط .
أما الفنانة التركية غولهيس ديبتاس، فتعود تجربتها إلى تقنيات التذهيب والنقش، وهي فنون إسلامية قديمة بات يقتصر استخدامها في المتاحف والكتب النادرة والثمينة وغيرها، إلا أن الفنانة في طرحها لهذا الشكل الفني تعمل في واقع الأمر على استعادة فن يشهد عزوف الكثير من الفنانين عنه، لما يحتاج إليه من دقة وصبر وتركيز .
وترى ديبتاس أن التذهيب والنقش لا يجب اقتصار توظيفه على المتاحف، بل يجب أيضاً أن يكون حاضراً في البيوت، لما يشتمل عليه من جمالية عالية .
يظهر واضحاً شكل التنوع الفسيفسائي الذي أوجده المهرجان بتنوع مشاركاته، فبالرغم من قلة عدد الفنانين العرب المشاركين في تقديم أعمالهم، واقتصارهم على تجربة الفنانة السورية رزان صباغ، والفنان القطري علي حسن، إضافة لمشاركة محدودة لأعمال الخطاطين المصريين؛ محمد إبراهيم، وكمال إبراهيم، وإبراهيم محمد، إلا أن تجارب الفنانين العرب كان لها حضور لافت في المعرض .
قدّمت الفنانة رزان صباغ مشروعها الفني الذي يعتمد على تقنيات الطباعة الرقمية، إضافة للكولاج والوسائط الفنية، لتطرح فيه قضايا المرأة العربية، وتصر في مشاركتها على حضور صورة المرأة في أعمالها المشغولة تحت موضوعة الفن الإسلامي، لتظهر ملامح المرأة الشرقية من بين الزخرفات الهندسية الإسلامية .
وتتبدى صورة المرأة مع مساحات الزخرفة التي تظهر وكأنها شبابيك قصور أندلسية، لتؤكد على دور ووجود المرأة في التاريخ الإسلامي .
وفي إنتاجها لأعمال الطباعة الرقمية تقدم صباغ أعمالا مطبوعة على شفافيات وبطبقات متعددة، فلا يكون العمل لديها واضحاً من دون الاستعانة بمصدر ضوء خلف العمل، ليكشف عن طبقات الأشكال الهندسية وألوان التكوينات .
أما الفنان القطري علي حسن فظهرت أعماله في معرض خيول الصحراء الذي اشتمل على 37 عملاً، إذ يشتغل في مساحة من التجريب المستند على خبرة طويلة مع الخط العربي والخزف والتلوين وغيرها، ليقدم في مشروعه المشارك، أعمالاً تعبيرية يدخل فيها الخط والمجسمات، إضافة إلى تكوين الخيل العربي .
قد يكون من غير الممكن أن ينظم مهرجان للفن الإسلامي، ويغيب عنه الخط العربي، إذ يمثل الخط العربي هوية واضحة للفن الإسلامية، ولا يرتبط الخط كونه علامة أو هوية للفن الإسلامي باستخدامه في العمارة الإسلامية فقط، بل هناك رابط ديني أيضاً إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (عليكم بحسن الخط فإنه مفاتيح الرزق) .
لذلك جاءت مشاركة مدارس الخط العربي المصري المتمثلة بخطاطيها، محمد إبراهيم، وكامل إبراهيم، وإبراهيم المصري، حيث تعتبر مدرسة الخطاط محمد إبراهيم في الإسكندرية ثاني مدرسة خط تم إنشاؤها بعد مدرسة تحسين الخطوط الملكية في القاهرة، التي أمر بإنشائها الملك فؤاد الأول عام 1922 .
أما المشاركة الثانية للخطاطين، فهو شقيق الخطاط محمد إبراهيم، وهو كامل إبراهيم الذي تتلمذ على يد أخيه وعلى يد عدد من كبار الخطاطين أمثال سيد إبراهيم، ومحمد حسني، ونجيب هواويني .
وتكتمل حلقة الخط المصري بإبن اخت الخطاطين محمد وإبراهيم، وهو الخطاط إبراهيم المصري، لتأتي مشاركتهم جميعاً في معرض واحد قدمت فيه أعمالهم المتمثلة في توظيف جماليات الخط العربي، الثلث، والكوفي، والفارسي، وغيرها .
أخيراً تأتي تجارب المشاركات الغربية وأولها الفنان باباك غولكار، وهو فنان من أصول شرقية دفعته أصوله للبحث عن جذور هويته في الفن، فقدم مشاركة مغايرة تعد من المشاركات اللافتة وغير التقليدية، إذ يظهر عمله مكوناً من إطار لوحات خشبية كاملة وأخرى منقوص الأضلاع .
يكون التكوين الرئيس في عمل غولكار هو الظل الناتج من شكل انحناءات الإطار، فالظل يظهر شكل مَعْلم سياحي أو ديني معروف مثل؛ المسجد الأزرف، وقبة الصخرة، وآيا صوفيا، وغيرها .
أما الفنان الأميركي إريك بارنس، فاختار عنواناً لأعماله يؤشر بوضوح على موضوعة أعماله، وهو الاستشراق الجديد، إذ يحاول تقديم نظرة مغايرة لما أخذه الغرب من واقع رومنسي عن الشرق، فيمزج بتقنية الطباعة الفوتوغرافية بين رسوم الحناء والتكوينات والرسوم الغربية، لتظهر أعماله صوراً لأيدي مُحناة بزخارف إسلامية وعلامات تجارية غربية، مثل فرساتشي، وشانيل، وغوتشي، وغيرها .
ومن فرنسا جاءت مشاركة للفنان الشاب جوناثان بيرشيناك بصيغة مغايرة تماماً، وتعمق في الفن الإسلامي والديانة الإسلامية معاً، إذ يشتغل الفنان على رسم سجادة الصلاة بزخرفتها وتكويناتها الهندسية الدقيقة، وما تؤشر إليه من فكرة روحانية وفنية معاً .
يعتمد بيرشيناك على تكنيك صعب لإنجاز عمله الذي قد يستغرق إنجازه عاماً ونصف العام، يستخدم فيه قلم الحبر الجاف فقط، وباستخدام تقنيات التهشير على ورق بحجم سجادة الصلاة التقليدية .
أخيراً جاءت تجربة الفنان روح العالم تعلقدار من بريطانيا الذي ولد في بريطانيا لعائلة من أصول بنغلاديشية، حيث تمثل تجربته كفنان مزيجاً لافتاً من حيث انه بريطاني من أصل بنغلاديشي، دفعه تعلقه بالفن للتوجه إلى مصر لدراسة الفنون العربية، فقدم أعمالاً يوظف فيها الحرف العربي في تكوينات مشغولة بالأكريليك على قماش، تظهر بحروف بمقاسات ضخمة، وبألوان حارة على القماش .