ما بين نكبة العام 1948 وهزيمة العام ،1967 تتحرك الأحداث في رواية الصعود إلى المئذنة الصادرة حديثا عن دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله والعاصمة الأردنية عمان، لمؤلفها الروائي أحمد حرب. وهي أحداث متواضعة جدا في شكلها، وعميقة إلى حد التفجر البركاني، في مضمونها، وعلى وقع هذا التناقض الحاد في هذه الأحداث، يكتب أحمد حرب روايته بسخرية شديدة، وهل سوى السخرية أصلا، يمكن لها أن تسرد هذا التناقض، أو أن تستوعبه وتفهمه؟

المكان لهذه الأحداث، أو لهذا التناقض، قرية العين الواقعة في منتصف المسافة بين مدينتي بئر السبع والخليل في جنوب فلسطين، ولعل الأصح، أنه مجرد مغارة كبيرة، أو مجموعة مغائر في الصخر متقاربة ومعتمة منذ الأزل، إلى جانب بعض البيوت الطينية، يسكنها فلاحون ورعاة بمواشيهم ودوابهم ورجالهم ونسائهم وأطفالهم، وبكل ما احتوت عليه ذاكرتهم الرعوية من تراث خرافي، ومن وقائع حقيقية لعذابهم اليومي، إثر نشأة إسرائيل في العام ،1948 وبعدما أمسوا فجأة تحت رحمة هذا النشوء العدواني المزلزل، وغير المفهوم بالنسبة لهم في آن.

فور أن انتهيت من قراءة هذا الرواية، أحسست أن اختيار أحمد حرب لهذا المكان المهمل وسكانه المهملين بالذات، مكانا وسكانا للرواية كلها، هو في أساسه قصد مدهش بوعي مسبق من قبله، للإيحاء أن الشعب الفلسطيني كله بجميع مدنه المتطورة، ومجتمعه المتحضر، وأحزابه ومنظماته، كان في خضم تلك المسافة الزمنية التي لا تتجاوز تسعة عشر عاما، ما بين النكبة والهزيمة، ضائعا ومهملا ومحاصرا بالخرافة.

تخلص الرواية بمجمل أحداثها، إلى أنه كان من الطبيعي أن تولد الهزيمة من رحم النكبة، وكثير من اللعب على اللغة العربية نفسها، بتعميم تسمية النكسة مثلا، بدلا من الهزيمة، فإن جيلا جديدا كان لا بد من أن يولد أيضا من رحم الهزيمة، هذه المرة. أو من التلاقي بين النكبة والهزيمة. هل هو الجيل الوارث للنكبة والهزيمة معا، فلا يملك إلا المزيد من التيه والرضوخ المذلّ تحتهما؟ أم أنه القادر على تجاوز كل هذه التراجيديا المتواصلة، إلى تاريخ مغاير تماما؟

توفر الرواية ردها على هذا السؤال، بوجود جيلين وليس جيلا واحدا. الأول ممثلا بشخصية المختار المتوافق في وظيفته الحكومية مع كل مرحلة. فهو إلى جانب أية سلطة تتواجد في قرية العين، حتى بما فيها سلطة اليهود. فما يكاد الجيش الإسرائيلي يعلن عن احتلاله للقرية، حتى يسرع هذا المختار، بخلع كوفيته البيضاء عن رأسه، والتلويح بها عاليا في يده، ثم ربطها أعلى المئذنة، تنفيذا لأمر ذلك الجيش برفع الأعلام البيضاء والاستسلام.

والجيل الثاني يمثله السارد نفسه، بطل الرواية الذي ولد داخل مغارة صنع الجابري المطلة على مستوطنة يهودية، بعد أقل من سنتين من وقوع النكبة، لأسرة أصبحت فقيرة ومطاردة بعدما فقدت معظم أرضها بما فيها مرعى مواشيها، تحت مباني وأسوار وأسلحة تلك المستوطنة.

تنهي الرواية بالجيلين معا؟ غير أن الفقرة الأخيرة التي تقفل باب الرواية أمامنا، كانت للجيل الثاني، جيل السارد الشاب الذي بدأت به الرواية فقرتها الأولى أيضا، في رأس صفحتها الأولى. والذي لم يكن بالصدفة، كما أحسب، أن يختار له المؤلف اسم يسير يحيى خليل يقظان، فثمة في هذه التسمية إيحاءات كثيرة، ليس أقلها ما يطلقه الفلسطينيون العاديون بلهجتهم العامية التي استخدم المؤلف كثيرا من تعبيراتها وأمثالها وحكاياتها، على الأسير لفظ اليسير، فهل بطلنا في هذا الفهم الشعبي المبطن، أسير منذ مولده في بيئة النكبة؟ ولكنه يحيى في آن. وهو ما يكرس إرادة الحياة لديه، ضد الأسر والحصار. من دون أن نغفل في الوقت نفسه، عن خليل وهو اسم لمدينة الخليل، أو خليل الرحمان التي تعتبر العين واحدة من قرى قضائها الجغرافي، وربما من قضاء بئر السبع، وكلاهما المضمون الوطني الواحد سيان. أما يقظان، فإن الرمزية فيه كافية لمعان عدة، قد يكون أبرزها وفق هذه الرواية، معنى السخرية، طالما أن آل يقظان كلهم، كانوا على امتداد الرواية نياما، باستثناء بطلنا يسير الذي اتضح لنا في سياق تتابع الأحداث، أنه يمثل التاريخ الجديد والمغاير لصحوة يقظة جادة وصادقة للقرية كلها، ولأهل فلسطين أجمعين.

وقبل أن أختتم بما قاله يسير، لا بد لي من استحضار رواية الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لأميل حبيبي. فقد أحسست بصورة أو بأخرى، أن في يسير بعض هذا المتشائل. والعكس صحيح، كما أحسست أن في سخرية رمز الصعود إلى المئذنة، فيضا غامرا من سخرية تلك الوقائع القديمة ذاتها.

يسير ذو الأظافر المقلمة والأسنان المثلمة، والذي يقسم بالحي القيوم أنه لم يلمس بندقية في حياته، وهو صادق بالفعل، يقول لنا في الفقرة الأخيرة من الرواية: ما زلت خائفا. هل هو خوف أو مخافة؟ لا أدري. هل هو غضب دفين، أم نزعة من فقدان اليقين؟ لا أدري. هل أنا حزين. والله لا أدري. نظرت حولي. أقسم أنني لم أر شيئا غير الشمس تترجل نحو المغيب. ركضت، وركضت صوب الشمس، لم ألتفت خلفي. لم ألتفت إلى يميني أو إلى يساري. دغري صوب الشمس، أقصر الطرق إلى صنع الجابري.

هي في المحصلة، أقصر الطرق إلى جذر القضية الفلسطينية، بالعودة إلى مربعها الأول، ولو في قلب مغارة، رغم الاضطراب بين الخوف والمخافة، والغضب وفقدان اليقين، والحزن والغروب، لاكتشاف كل الحقائق مجددا، على طريق الوصول إلى الشمس المشرقة، شمس تحرير الأرض والحرية والاستقلال.