تعيش الثقافة العربية المعاصرة أزمة حادة يمكن تلمس مظاهرها عند اجراء أية قراءة سريعة للنتاج الفكري العربي خلال العقود الأخيرة، وبمقارنة بين أدبيات عصر النهضة والمرحلة القومية والأدبيات المنتجة حالياً يتبين الفارق بين ثقافة تمتلك أدوات الحوار والمراجعة الدائمة لأهم وأبرز الأفكار وتحث على النهوض والتقدم وتؤكد امكانية امتلاك أدوات العصر وتقنياته وأخرى يسودها مناخ من التشنج والاقصاء والعمل في ما بينها كالجزر المعزولة وتحث على النكوص في ما يشبه الانكفاء على الذات ولا تمل من الجلد المستمر لتلك الذات الجريحة.

في كتابه اغتيال العقل يرصد برهان غليون ذلك الجدل الدائر بين التيارات الفكرية في الوطن العربي حيث لم يستطع التأسيس لثقافة تستطيع تجاوز اشكالياتها بصورة طبيعية بمعنى أن الحوار الجدل لم يكن ظاهرة صحية وانما ظل أسير ما اطلق عليه غليون الذهنية السجالية بين فرقاء يبدو أنهم ينشدون الخلاف لذاته. وهي حالة أكدتها العديد من أدبيات المراجعة، فالجماعة الثقافية الحداثية في الوطن العربي كما يقول عبدالإله بلقزيز في كتابه نهاية الداعية انقسمت الى ميلشيات تمارس الافتراسية الثقافية. وعن نتائج هذا التشنج والاقصاء يتابع بلقزيز: يكفي المرء اليوم ان يقرأ بعض معطيات النزيف الفكري مما تكتبه هذه الكتيبة الفكرية أو تلك حتى يقرأ السلام على العقل العربي أن الترجمة الواقعية لتلك الحالة كابوسية فالقارئ في التأليف العربي المعاصر وفقاً لبلقزيز وفي المجالات كافة سياسة، اقتصاد، اجتماع، ثقافة يكاد لا يعثر على كتابة نظرية بالمعنى الصحيح، أي كتابة تجنح نحو التجريد والتنظير والبناء المفهومي للمعرفة والصياغة النقية للأفكار وهو يستثني قلة تعد على اصابع اليدين، الأمر الذي يؤكد أية نخبوية تعيشها الثقافة العربية المعاصرة.

الملمح الثاني الذي يمكن رصده في الخطاب الثقافي العربي المعاصر ذلك التأكيد المستمر على جلد الذات، يقول محمود أمين العالم في دراسة له بعنوان ملاحظات أولية حول الثقافة العربية والتحديث عن الثقافة العربية إنها ثقافة استهلاكية سطحية فردية تعتقد الحس العميق بالهوية الذاتية، ولذا فهي ثقافة شكلية مغتربة وهي ثقافة مهرجانية أكثر منها ثقافة تأسيس لوعي ولقيم قومية وانسانية، وبالتالي فلا أفق أمام هذه الثقافة لكي تنهض ستظل اسيرة واقع لا فكاك منه ففي كتاب الخطاب العربي المعاصر ظل ينوس بين طرفي معادلة مستحيلة الحل، معادلة الأصالة والمعاصرة ولذلك فإن زمن الفكر العربي الحديث زمن ميت أو قابل لأن يعامل كزمن ميت.

وبخلاف انقطاع الحوار وجلد الذات شهدت الثقافة العربية خلال العقود الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت في توجه الغالبية العظمى من ألمع الاسماء في الثقافة العربية الى التراث الفكري العربي للإجابة عن سؤال أنّى الخلل؟ وما الذي يعيق العرب عن التقدم؟ ونشأت من هذين السؤالين اجتهادات فكرية عدة بلورها أصحابها في ما يشبه المشروعات المتكاملة الساعية لصياغة نظرية في التراث تستطيع تقديم تصور لمكامن القوة الذاتية التي يمكن استثمارها والقفز على مناطق الضعف حتى نستطيع تحقيق أية نهضة منشودة. وانتج هذا الحقل اطروحات شرحت التراث عبر استخدام كافة المناهج والأدوات المعرفية وطرحت مقولات حول العقلية العربية وقوى الثبات والتحول في التراث العربي، فضلاً عن رؤى أخرى حاولت تثوير التراث انظر نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري الثابت والمتحول لأدونيس التراث والتجديد لحسن حنفي ويمكن تلمس العديد من أوجه الضعف داخل هذه الاطروحات منها العمل في ما يشبه الجزر المعزولة، فعلى الرغم من وجود عشرات الاسماء التي اشتغلت على التراث فلا توجد حتى الآن مدرسة أو نظرية أو تيار فكري مرجعي في هذا الجانب، فضلا عن أن النتاج النهائي لتلك الاطروحات لم يقدم اضافة نوعية للأطروحات النهضوية في هذا الحقل، فإذا كانت معادلة عصر النهضة قامت على الاستفادة من مناطق التقدم في التراث وضمها لما يمكن استيعابه من الآخر، فإن المثقف المعاصر لم يأت بمعادلة جديدة وظل ينوس حول اشكالية الأصالة والمعاصرة بتعبير الجابري. والأخطر من ذلك هو تورط المثقف المعاصر في إنتاج اطروحات قد تؤدي الى الانكفاء على الذات أو تفهم على نحو عنصري شوفيني.

وفي كتابه أزمة التنوير وشرعنة الفوات الحضاري يجري عبدالرزاق عيد مقارنة بين فهم أحمد أمين وطه حسين للتراث وموقع العقل فيه واطروحة الجابري حول العقل العربي، فالعقل لدى احمد أمين وطه حسين عقل كوني واحد محكوم بمبدأ التشابه الخلدوني الذي يفضي الى الوحدة العقلية للجنس البشري وتباينه يعود الى ما تختلف عليه الظروف التاريخية، فليس هناك عقل عربي وعقل اوروبي والتراث لدى طه حسين منفتح على الآخر وفق مراحل تاريخية متدرجة من دون عقد الأصالة والمعاصرة، أما الجابري فيضع تصوراً للعقل العربي ليحكم عليه بسمات عرقية تجعله مخاصماً للعقل اليوناني الغربي بما يفقد أية نتيجة حضارية مرجوة من عملية المثاقفة بين الحضارتين.

ان المحصلة النهائية للاشكاليات السابقة ستدعو البعض الى الاعلان عن نهاية المثقف وافتقاده لأي دور يمكن أن يلعبه في المجتمع العربي المعاصر. يقول علي حرب في كتاب ادهام النخبة أو نقد المثقف: المثقف بات اعجز من أن يقوم بتنوير الناس، إذا اصبح هو من يحتاج الى التنوير، وبالتالي فعليه الانسحاب من الحياة العامة بعد كل هذا الهزال الوجودي والقصور المعرفي وبعد الفشل في قيادة المجتمع أو البشر نحو عالم أقل استلاباً أو اكثر تقدماً.

النهضة: دروس عدة في تجليات الثقافة

يهيمن على قارئ تاريخ النهضة العربية في تجلياته الثقافية شعور من يقرأ الرواية، فنحن أمام بداية ونهاية وحدث يعتمد على النشأة والتوتر والتصاعد وشخوص متصارعة في سبيل تحقيق هدف ما، إنه سرد حيوي يكتسب جمالياته من سمات عدة لعل ابرزها التراكم المعرفي والقدرة على الحوار والدخول في فضاءات عدة من مغامرات تضع نصب اعينها ضرورة الانخراط في ثقافة العصر.

في البواكير الأولى نشأت مدرسة الإحياء من جيل الرواد أمثال البارودي وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم حاملة لسمات ثلاث هي: تجديد العلاقة بالتراث من خلال الاحياء، وبروز الأنا الذاتي والاجتماعي والقومي والوطني، والاهتمام بالوجدان وظلت متسيدة للمشهد الشعري في مصر حتى اصدر عباس العقاد والمازني كتابهما الديوان في جزأين عامي ،1920 1921 حيث يقول العقاد مخاطباً شوقي: اعلم ايها الشاعر العظيم ان الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي اشكالها والوانها وان ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء وماذا يشبه وانما مزيته ان يقول ما هو ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به. ان نشأة الديوان كانت ثورة حملها العقاد ليبحث عن الوحدة العضوية في القصيدة العربية وليؤسس للمنهج النفسي الذي سيلازمه في معظم دراساته الأدبية منها والفكري. ومنها مجموعة العبقريات وابن الرومي حياته من شعره وأبو نواس الحسن بن هانئ وغيرها ومن الصراع الدائر بين المدرستين تنشأ جماعة أبولو عام 1932 بريادة احمد زكي أبو شادي واتسمت هذه الجماعة بتعميقها الاتجاه الوجداني للشعر والنظر الى التراث الشعري الغربي عبر الترجمة واستخدام الاسطورة ولفتت الانظار الى ضرورة التجريب وانتجت مجلة ابولو والتي تعد وثيقة فكرية لا غنى عنها بما سيفتح الباب لإضافة تراكم نوعي سيؤدي الى نشأة اشكال جديدة من الشعر.

ويمكن القول إن ما حدث في الشعر تكرر في الرواية والمسرح والنتاج الفكري فرواية زينب لمحد حسين هيكل وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وأديب لطه حسين تعتبر كلها مراحل تمهيدية استفاد منها نجيب محفوظ ليكتب زقاق المدق والتي يراها الناقد غالي شكري الرواية العربية الاولى، واستطاع محفوظ عبر تجريبه لاشكال سردية متعددة ان يفرض على جيل روائي كامل البحث عن تقنيات روائية جديدة، وهي الاشكالية التي هيمنت على الطيب صالح وهو يكتب موسم الهجرة الى الشمال ودفعت بجيل الغيطاني والقصيد وعبدالرحمن منيف وغيرهم الى البحث ليس فقط عن تقنيات جديدة، وانما عن موضوعات مغايرة لمحفوظ. أما في المسرح فقد استطاع توفيق الحكيم ان ينقل ذلك الشكل الغربي الى الثقافة العربية بشكل منهجي بعد بدايات متعثرة في مصر وبلال الشام وجاءت مصر الناصرية لتضع مشروعاً مسرحياً متكاملاً عبر تطوير محاولات الحكيم، فوجدنا ابداعات الفريد فرج وسعد الدين وهبة وميخائيل رومان وغيرهم.

ورافق النشاط الابداعي إنتاج فكري اتسم هو الآخر بالتراكم، فاسلاميات محمد حسين هيكل وعبقريات العقاد وكتابات طه حسين استطاع احمد أمين ان يترجمها الى دراسة فكرية شبه موسوعية في كتابه المتعدد الاجزاء فجر الاسلام، ضحى الاسلام وظهر الاسلام، ذلك الكتاب الذي كتب مقدمته طه حسين ورآه العديد من النقاد ابرز ما كتب في الثقافة العربية الحديثة عن التراث العربي الاسلامي. حيث يمتاز بالأسلوب التنويري ويبرز قيم العقل والتقدم في تراثنا من دون التورط في استخدام أفكار مقولبة أو أدوات ومناهج تفرض على الباحث رؤى هينة، ولذلك جاء الكتاب ليشتبك مع قضايا العصر بقدر ما هو معبر عن روح التراث.

ويرصد أنور الجندي في كتابه المعارك الأدبية في مصر خلال الفترة من 1914 الى 1939 هذه العناوين التي تدل على حيوية الثقافة آنذاك معارك الوحدة والتجزئة ومعارك اللغة العربية ومعارك مفاهيم الثقافة ومعارك الأسلوب والمضمون ومعارك النقد ومعارك النقد حول الكتب ومعارك بين المجددين والمحافظين ومعارك نقد الشعر، وثقافة الشرق وثقافة الغرب، ولاتينيين وسكسونيين، والنزعة اليونانية وكتابة التاريخ ومعركة الترجمة وغاية الأدب والتي خاض غمارها طه حسين والعقاد وزكي مبارك ومصطفى صادق الرافعي واحمد حسن الزيات وهيكل وسلامة موسى وغيرهم، وهذه المعارك وان اتسمت بالحدة فقد كانت معبرة عن روح عصر يضع رواده على عاتقهم مهمة التأسيس لثقافة عربية معاصرة منخرطة في ما يحدث في العالم، فالخلاف بين طه حسين والعقاد حول ضرورة الاخذ عن الثقافة الفرنسية أو الانجليزية لم يكن يتم في البرج العالي وانما ينطلق من إحساس بضرورة التجدد الدائم واثارة المياه الراكدة والتفاعل الخلاق مع الآخر، والأهم من ذلك ان هذه المعارك قفزت بالثقافة العربية خطوات الى الأمام فعلى المستوى الزمني المتصاعد جاء كتاب في الثقافة المصرية في عام 1955 لمحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس ليحدث تحولاً في رؤية المثقف العربي لوظيفة الفن والأدب. فالتحولات التي احدثتها ثورة يوليو دفعت بالعالم وأنيس الى رؤية الفن كمعبر أساسي عن قضايا وهموم المجتمع، وهي الرؤية المناقضة لتوجه العقاد وطه حسين. ما اشعل معركة زكرية كبرى حول الكتاب تجلت مرة أخرى في الجدل بين محمد مندور ورشاد رشدي حول وظيفة ودور الأدب، وعلى المستوى المجتمعي الراهن آنذاك انتشرت تلك الافكار بين قطاعات واسعة من الشرائح المتعلمة عبر مجلات الرسالة والثقافة والهلال وفي مرحلة لاحقة الطليعة والفكر المعاصر والكاتب وغيرها.