يكتسي الحضور الدال للمرآة عند المبدعين على اختلاف تياراتهم ولغاتهم، ومشاربهم الثقافية تعدداً كبيراً لا يمكننا إزاءه إلا أن نقول بمفصلية هذه الأداة في التدليل الفني، وإشاريتها إلى ما يصور به المبدعون وعيهم في منجزات نصية وغير نصية تمارس حيناً دوراً كشفياً واعياً، وتتشظى أحياناً أخرى إلى أدوار إغوائية فيها من التعمية والهروب ما يكشف عثرات الذات. وبدأ احتفاء المبدعين بالمرآة بوصفها عنصراً إما كشفياً وإما إغوائياً منذ الآداب الشعبية التي لا تُعرف حقب تكوّنها ولا تزال تتداول إلى اليوم، مرورا بأمثال نيتشه وليس انتهاء بفلاسفة ما بعد الحداثة ومبدعيها.

هذا الوعي الفلسفي الذي يحاول أن يطاول قدرة المرايا على الوضوح والإغواء، وعلى الكشف والتعمية، نعثر عليه من حين إلى حين متلوناً في متون أدبية شعرية كانت أم سردية، تحاول أن تنهض بما هو فلسفي في مقاربتها لموضوعات الذات والآخر، الذات والذات الرديفة، والذات والذات المتشظية وغيرها.

سعياً منها للقبض على ارتسام الذات على مرايا الكون مرة متشظية ومرة منعكسة، قدمت القاصة الإماراتية عائشة الكعبي واحدة من بين أذكى المجموعات القصصية التي قرأتها للكاتبات الشابات، تدل على نضوج الرؤية السردية للمرأة القاصة في الإمارات واختراقها لآفاق وتنويعات موضوعاتية تتسم بالتجريد الملفوف باليومي العادي المعيش؛ إذ ينهض النص السردي عند الكعبي منذ وهلته الأولى موزعاً بين مقولات عدة تتقاسم بنيته الدلالية أهمها على الإطلاق: الكشف والإغواء، والذي خلقت له عائشة منذ البدء أداته القادرة على كفالة أدواره في أكثر من مسار سردي ألا وهي المرآة التي أشرنا اليها في مدخل هذا المقال.

ليست المرآة مجرد شيء يتوضع في الفضاء السردي لغرفة القياس كمكمل للديكور، أو كحاجة منفعية لا تستكمل الغرفة كنه وظيفتها التجارية من غيرها فحسب، بل إنها ذلك الموتيف القادر على حمل شحنات أكثر بكثير من كونه زجاجا صقيلا مطلياً أحد وجوهه برقائق الفضة أو غيرها.

ولعل هذا ما ألمحت إليه عائشة الكعبي في إهدائها الذي يقف عتبة نصية دالة لا يمكننا أن نقرأه إلا كما نقرأ النصوص الموازية، والذي تقول فيه: إلي فلست إلاكم يا من أهوى.. تجرد عائشة الكعبي المرآة هنا من ملمحها الملموس النفعي الذي نعرفه، لتدل على عمق الرؤية التي تجعل الآخرين الذين عبرت عنهم الساردة ب (من أهوى) يتوحدون جميعاً فيها هي كأنهم قطع صغيرة لصورة البازل الكبيرة التي هي الساردة، فتكسب بهذا التوحد شرعية أن ترفع هذه العتبة النصية إليها وحدها، ومن خلالها إليهم هم جميعا.

إن حضور المرآة في هذه العتبة النصية حضور معنوي دال يكون من خلاله الآخرون مرايا لنا، ونكون من خلاله مرايا للآخرين.. لذلك ألمحت في مستهل هذا المقال إلى أن المرآة في هذه المجموعة القصصية لا تشتغل بوصفها مكونا فضائيا ذا بعد منفعي وحسب إنها القرين وربما الظل وربما الآخر وربما الشبح... كلها تقنيات اتكأت عليها عائشة الكعبي لتوسيع دائرة الرؤية في غرفة القياس التي لا غرابة أن تكون صاحبتها امرأة، لارتباط المرأة بالمرآة عبر تراثها القديم بالرغم من المحاولات المتكررة للمتصوفة والفلاسفة مشاركتها في هذا الارتباط أو إزاحتها عنه، ويدعم هذا الرأي كون أبطال القص عند الكعبي الذين أنجزوا برامج سردية لها علاقة بالمرآة يشكل منهم الرجال ما نسبته 1/،8 أي من ثماني مشاهد تعاملت فيها الشخصيات مع المرآة ينجز الرجل منها مشهدا واحدا ووحيدا هو ذلك الذي يطالعنا في بداية قصة تحمل عنوان الكدمة.

وإذا ما حاولنا أن نستقرئ طبيعة العلاقة بين الرجل والمرآة في هذا المشهد الوحيد، نجدها علاقة عاقلة تحكمها الاضطرارية، ولا تتسم بالهوس.

تقدم المجموعة مشاهد عدة لعلاقة الذات بالمرآة لعل أكثرها تنويعا سرديا وعمقا هو الذي وقع في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، وتقع هذه المشاهد جميعا بين بنيتين دلاليتين هما الكشف والإغواء وما بينهما، الذي لا يمكنه أن يكوّن بنية دلالية ثالثة ولكنه ينهض بما يمكن أن نسميه بنية دلالية هجينة. تحاول عائشة الكعبي في كل مرة أن تغلفها بتحققات خطابية جديدة تثري الدلالة ولا تغير مسارها العام.

الغواية

تبدو المرايا عند عائشة الكعبي في الكثير من المقاطع السردية إما كاشفة وإما غاوية؛ كاشفة تمارس دوراً تنويرياً يحدد للذات عيوبها وللنفس عثراتها في حوار درامي متزن يتسم بالرصانة السردية ويتنزه عن الهوس كما هو مثلا في قصة الكدمة، إذ تقول عائشة الكعبي على لسان عمر بطل الكدمة: فغر فاه مندهشا وهو يرى انعكاس صورته في مرآة الحمام ذلك الصباح، رفع عمر يده، وهو يتحسس الكدمة بإصبعه وعيناه ترصدان حركة الإصبع في المرآة اقترب وابتعد إلا أن ذلك لم يغير شيئاً من بشاعتها ووضوحها كانت تأخذ شكلاً بيضاوياً باهت الاحمرار عند الأطراف يتحول إلى قرمزي قاتم في المركز وكان نصفها العريض يغطي أعلى الجبين بينما يمتد نصفها الثاني صاعدا نحو صلعة رأسه. ص39

نلاحظ في هذا المقطع أن المرآة تمارس دورا كشفيا واعيا فتعكس الكدمة للبطل كما هي من دون مراوغات أو خدع بصرية، وتعبر القاصة عن هذا الوعي بجملها التقريرية الوصفية الدقيقة التي جاءت منزهة عن الالتباسات البيانية وشبهة المعنى، وسبق أن أتيت على ذكر هذه القصة في معرض الحديث عن علاقة المرأة بالمرآة، وعن ندرة المقاطع السردية التي تعامل فيها الرجال مع المرايا في هذه المجموعة، ووصفت علاقة الرجل بالمرآة بأنها اضطرارية نفعية، أو عشوائية اعتباطية، يتضح هذا من خلال المقطع المذكور آنفا والذي استهلت به عائشة الكعبي قصتها الكدمة، إذ لم تتوافر للبطل نية سردية يهدف من خلالها إلى أن ينظر إلى صورته في المرآة، وإنما يحدث الأمر من قبيل المصادفة وهو يدخل إلى الحمام صباحاً، يؤكد هذا قولها: فغر فاه مندهشاً التي تحيل على أن الأمر حدث اعتباطاً. والطريف في قصة عائشة الكعبي والذكي أيضا هو ربطها للمرايا الكاشفة بالرجل وحده. إذ يمثل هذا المثال النموذج الوحيد للمرايا الكاشفة.

وكثيرا ما كانت المرايا في غرفة قياس عائشة الكعبي مرايا غاوية تصبغ العيوب والعثرات بالكثير من التعليلات الهائمة التي تنساق وراءها الذات التي تنظر إلى نفسها عبر هذه المرآة وكثيراً ما كانت الواقفات أمام هذا النوع من المرايا نساء، كما هي الحال في هذا المقطع السردي الذي ساقته القاصة على لسان إحدى شخصياتها النسائية في قصة تحية الصباح: ما أحوجني اليوم بالذات للهروب من السواد، يدي تعبث بورود حمر غطت حقلاً زيتونياً. لم لا؟ في المرآة طالعتني عينان أضناهما نوم مرهق، لون هذا ما احتاج إليه، أزرع لونا ذهبيا جنوب الحاجب وأفرش وردا أحمر فوق الجفن وأسور واحة عيني بسياج اسود أنفث حولي هالة من عبق العود والورد الطائفي.. ص34

يتضح التهويم الذي هو نتاج مضاف لغواية حتمية من خلال عبارات المقطع المصوغة بصور بلاغية مزدحمة: الهروب من السواد/ يدي تعبث بورود حمر غطت حقلا زيتونيا/ أزرع لونا ذهبيا جنوب الحاجب/ أفرش وردا أحمر فوق الجفن، أسور واحة عيني، وغيرها.. تلعب المرآة هنا دور الغاوية التي توهم الواقفة أمامها بالشحوب وهي تهم بالذهاب إلى مأتم، وتشتغل تراجيديا كي تصعد هذا الإحساس الذي يبدأ بعبارة لم لا؟ وكأنما المرآة تبث مشاعر وأفكاراً غريبة مهووسة ولا معقولة، وكأنما الذات تتلقاها وتجادلها ثم تقتنع بغوايتها وهي تطلق عبارة لم لا؟ كي ينتهي الإغواء أخيراً بأن تهرب الذات من السواد ببعض اللون على الوجه.

وتستمر المرآة تمارس دورها الإغوائي ولكن بتدرج متواطئ عليه بين شخصية القصة والمرآة كما في قصة العباءة، التي تهديها طبيبة لموظفة بسيطة في عيادتها، إذ يبدأ الإغواء أيضا بعبارة لم لا؟: أول ما فعلت حين أغلقت باب غرفتي علي أن قمت بتجربتها، شقهت حين وقع بصري على انعكاس صورتي في المرآة.. لكأنها فصلت لي.. درت حول نفسي مزهوة بمظهري الجديد وأنا أتمتم.. على رأي الدكتورة لم لا؟ ص95

ثمة نقص ما

الذي يحدث أن بطلة هذه القصة تتواطأ على التدرج في الغواية مع مرآتها، فتحس في كل مرة أن هذه العباءة ثمينة يجب ألا تلبس إلا مع ما يناسبها، وتجتهد كل مرة في توفير واحد من تفاصيلها وأكسسواراتها، وفي كل مرة تعود للمرآة كي تكتشف أن ثمة ما ينقص، إلى غاية أن أنهت كل متطلبات الطلة الجديدة: في ظهر اليوم التالي عدت وكلي شوق للبروفة النهائية، لقد عملت طيلة الفترة المنصرمة على تجميع التفاصيل المكونة لهذه الطلة الجديدة وكأنها أحجية الصورة المتقطعة التي كان علي أن أعيد ترتيبها لتتجلى أمامي الصورة كاملة. ص97

يتصاعد الإغواء إذن، إلى أن تكتمل الطلة النادرة لتلك الذات التي أصبحت ترى نفسها أكبر من أن تشتغل في عيادة حقيرة، تستفيق من هذا الإغواء على إثر صدمة أحدثتها المكواة في جسد العباءة، وعلى إثر رقم العيادة الذي يظهر على جوالها مذكراً إياها بحقيقة ذاتها.

وقبل أن أمر إلى الحديث عن النوع الهجين من مرايا عائشة الكعبي والذي يقع بين الكشف والغواية، يجدر بي أن أوضح أن هذا النوع الكاشف أو الغاوي لم يكتسب صفته المتطرفة إلا لكونه فردياً يتعامل معه الأفراد بملكية مطلقة، بينما يتوضع النوع الثالث الذي أسميناه هجينا والذي يقع بين الكشف والغواية في غرفة قياس، أي في مكان عام، تصبح المرآة فيه مشاعا، فمرة واعية وعقلانية ونفعية، ومرات مهووسة وقابلة لأن تمارس أدوارا إغوائية بحسب المنتصبات أمامها، حينها فقط تبدأ المرآة في لعب دور القرين أو الشبح، وهذا ما راهنت عليه عائشة الكعبي في قصتها غرفة القياس التي جاءت منطقة بؤرية للعب بالمرآة، ومفصلاً أساسياً في تكثيف اشتغال القاصة حول هذا الموتيف السردي.

عادة ما تبدأ المرآة بالغواية في غرفة القياس، ولكن غالبا أيضا ما يفشل برنامجها السردي الإغوائي، لأن الغرفة غرفة قياس، والقياس والإغواء لا يلتقيان، يحدث الثاني في غياب الأول، وينشطر الإغواء ويتلاشى بمجرد استحضار الأرقام، سواء أكانت أرقام مقاسات الجسد، أو أرقام ثمن الملابس، أو أرقاماً تتعلق بعمر الداخلات إلى غرفة القياس، وكل هذه التنويعات حاضرة لدى عائشة الكعبي في قصتها هذه.

تنجح غواية المرآة مع الشخصية الأولى، التي تصمم على شراء مقاس أقل من مقاسها كي تحشر جسدها فيه من أجل إغواء زميل لها في العمل.

كما ينجح ايضاً مع الشخصية الخامسة، وهي امرأة كهلة تجرب ثيابا شبابية وترافقها في الغرفة ابنتها، التي تلعب دور الرقيب على تصابيها، فتستسلم لإغواء المرآة، حتى لا تقع في فخ مطاوعة الرقيب الخارجي الذي هو البنت.

وتفشل المرآة بعد ذلك في أدوارها الإغوائية لأن ثمة رقماً ما يقفز إلى الدماغ يمنع الشخصية من الانجذاب، كما في حالة الشخصية الثانية التي تنتقي ثوباً بسيطاً لأنها تجاوزت الثلاثين وستحضر خطبة أصغر أخواتها، أو كما في حالة الشخصية التي ترهل قوامها فتضطر لأخذ مقاس أكبر، فقط كي تهرب من تعليقات زوجها الساخرة، أو مع الشخصية الرابعة التي تعجبها بدلة لكنها تتفطن إلى أنها موظفة استقبال يجب ألا تدفع في البدلة نصف راتبها.

يغادر الجميع الغرفة، وتنظف لكي تستقبل أناساً آخرين في اليوم التالي وتمارس إغواءات جديدة.. كذلك هي نصوص عائشة الكعبي تمنحنا مع كل قراءة جديدة غواية جديدة، وتكشف عن حذق ومهارة سرديين أقل ما يقال عنهما أنهما يتميزان بالفطرية، إذ لم تتكلف القاصة خلق كل هذه التلاوين على اللعب بالمرايا قصدية واضحة، ولكنها مهرتها بذكاء فطري حاد حفظ للنصوص طبيعتها المدهشة.

هوس

تبدو المرايا عند عائشة الكعبي في الكثير من المقاطع السردية إما كاشفة وإما غاوية؛ كاشفة تمارس دوراً تنويرياً يحدد للذات عيوبها وللنفس عثراتها في حوار درامي متزن يتسم بالرصانة السردية ويتنزه عن الهوس كما هو مثلا في قصة الكدمة، إذ تقول عائشة الكعبي على لسان عمر بطل الكدمة: فغر فاه مندهشا وهو يرى انعكاس صورته في مرآة الحمام ذلك الصباح، رفع عمر يده، وهو يتحسس الكدمة بإصبعه وعيناه ترصدان حركة الإصبع في المرآة اقترب وابتعد إلا أن ذلك لم يغير شيئاً من بشاعتها ووضوحها كانت تأخذ شكلاً بيضاوياً باهت الاحمرار عند الأطراف يتحول إلى قرمزي قاتم في المركز وكان نصفها العريض يغطي أعلى الجبين بينما يمتد نصفها الثاني صاعدا نحو صلعة رأسه.

هروب

المرايا في غرفة قياس عائشة الكعبي مرايا غاوية تصبغ العيوب والعثرات بالكثير من التعليلات الهائمة التي تنساق وراءها الذات التي تنظر إلى نفسها عبر هذه المرآة وكثيراً ما كانت الواقفات أمام هذا النوع من المرايا نساء، كما هي الحال في هذا المقطع السردي الذي ساقته القاصة على لسان إحدى شخصياتها النسائية في قصة تحية الصباح: ما أحوجني اليوم بالذات للهروب من السواد، يدي تعبث بورود حمر غطت حقلاً زيتونياً. لم لا؟ في المرآة طالعتني عينان أضناهما نوم مرهق، لون هذا ما احتاج إليه، أزرع لونا ذهبيا جنوب الحاجب وأفرش وردا أحمر فوق الجفن وأسور واحة عيني بسياج اسود أنفث حولي هالة من عبق العود والورد الطائفي..

* أكاديمية وباحثة في التراث الشعبي من الجزائر