قصيدة الشاعر والقاص الراحل جمعة الفيروز في رحيل أخيه قصيدة تحيّر المتلقي في خيوط التسليم بالقضاء رغم العناء، وتضعنا في حال السؤال كأنه المسافة الواقعة بين الجواب ونفيه، أو بين الحياة وعدمها في صورتها بمرآة الموت، فقصيدة جمعة الفيروز أو تأملاته الشاردة تشي بمعناها من عنوانها لأنها تأملات في الموت، وقصائد في الشرود، ومقولة في الموت كأنه المرور العابر لجسد المسافر من محل إلى ترحال، وهي لم تكن ذاك النعي الذي عرفناه عند ابن الرومي في قصيدته التي مطلعها:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي

فجودا فقد أودى نظيركما عندي

بني الذي أهدته كفاي للثرى

فيا عزة المهدى ويا حسرة المهدي

ألا قاتل الله المنايا ورميها

من القوم حبات القلوب على عمد .

يصبح الموت في قصيدة الفيروز معتقداً صوفياً أو هذياناً أسطورياً أو ممارسةً لديانةٍ غريبةٍ تحيي طقوساً خاصةً بها في وداع الراحلين والموتى، حين الإنسان يقدم تجاه الموت ولا يحجم خوفاً منه، ولكن يهرب إليه خوفاً من خوفه، فيستعجله، ويبادره، في عقيدة المؤمن بأن الموت عرسٌ يتعطّر المرء لأجله، وأن الرحيل انقشاع غيوم وهم من ومض حياة، يقول جمعة الفيروز في نصه تأملات شاردة:

أمارس الصمت كي لا أخاف موتي

آمنتُ بالموت يعطّر بالشذى

آن الرحيل

وانقشاع غيوم الوهم من ومض الحياة .

يصبح الموت في معتقد جمعة الفيروز كما تجده الباحثة رجاء الطالبي عند جبران خليل جبران، وهو الموت الذي يتجرد من تلك الهالة السوداء التي أحاطه الناس بها، فيضحى احتفاء بحياة ثانية يتحقق فيها للإنسان حلمه بحياة تتعالى عن كل ما يشوهها ويعوقها ويجعلها غير جديرة باسمها، ففي الموت تنعدم القيود ويحظى الإنسان بتلك الحرية التي طالما نشدها بين ظهراني الحياة، وكانت تمنعه من ملاقاتها القيود والشرائع التي وضعها الإنسان لاستبعاد الإنسان، وإذلاله، وإخضاعه، ومنعه من الطموح لتجاوز ذاته، وتحقيق حلمه بمعانقة المطلق، وتجاوز ذاته .

وهي ترى أن الموت بالمعنى الجبراني تحررٌ من لبوس الحزن والفجيعة التي ألصقها به الناس، فالموت راحة يتم الاستعداد لمعانقته بشتى أنواع الزينة والاحتفال، وإقصاء لكل مظاهر الحزن، تقول: إننا أمام قصيدة حب، واشتياق لملاقاة الحبيب الذي هو الموت، يأتي كتتويج لحياة فاضت بالمحبة، لذلك تبتهج النفس لملقاه وتحتفي به كأنه العريس المنتظر، فعوض مشاعر الخوف والرهبة التي يلاقي بها المحتضر موته، نجد حفاوة وفرحاً، ودعوة لنبذ مشاعر الحزن والفقدان لدى الآخرين .

وقصيدة جمعة الفيروز استشرافُ ما يأتي بالشعر، لكنها الإحالة على ما كان في الحياة، في علاقات الشاعر الكائن بمحيطه المجتمعي والإنساني، في أصدق تجليات هذه العلاقة حين يكون الحديث عن أخٍ وأخيه، عن إنسانٍ لا يغيب لأن روحه للقصيدة، تسكنها، تحرّكها، تخلق شبكة توترها، وتعيد تشكيل علاقاتها إلى وجهة الغياب من دون وعي من الشاعر بما تنسجه يداه وما ترتكبه من إثم الإصرار عليه، كأن يقول للميت مفردة الظلّ والغبار، كأن يروح دربه قاب قوسين أو أدنى إلى الموت ثم فيه من الحياة قبله .

جمعة الفيروز ينشطر ويتشظى لفراق أخيه عبد الكريم، لكنه يوارب في الحزن كما كلّ شاعر، كما كلّ بكاء في القصيدة أو حداء في الجنازة، يحاول أن يحشد مجموعة من المفردات الحاملة دلالة الانتقال الفرح، التحول المقبول في الموت إلى ما بعده، في مفردات الضحك/ الشغف/ الرحلة النهرية/ السفر/ الريح، وفي كلمة مفتاح هي الظلّ/ الذكرى، في إدراك الشاعر لوجود كائنين في كلّ كائن: الكائن وظلّه/ الشاعر وأخوه/ الأخ الراحل وذكراه .

بل نجد جمعة الفيروز عارفاً بالموت وعوالمه لأنه يشير إليه بالظن، فلا يقينٌ يمكّننا من سبر أغواره وإدراك مكنونه، لذا يوقعنا في لعبة الاشتقاق المفهومي لمفردة تتقبّل الجناس وتقلّبه مجازاً على وجهين: الظل/ الظن، يركض وراء الغبار يضحك يشغف، ثم يكون السراب، مجاذيف الموتى في رحلتهم النهرية إلى العالم الآخر، عالم ما تحكيه الأساطير عن الأسفل/ الأعلى، وكلاهما سفرٌ وريحٌ تتحيّن النفخ في أشرعة الراحلين عنّا، يقول جمعة الفيروز في نصه تأملات شاردة لروح أخيه المرحوم عبد الكريم الفيروز:

لماذا الظل وراء غبارها

هي الذكرى

ظننتُ راح دربي، قاب قوسين أو أدنى

أضحك من شغفي الفسيح

دون برهانٍ، إلى السراب

لا شيء سوى مجاذيف اليتامى

تتحيّن الريح شراعاً .

هو في جنائزيته الفرحة كما شاعرٌ حقيقي يصرّح بما لا يصدّقه فيه أحد، كأن يبادر الموت بالشعر، كأن يغادر الحياة جسد الأخ فتبقى روحه في القصيدة، كأن يحمل الشاعر ريشته ويلوّن الأشياء بما يشاؤه لها من ألوان، وأن يسمّيها بما يشاء من أسماء، فتصير الحكاية هزج الفرح بالميت في سفره السريع ما بين محطته للانطلاق/ الأمس، ومحطته للوصول/ الغد، ليؤكد حقيقة الانتقال كواقع وحتمية للمرء أياً كان، بل وبالهزج ينتقل، بالشراع يحمله وهو دلالة الانتقال في اللغة/ ودلالة الموت في الأسطورة لأنه مجازاً رمز الأثر في ما يبقى من المراكب في الأفق، وهو العلامة الأبرز في علامات الرسوم الهيروغليفية في تصوير رحلة الموتى في عقيدة الفراعنة .

يحمل الشراع الهزج إذاً بالرفق بالميت لا بأهله، وله الصبر والسلوان في ما هو قادمٌ إليه، وما هو مقدمٌ عليه من سفر، يقول الفيروز في نصه تأملات شاردة:

يحمل الهزج، رفقاً بالميت

تسافر في قطار الأمس حتى الغد .

وبينهما تلك المنارة العريقة التي تشدّ الأرواح إليها فتبقيها على مسافةٍ لا هي بالقريبة، ولا هي بالبعيدة، بل هي بينهما، في لعبة الانتقال الحركية التي تقتضي وجود الثابت/ المنارة، الأم، والمتحول/ الغياب بالموت، العتمة، عند يدي أم ساهرةٍ، أو عند قدميها وتحتهما الجنة، الأم التعب في التربية، لذا فهي المفتقدة أولاً، والأم العتب في الخواطر والهاجس وقلبها الذي قد لا يلتذ إلا بانشغال الخاطر والقلق على الابن فكيف به فقيداً وراحلاً، والأم النور، في لعبة النقائض والتضاد في قصيدة الفيروز، الأم: تهمس/ تداعب (الخواطر)/ تذود عن/ تحتضن (الدفاتر)/ تقرأ (السلام)/ تصلّي، يقول جمعة الفيروز في النص نفسه:

حين تنام دهاليز العتمة

إلا سراج الأم الساهرة

همست تداعبك الخواطر

تذود عنك هواجس الأحلام

تحتضن الدفاتر

تقرأ لك السلام

وفاتحة الكتاب

تصلّي .

يختار جمعة الفيروز مفرداته بعناية وهو في مقام الموت، فالفعلان أرنو وأهفو يحتملان حركية الاتجاه الجسدي والنفسي تجاه المقصود بالمفردة، ودليلها حرف الجر إلى في عبارته الشعرية أرنو إليكَ/ أهفو إليكَ، وهو يخاطب أخاه الراحل في ما يشبه مناجاة العاشقين أو همس المحبين في سعادة الدار/ السعادة الابدية في الخلود، كأن تنتزع الروح هذا الشاعر من قيوده أو أن تلفّه دوامة الريح بروح أخيه، وبينهما كلّ هذا الود في الحياة، بينهما كلّ هذا العذاب في الرحيل، فالشقيق راحلٌ/ مسافرٌ وحيد في حالة الموت، لكنه في حالة الشعر يصبح منارةً حيث الأم هناك، سراجٌ في العتمة، وهو كذلك، في عالم ما بعد الموت، عالم الخلود الذي يحمله إليه الشاعر، إلى هناك، إلى آخر الأفق كأنه خط النهاية الذي يحقّ للأحياء مرافقة الأموات إليه، كما في عقيدة أوزيريس والأسطورة الفرعونية، حيث عمادة الجسد بالأبد، يقول الشاعر:

يوماً تلفّني دوامة الريح

تنتزعني من جميع قيودي

أهفو إليك

إلى سعادة الدار .

ولأن العتمة أقوى بالموت، تصير هي الحقيقة والضوء الوهم، ضوء المساء لا يغنّي الميت ولا ابتهاج القمر ولا دمعة الحب، يصبح الراحل/ الميت هو الثابت والباقون ينتقلون، يحشد الشاعر لموقفهم مفردات تليق به وهو لسان حالهم، من مثل: أرنو إليكَ يتبعني تراب الطريق أو كلّ الفصول تعدو خلفك وحدي أتوغّل في نبضك حي على هامش التذكار أحملك إلى آخر الأفق، وما بعده، إلى الخلود، يقول الشاعر في نصه:

أرنو إليك

أيها المسافر الوحيد

يتبعني تراب الطريق

سنداً لي

أحملك إلى آخر الأفق

وما بعده

إلى الخلود .

نعم، هو ما يشبه الحلول في التحوّل، كأن يحمل الشاعر جسد فقيده مجازاً بالشعر إلى سماواتٍ جديدة مغايرة، يرتقي به ليصل في اتحاده بالدعاء إلى صوت السماء، وهو في رحلته الخيالية نحو ما يريح الميت كما لو القبر وسادته الخالدة، كما لو الحياة رماد سيجارته الأخيرة، كما لو الحياة قصيدة الشاعر الأخيرة في لغة لا تسعفه، ولا تتسع لمدارك خطاه في الارتقاء والصعود، يقول في القصيدة:

أرتقي صلاة المساجد، مآذنها

إلى صوت السماء

يتلوّى الطريق الضيق

والقبر وسادةٌ خالدة .

ينادي الأخ في جنائزيات اللغة الأسطورية التي تعيد الموتى وتبعثهم أحياء في خلود مجازي أزلي، خلودٍ يشبه ذلك الذي طلبه الآدميون لموتاهم منذ فجر التاريخ، هذا الخلود المجازي الذي يصوّر الميت عازفاً على الوتر الوحيد، على لحنٍ للرضاب أو ما جفّ الحلق به من بكاء، كما حين ترفّ أغنية الشاعر أو تزفّ القصيدة خبر فقدها وفقيدها .

نعم هو الزفاف أو عرس المخيلة الشاعرة، في حركيةٍ جديدةٍ للموت تبدأ بأن يرسم الشاعر شكلاً محبباً لأخيه الفقيد، فيحيله عصفور خصب واخضرار، أو عابر سبيل هاتفاً ينادي على الأشياء بأسمائها، أو زروق عابر لا يتردد على هدأة المرسى لأنه في رحيله إلى البعيد حيث الخلود، يقول الفيروز: مثل صورة عصفورٍ يتنقل على الغصون الطرية/ رأيتك عابر سبيل تهتف باسمي/ إذا أتطلّع للنجوم/ زورق عابر لا يتردد على هدأة المرسى/ يغدو بعيداً/ روحاً خالد .

ولأن النداء شاعري وصادرٌ من أعمق أعماق اللغة والبوح، يكون الفعل الأسطوري بالتحوّل والحلول، بالتقمّص الروحاني كأن يتمثّل الحب طائراً ويسكب روحه في ليلة الفراق، تتحول أفعال اللغة الماضوية والحاضرة إلى ما يجزم في الموت وينهى بلا الناهية في عبارة لا تضل طريقك، فهذا الطريق طويل وصعب يصل أقاصي العالم البرزخي بعالم الباقين على قيد الحركة كأنهم الأشياء جميعاً، يقول جمعة الفيروز في النص نفسه:

الحب طائرٌ يغنّي

يسكب روحه هذه الليلة

لا تضلّ طريقك

تأتي دون وعي، دون طلب

من أقاصي عالمك البرزخي

حين تتحرّك الأشياء .