يعتبر الشعر منذ نشأته وتطوره عبر التاريخ حالة فريدة تستفيد من اللغة العربية من خلال تحريك معانيها والاستفادة من مجالها الإبداعي والروحي والفني، وإذا كان الشعراء الكبار من أمثال امرئ القيس وأبي الطيب المتنبي والنابغة الذبياني، وشعراء معاصرين أمثال أبي القاسم الشابي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم عرفوا كيف تستخدم فنون اللغة في الشعر سواء من خلال محاكاة الإبداع الجمالي أو بناء الصور الفنية وتوظيفها في روح القصيدة، أو من خلال تفرّد اللغة وجمالها في بناء القصيدة وتحويرها، فإن أكبر ملهم للشعراء في إيصال القصيدة إلى مرحلة التصوير الفني والجمالي هو قدرة الشاعر ومهارته في استخدام اللغة وخياله الإبداعي وفنون التعبير عن حالته وسبكه للأبيات .

لذا، إذا كان الشعر بهذه الصورة حالة متفردة، فإن الشعراء الذين أبدعوا وصوروا هذا الخيال لا شك أنه يصعب تكرارهم، فهذا الشاعر مبدع في مجال إبداعي يميزه عن الشعراء، ومادام هذا الإبداع متفرداً ونادراً، فإن هؤلاء الشعراء أيضاً يتفردون في إبداعهم للوحة الشعرية بتميز لا مثيل له .

هذا الحديث ما جعلني أندهش وأتوقف ملياً أكرر الأبيات الشعرية لقصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي اللغة الخالدة فقد قرأتها مرات ومرات ولم أفق من قراءتي في كل مرة من تفرّدها، فقد أدهشتني بجمال لغتها وحسن التصوير وسلاسة الفن عندما يتعاطى مع روح اللغة المتزنة والمعبرة عن المعنى الذي تداعت له خيالات الشاعر وروعة بنائه للغة ودرجة صياغته للمعاني التي عبر عنها تعبيراً رائعاً صبغ جمال المعنى بالكثير من الصور الفنية .

يقول سموه:

طَفِقتُ أبحثُ عنْ كُتْبي وعنْ وَرقي

ورُحتُ أبذلُ من تِبري ومن ورِقي

ولي مَع الشعر راياتٌ رفعتُ بها

ما طاوَلَ النْجمَ منْ منظومِهِ الألِقِ

بدأ سموه أبيات قصيدته بكلمة (طفقت)، وطفق تعني بحث بكل همة وتدبر، وأردف سموه قائلاً مستدركاً أن ما شغله البحث عن الكتب والورق، وهنا تعبير عن الثقافة التي هي في الكتب والورق، ولكنه يقول في الشطر الثاني من هذا البيت ورحت أبحث، هنا كلمة (رحت) لها معنى دلالي، فالبحث عن الكتب هو في الأصل عن الذهب المخفي والفضة بين ثنايا هذه الكتب التي هي الكنوز الحقيقية . . إذاً، أراد الشاعر أن يقول هناك كنوز دفينة في الكتب رحت أبحث عنها بين الأوراق لعلي أجدها .

أما البيت الثاني فيؤكد فيه سموه مكانته الشعرية فهو له رايات وفيرة وكبيرة استطاع من خلالها أن يصل بالشعر واللغة إلى النجوم العالية المتفردة المتألقة في كبد السماء .

يقول سموه:

شعاعُ فكرٍ شعاعُ الصُّبْحِ يحسدهُ

ونورُ فجرٍ تَجلَّى لحظة الفلقِ

أنَارَ للأرضِ منهُ مسفرٌ ألِقٌ

واللَّونُ لا لونَ إلاَّ كاشفُ اليَقَقِ

فقد أراد سموه في هذين البيتين أن يقول إن شعاع الفكر من درجة تألقه ورفعته فإن شعاع الصبح يحسده على ذلك، وهذا أروع ما في جمال التصوير من مترادفات، ثم يقول نور فجر ظهر وانشق عن بزوغ نور الصباح مع انفلاق النور من ظلمة الليل مع خيط الفجر، ومع ظهوره أنار شعاعه الأرض بالنور الأبيض الوضّاء الذي أسفر ألقه على الأرض عن شدة بياضه .

يقول سموه:

أعْتَدْتُ للوهمِ عندي ألفَ مُتكأ

وقلتُ للنفسِ مِنْ أشواقكِ احترقي

وأجهشتْ كلُّ بيضاء بدمعتها

والرّيحُ تلعبُ بالمسترسلِ القَلقِ

في هذين البيتين يقول سموه إنه جهز للوهم الذي يداعب العقل ألف أداة لصدّه وردعه، وقال للنفس العاشقة المعذبة من شدة ولهها احترقي بنار الحب، وذلك تصوير فني جميل، ويقول أجهشت أي بكت كل حسناء بدموعها ورياح الغزل تلعب بالمسترسل أي المحب الذي يعاني العذاب، وكلمة مسترسل تطلق أيضاً على الخيل السريعة الهاربة .

يقول سموه:

ومترعاتٌ منْ الأشعارِ رَيِّقُها

يُزري براووقِ ما في المُترَع الغَدِقِ

أطرقتُ إطراق منْ بَزَّ الزمانَ رُؤىً

ولمْ تَضِقْ بي على طول المدى طُرقي

في هذين البيتين يقول سموه: أنواع من الأشعار الجميلة المفضلة ذات المعاني الرفيعة، تبرز وتظهر من أصفى وأروع الأبيات ذات المعاني المغدقة في روعتها وصفائها وحسنها، ثم يقول في البيت التالي أطرقت أي عملت من غلب رؤاه في الزمان من دون أن تضيق به الدنيا على مدى الحياة وتقلباتها، فقد أورد الشاعر ألفاظاً اختارها بدقة مثل (مترعات) و(يزري براووق) و(المترع الغدق) و(بز الزمان) وكلها جاءت بمترادفات جميلة وتكثيف غير مخلّ ساعد على تلاحق الصور وحسن التعبير عنها .

تجلٍّ

يقول سموه:

إنسانُ عَيْنيَ ممَّا بتُّ أكتمُهُ

في محنةِ الدَّمعِ قدْ أشفى على الغَرَقِ

في هذا البيت تجلٍّ رائع في وصف ما وصل إليه العرب، حتى إن العين من المعاناة والحزن الذي أصاب القلب والنفس أصابها الضمور من كثرة الدمع الذي أوشك على طمسها، وأشفى تعني أوشك أو أكاد أغرق من هول المعاناة .

يقول سموه:

نظرتُ في الصُّحُفِ الأولى فكانَ بها

ما فاجأ العقلَ بالإرهاق لا الرَّهَقِ

وارتبتُ وانتثرت حولي على عَجلٍ

شُهْبٌ منَ الفِكرِ عنْ باغِ ومُسترقِ

يقول نظر في الصحف الأولى ويعني الكتب السماوية التي كانت تسمى الصحف الأولى التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام والأنبياء من بعده، ولما نظرت في تلك الصحف كانت المفاجأة قد أصابتني بالتعب المؤقت لا السهر حتى إني خفت من ذلك وانتثرت حولي أضواء من الفكر خوفاً من الباغِي وهو الظالم والمسترق الجاسوس الذي يتربص بالناس .

يقول سموه:

لوْ أنَّ ثَمَّ سماء رُكّبتْ عَجباً

يسمو بها طَبَقٌ يعلو على طَبَقِ

فإنَّ لي بينَ محبوكٍ ومُرتفعٍ

ماءُ النَّمِيرَيْنٍ منْ مَسبوكةِ الحِلَقِ

للزّرْعِ والضّرْعِ منها ريّقٌ خضِلٌ

والرَّجْعُ والصَّدْعُ في مُسْتنْقعٍ زَلقِ

يستحضر سموه روعة الخلق الإلهي في السماوات التي صنعها الله مركبة على بعضها بعضاً . . ثم يقتبس من الآية القرآنية (لتركبن طبقاً عن طبق) ويوظفها في شطر البيت قائلاً يسمو ويعلو أو يرتفع بها طبق عن طبق، ثم يقول لي بين هذه السماوات المحبوكة كما ورد في قوله تعالى (والسماء ذات الحبك) المتقنة والمرتفعة لا تطالها الأيدي، وفي الشطر الثاني يتحدث عن الماء العذب الذي يستخدم في صناعة الأشياء الدقيقة .

أما في البيت الثالث فقد أورد مترادفات لفظية وقال (الزرع والضرع) أي الماء الذي يستخدم للزراعة وللماشية، وهو أفضل ما يستخدم وأحسنه في النبات، وبعد سكب الماء العذب من المطر تلو المطر المنهمر يتتابع، وهنا وصف رائع حتى تشققت الأرض بالنباتات في مستنقع من الماء زلق أي ليّن خصب .

إيمان وتأمل

أورد سموه في القصيدة أربعة أبيات تحدث فيها عن قدرة الله الخالق في خلق الأشياء وإيجادها من العدم، فقال:

آمنتُ باللهِ ربّاً لا شريكَ لهُ

وذاك منهجيَ الأسمى وَمُعتنقي

والكونُ صنعةُ ربّي جلَّ خالقهُ

منْ غير ما فكْرَةِ أوْ غير ما نسَقِ

بِقُدرةٍ منهُ قدْ أنشاهُ منْ عَدَمِ

وقَدَّرَ الخَلق للإنسان منْ عَلَقِ

ورفْعَةٍ للسَّما منْ غير ما عَمَدٍ

والأرضُ مدحوَّةٌ مبسوطةُ الطُّرُقِ

يتحدث سموه في هذه الأبيات عن إيمانه الخالص لله فهو منهجه ومعتقده، ثم يتوقف عند قدرة الخالق فيذكر الكون الذي خلقه الله بأمر منه ويشير إلى خلق الإنسان من علق (علقة)، ثم يتكلم عن خلق السماء التي رفعها بلا عمد والأرض من حوله مبسوطة، ومن هذه الأبيات التي أوردها الشاعر نلمس ثقافته الإسلامية ومدى نظرته إلى الحياة ومنهجه القائم على الإيمان بالله وحده لا شريك له .

بلاغة

يقول سموه:

حَدَّثتُ نفسي ووجهُ الليل مُمتقعٌ

كأنني منهُ سارٍ ضاعَ في نَفَقِ

فقد تجلت بلاغة سموه وحسن اختياره للكلمات المعبرة عن الموقف الذي أراد وصفه . . فهو يقول عندما حدثته نفسه كان الليل ممتقعاً أي مكفهراً، أو متعكراً، أو مظلماً - إن صح التعبير - وكأنه (سارٍ) أي يمشي في نفق لا يعرف أين هو ذاهب من شدة ظلمته .

ويكمل الأبيات مستخدماً بعض الكلمات والمعاني اللغوية القديمة، حيث تبرز قدرة الشاعر على التصوير البياني الجميل من خلال استخدامه للمترادفات اللفظية وبراعة التوظيف، وانسيابية الفكرة التي تدرج في تشكيلها من خلال الأبيات، فقال:

ليلُ خُدارِي داجٍ دامجٌ غَدِرٌ

ديجوجُ ديجورُ عُلجومٌ وذو حَنَقِ

وقدْ تَأطَّمَ منهُ دَحْمَسٌ وغَفَتْ

فيه العيونُ بجلبابٍ من الفَرَقِ

ففي هذا الليل المظلم شديد السواد الذي عبر عنه ببراعة بهذه الكلمات (داج/ دامج) و(ديجوج/ ديجور/ علجوم) فهذه الكلمات صفة لليل، حيث كان العرب في الجاهلية يطلقون المعاني وصفاً يحاكي الأشياء التي يتأثرون بها، لذا كانت تلك الكلمات صفة لليل والسواد الدامس المظلم، ثم يقول مثلاً (تأطم) عند اشتداد ظلمة الليل، ففي هذه اللحظة غفت العيون أي مرضت (وغفو العيون) مرض يصيبها، وكأن هذا المرض رداء (جلباب) من العتمة التي أطبقت عليها .

ويقول سموه بعد ذلك عن الحالة التي هو فيها أو يلاحظها عندما اشتد الظلام والعتمة:

فليسَ ثمَّة منْ أنْس لذي سمرٍ

وليسَ ثَمَّة منْ نورٍ لمُتّسقِ

وقدْ ترَهْيَأ حملُ الليلِ واضطربتْ

زُهر النُجومِ بمنظومٍ ومُفْترَقِ

هذا الليل المظلم يكون موحشاً لا أنس فيه ولا سمر، وهو من ظلمته لا نور فيه للناس حتى إن هذا الليل من شدته اضطرب وأثر في نور النجوم وبريقها وأزالها وشتت بهاءها . . كل تلك الكلمات المكثفة أوردها الشاعر للتعبير عن سواد الظلمة وأثر الليل الذي أطبق على الكون وبدد نوره .

يستحضر صاحب السمو الشاعر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في هذه الأبيات التالية ما آلت إليه الأمة في عصرنا الحالي من تراجع عن دورها الحضاري وكأنها تعيش ليالي أطبقت على كيانها .

إذ يقول:

مُعَمَّساتُ أمورٍ لا بيانَ لها

والأزلَمُ الجَذْعُ شاكٍ بالبُكا شَرِقِ

يا مُطلق النّفسِ منْ قيدِ الهمومِ أما

لِمُدْلَهِمِّ الليالي حَتفُ مُخترقِ

من جمال التصوير أن يستخدم الشاعر الكناية والصور البيانية في التعبير عن حالة الأمة وتقاعسها، فيقول إن الأمور وما آلت إليه مظلمة غير منطقية ولا مفهومة حتى على الأزلم الجذع أي الكبير السن، وقد استخدم الشاعر كلمة (شاكٍ بالبكا) وتعني أن بكاءه متواصل غير متوقف، حتى إنه شرِق أي غصّ بدموعه من شدة بكائه، ثم يتحدث عن النفس التي ليس لها قيود أو حدود، التي لا تخاف من سواد الليل، حيث استخدم الشاعر (مدلهم الليالي) أي الظلام الدامس الذي يخافه الناس من شدة سواده ووطأته على النفوس، ويستخدم كلمة (حتف محترق) والحتف تعني الموت لكنه ليس الموت الناتج عن حادث، وإنما الموت الذي يكون بالحرق .

ويقول سموه:

لمّا تقاعَسَ أهلُ الفضلِ وانصرَفوا

وقامَ بالأمرِ أهلُ المَيْنِ والحُمُقِ

لكنْ تعِلَّةَ أنَّا أمَةٌ سَبَقْتْ

وقَندَسَتْ للعُلا بالعَزْقِ والعَرَقِ

يذكر الشاعر عندما تقاعس أو لم يعمل أهل الفضل الذين يعوّل عليهم الأخذ بزمام الأمور وانصرفوا عن ذلك، فقد قام بهذا الأمر الناس المجانين والحمقى والمتربصون الذين سيطروا واستغلوا هذا التقاعس، ثم يشير الشاعر إلى أن ذلك بسبب تعليل النفس على ما سلف من أمجاد الأمة التي قامت عليها الحضارة من شق الأرض وحرثها وزراعتها ونهضت للعلياء، ففي هذين البيتين ذكر الشاعر أن سبب الخذلان ما تعيشه الأمة على الأمجاد السالفة من دون العمل لاسترجاع العلا من جديد بالعزم والإرادة والعمل .

مآثر

يستحضر الشاعر في هذه الأبيات ماضي الأمة الإسلامية وكيف كانت حياة الناس في في ظلها . . والتقدم والازدهار الذي عاش فيه الأوائل . . يقول سموه:

سادتْ وعلَّمتِ الدّنيا حضارَتها

للهِ ما كان من عزٍّ ومستَبَقِ

كُنَّا وكانَ منَ الإضريجِ مَلْبَسُنَا

ومَلْبَسُ الناسِ منْ جِلْدِ ومنْ خِرَقِ

وليسَ ثمَّة منْ فخرِ لِمُفْتَخِرِ

إذْ فضْلنا كان مثلَ الطوق في العُنُقِ

وإنْ أطاق الأُلى ذلاً ومنْقَضَة

فإنَّنا أمَّةٌ للذلّ لمْ تُطِقِ

يحاكي الشاعر في هذه الأبيات الحضارة الإسلامية من خلال بعض المظاهر الحياتية التي دلت على رغد العيش، يقول سموه: كانت ملابسنا آنذاك ملابسَ فاخرة في حين كان الناس من الأقوام الأخرى يرتدون الملابس البدائية من الجلود والخرق البالية، لكنه يؤكد أن ذلك ليس من أجل الفخر أو التفاخر إلا أن فضلنا وتميزنا مثل الطوق وهو الوسام أو الوشاح أو العقد في العنق، إشارة إلى التميز والمكانة العالية التي عشناها، ثم يردف سموه قائلاً: إذا كان الأولون يطيقون الذل والهوان من أجل العيش فإننا أمة لا تطيق الذل أبداً .

وفي ذلك نظرة إلى حب المسلمين والعرب للحياة الكريمة والعيش الرغد، وفي ذلك أراد الشاعر أن يرسم صورة عن الحضارة التي كانت لكنها ذهبت وراح بريقها وظلت كأمنية ومشاعر دفينة في نفوسنا .

وفي الأبيات التي تليها يقول سموه:

يا كاتبَ المجدِ سجّلْ عن مآثرنا

ما قد يروقُ لحُسّادٍ ولمْ يَرُقِ

والمجدُ ليس الذي شادتْ أوائلنا

إنْ لم نزدهُ بفكر الفاهمِ الحَذقِ

على هُداهم وعزمٍ مِنْ بقيَّتنا

فنحنُ نأنفُ ثوبَ الوارِثِ الخَلِقِ

يشير سموه إلى المؤرخين الذين يدرسون المآثر، أي ما شيده الأولون، فهذا المجد مسجل في الكتب ما قد يثير الحساد علينا، لكنه ما لبث يؤكد أن المجد الذي بناه الأولون إذا لم يزدد ويتطور بالفكر الجديد الخلاّق أي بما قد نضيفه ونصنعه نحن متلمسين منهج وعزم الجدود وأن نترفع عن الافتخار بالماضي وما ورثناه عن الأولين، وأن علينا أن نرتقي به ونواصل الطريق في سلم البناء والمجد والتطور، هذا ما أراد سموه تصويره في هذه الأبيات متحدثاً عن تقلبات الزمان ومخاطباً أبناء الأمة أن يطلبوا طريق المجد متلمسين طريق الجدود في إرادتهم وقوة عزيمتهم ورجاحة عقولهم وإصرارهم على الازدهار وبناء الحضارة .

ازدهار في الإمارات

في الأبيات التالية يتوقف سموه عند التطور والازدهار الذي حدث في الإمارات بفضل الإرادة والعزيمة لدى القيادة والشعب، ما جعل العالم يشيد بما صنعناه في مدة قصيرة معتمدين على ماضينا المزدهر ورؤيتنا الصادقة:

يا كاتبَ المجدِ خبِّرْ عن تَقَدُّمِنا

ومنْ عجائبِ أمثالِ الزمانِ سُقِ

وكيف أنّا أعدنا شمسَ أمّتِنا

منْ بعدِ أنْ قاربتْ تدنو من الغسَقِ

لم نتركِ النفسَ تحيا في غضارتها

كأنها منْ همومِ الناس لم تَذُقِ

بل قدْ صنعنا لريبِ الدَّهْرِ عُدَّتَهُ

حَرْباً على الجَهلِ والإملاقِ والفِرَقِ

نلْنا الثْناءَ منْ الدنيا فسيرتُنا

كسيرَةِ الوَرْدِ في الإشراقِ والعَبَقِ

هذه الأبيات تصوير جميل لهذا الازدهار الذي حدث في الإمارات خلال مدة زمنية محددة، فيقول يا كاتب المجد خبرِّ عن تقدمنا، أي هذا التقدم والتطور الذي ينعم به شعب الإمارات، ويردف قائلاً اذكر من عجائب الأشياء واستحضرها عند ذكر هذا التقدم حتى إننا أعدنا حضارة الأمة التي شبهها ب (شمس أمتنا) وفي ذلك دقة في التعبير، وكيف أعدنا هذه الحضارة بعد أن كادت أن تغيب وتتوارى، ويؤكد أننا لم نترك النفس تعيش في النعيم وكأنها لم تذق ما يعانيه الناس من هموم، وإنما صنعنا أي شيدنا (لريب الدهر) كلمة رائعة وضعها للاستدلال على المخاطر التي تتعرض لها الأمة، فقد وصف ذلك بريب أي الشيء المريب أو المخيف، فقد أعددنا لذلك عدته وسلاحه، باتباع منهج واضح هو حرب على الفقر والأمية والجهل والتمزق أي الفرقة التي كنا نعيشها قبل الاتحاد حتى نلنا الثناء والتقدير من أنحاء العالم كافة، وأصبحت سيرتنا (كالورد) في لونه الجميل ورائحته الزكية، هكذا تداعت الصور الفنية في أبيات لترسم منظراً غاية في الإتقان عبّر عنه سموه بكلمات صاغها بعناية فائقة وحس أصيل، جميلة تلك الصور التي أوردها . . مثل (أعدنا شمس أمتنا) و(تدنو من الغسق) (صنعنا لريب الدهر) (مسيرتنا كسيرة الورد)، معانٍ رائعة استحضرها سموه من أجل رسم الصورة الخيالية التي جالت في ذهنه وأراد محاكاتها في شعره .

في ختام قصيدته التي حوت كنوز المعرفة وصاغت رؤيته يتكلم سموه عن اللغة العربية التي خاطب بها الله البشرية وجعلها اللغة الربانية التي كانت معجزة آخر الأنبياء ونور هداية ومفتاح العلم وحافظة للشريعة، حيث أورد ذلك في هذه الأبيات:

أعودُ أنشرُ ما قدْ كِدتُ أطْويَهُ

بذكْرِ مَنْ ذكْرُهُ في قلبِ كلِّ تَقي

سبحانَهُ اللهُ منْ سَوَّى وصوَّرنَا

كما يشاءُ وأحيا الخَلقَ بالخُلُقِ

وبالشرائعِ تترى والكتاب إلى

عبادهِ فهوَ فيهمْ جِدُّ مُرتَفِقِ

وتَوَّج الفضلَ بالقرآن نزَّلَّه

على نبي كثيرِ المَكْرُماتِ نَقي

لسانهُ عرَبيٌّ وهوَ حافٍظُهُ

إلى القيامةِ منْ كَيْدِ العُداةِ وقي

في هذه الأبيات تتضح القيمة الإيمانية التي يحاكيها سموه فيتحدث عن أنه سوف ينشر اللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يبتهل إلى الله الذي صور الخلق بأحسن صورة وأحياهم بعد الممات أو العدم، ثم أنزل الشرائع المتتابعة والكتاب وهو القرآن الكريم على عباده رفقاً بهم وهداية، وقد نزل القرآن الخاتم على النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال واصفاً له نبي كثير المكرمات نقي، ثم يشير إلى اللسان العربي للقرآن الذي حفظه الله إلى يوم القيامة من الأعداء ووقاه من شرهم .

وفي آخر أبيات القصيدة يقول سموه:

حتى إذا حانَ وعدُ البعثِ واندثرتْ

فرائضُ الدّينِ واستعلى ذوو النَّزَقِ

فسوف يمحوهُ منْ صُحْفٍ ومن فِكَرٍ

وسوفَ يرفعُهُ عن كافرٍ وشقي

في هذه الأبيات يشير سموه إلى ما نؤمن به أن القيامة سوف تقوم على الكفار والفسقة وعندها سيرفع الله الفرائض والشرائع ويندثر الدين ويسيطر الفجار، ويرفع الله القرآن الكريم، وذلك ما أخبر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال إن القيامة ستقوم على الأشقياء من الناس وذكر الشقي الذي يهدم الكعبة وهو ذو السليقتين .

وفي الختام يؤكد صاحب سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن الله حافظ اللغة العربية بحفظه لكتابه العزيز (في لوحٍ محفوظ)، فيقول:

فكيف تخشى على ما اللهُ حافظهُ

كفى بهِ حافظاً في كلِّ مُنزلقِ

فلا تَلمني إذا هيّجْتَ بي شَجَناً

فأنت منْ أنتَ في علمٍ وفي خُلُقِ

شكرتُ سعيَكَ واسْلَمْ فاهماً لَبِقاً

ونحنُ نُكْبِرُ شأن الفاهمِ اللَّبِقِ

فإن الله حفظ القرآن، لذا لا نخشى عليه ولا على اللغة التي أنزلت به، لأنه حفظه من أي عبث أو تحريف، ثم يقول فلا تلمني، إذا ما هاج القلب فرحاً بوعد الله فهو المتكفل به دون البشر . وفي آخر بيت يشكر من يعمل ويسعى ونحن نكبر شأن الفاهم اللبق، فالناس يشكرون ويرفعون من قدر الفاهم الذي لديه المعرفة واللباقة .

وإذا كانت من كلمة أضيفها فإني أرى أن مثل هذه القصائد البليغة كالشجرة المثمرة التي تظل على مر السنين يانعة نضرة يزيد زهوها وجمالها ورونقها مع مرور الوقت، فقد توافرت في هذه القصيدة كل شروط الخلود كما هي القصائد عبر التاريخ التي مازلنا نرددها ويتناقلها الناس منذ قرون وأزمنة بعيدة . لذا من المفيد إدخال هذه القصيدة في مناهج التعليم بالجامعات والمدارس وتحويلها إلى رسالة علمية، فقد تزينت أبياتها بالصور البيانية والجرس الموسيقي والبلاغة وفنون اللغة وجمال التصوير وحسن التعبير، وهذا ما حاولت تحليله من خلال قراءتي لأبياتها وجمال سبكها الذي دفعني إلى تتبع أبياتها ولغتها الجميلة .

كاتب وباحث من الإمارات