الماكاك اسم لأنواع متعددة من القرود القوية، ويزن بعضها أكثر من 15 كغم، ويعيش أغلبها في المناطق الدافئة من جنوبي آسيا . ويعيش أحد الأنواع، ويُسمّى القرد البربري، في شمالي إفريقيا وجبل طارق، بينما يعيش نوع ياباني في أقصى مناطق الشمال، كجزيرة هونشوا الباردة جداً .
هذا النوع هو الوحيد من القرود الذي يعيش متوحشاً في اليابان ويضطره البرد القارس إلى معانقة بعضه بعضاً لكسب مزيد من الدفء، وفي الآونة الأخيرة اكتشفت مجموعة من العلماء نوعاً جديداً من القردة ينتمي إلى فصيلة الماكاك لم يكن معروفاً من قبل، وذلك في منطقة أرونشال بارادش في الشمال الشرقي من الهند، وأطلق العلماء عليه اسم ماكاك أرونشال، والقرد من هذا النوع بني اللون كبير الحجم نسبياً وقصير الذيل نوعاً ما . وعبر العلماء عن دهشتهم من اكتشاف ذلك النوع الجديد من الثدييات الكبيرة في منطقة مملوءة بالسكان، بمعنى أن أحداً لم يكتشفه من قبل . ويعيش القرد الجديد في أعالي الجبال، والغريب هو أن الأهالي كانوا يعرفونه بالفعل ويسمونه موم زالا أو قرد الغابة الكثيفة، لكنهم كانوا يجهلون أنه من الماكاك .
وتعيش أنواع كثيرة من قرود الماكاك فوق الأشجار وعلى الأرض . وتأكل الفاكهة والحبوب والحشرات الخضراوات . ولكن هناك الماكاك الذي يعتمد في أكله على سرطان البحر والمحار الملزمي . ويُسْتَخْدم قرد الريص، وهو ماكاك هندي قصير الذيل، في البحوث الطبية . ويمكن أن يشاهد العديد من تجمعات القرود في حدائق الحيوان . ويدرب الماليزيون قرد الماكاك ذات الذيل الخنزيري على التقاط جوز الهند من الأشجار . ويُصَنَّف واحد على الأقل من أنواع الماكاك، وهو الماكاك الهندي ذو الذيل الأسد، ضمن الحيوانات المهددة بالانقراض . وقد تم حالياً التعرف إلى اثنين وعشرين نوعاً منه، من بينها القردة المعروفة جياً لدى غير المتخصصين بعلم الحيوان، ومنها: الماكاك الريسوسي وماكاكا مولاتا، وهي مجموعة تعيش على جبل طارق . يتسم الماكاك بتسلسل وبناء اجتماعي غاية في التعقيد . فإذا قام ماكاك من طبقة أقل في السلسلة الاجتماعية، بأكل ثمار التوت مثلاً من دون أن يترك شيئاً لماكاك من طبقة أعلى، فعندها يمكن للماكاك الأعلى في إطار هذا البناء الاجتماعي، أن يأخذ ثمار التوت من فم القرد الآخر! ولأغلب قرود الماكاك فراء رمادية أو سمراء وجلد قرنفلي أو أحمر في الوجه والردف . ولبعضها ذيول طويلة وأخرى قصيرة، وبعضها ليست له ذيول على الإطلاق . وللذكور أسنان طويلة حادة، تستخدمها في القتال . وتحكم الذكور القوية أغلب مجموعات الماكاك .
ديمقراطية راقية
وقد توصل علماء فرنسيون إلى أن إحدى مستعمرات القرود من نوع الماكاك تطبق في ما بينها ديمقراطية راقية، وأشار العلماء إلى أنه من الصعوبة البحث عن وجود برلمانات أو حكومات أو محاكم دستورية أو انتخابات منتظمة في المستعمرات الحيوانية، لأن هذه المؤسسات هي صناعة بشرية خالصة، تقوم على تنظيم حياة المجتمع طبقاً لأسس ثابتة، ولكن من المدهش حقاً أن توجد حيوانات، تعيش هي الأخرى في مجتمعات منظمة وراقية للغاية، حيث تستخدم آلية مكتسبة تقوم على أساس اختيار حكومة الأكثرية .
وأوضح العلماء الفرنسيون التابعون للمركز القومي للبحوث العلمية، أنهم يرصدون ويحللون منذ سنوات عدة حياة القردة من نوع الماكاك، وقد حصروا بحوثهم على مستعمرات القردة التي تعيش في الجزر الإندونيسية . وتوصل هؤلاء إلى نتيجة مفادها أن مجتمع الماكاك يتفق في ما بينه على تنفيذ أي عمل من الأعمال من خلال عملية استفتاء وانتخاب جماعي، فإذا حدثت مشكلة ما، فإن قيادة الجماعة تجتمع وتتخذ القرار لحل هذه المشكلة، وإذا كان لدى أحد القردة رأي أو فكرة للحل، فإنه يقوم بطرح فكرته هذه على الآخرين، ثم يخرج من الاجتماع، بانتظار الحل، لكن الحل الأخير يبقى محصوراً بيد اللجنة أو المجلس القيادي .
والقردة التي تستحسن الفكرة أو المقترح، ولديها رغبة في تحقيق الحل المطروح، تعبر عن موافقتها من خلال الإشارة، وإذا حصل المقترح الأصلي على أكثرية نصف الأعضاء، فإنه سيحظى بالموافقة، أما الأقلية البرلمانية، فإنها تخضع لإرادة الأكثرية من دون أي شرط، ويصبح القرار خاضعاً للتنفيذ، وأثناء تنفيذ هذا القرار، يجب على الجميع احترام طبيعة القوانين السائدة في المستعمرة، فضلاً عن مشاركة الجميع تنفيذه، ولا يستثنى من ذلك الإناث أو الذكور أو حتى الصغار، ويجب على هؤلاء جميعاً الالتزام بالقواعد الديمقراطية، لأنها تستخدم من قبل مجتمع المستعمرة الحيواني بصورة منتظمة ومستمرة .
الجدير بالذكر أن الهيئة القيادية لدى الأنواع الأخرى من القردة، تكون في العادة هيئة ذكورية، حيث تستبعد الإناث من أي دور قيادي، وهذا النظام الاجتماعي تمكن رؤيته بصورة جلية عند مجتمع الغوريلا . ومن المعروف أن قرود الماكاك تتميز بخصال اجتماعية شديدة الشبه بالإنسان أهمها تلاحمها مع اقتراب الخطر وسرعة البديهة . ومن مفارقات قرود الماكاك التي تتغذى على النباتات والحبوب تأسيسها نظام حكم يتغير كل أربع سنوات، وهو ما رصده العلماء عبر أبحاث عدة كشفت تحكم قرد واحد بتوجيه أسراب الماكاك والفصل بينها ويُطلق عليه اسم هوانج، ويُعرف القرد الحاكم من ذيله المنتصب ويتم تغييره كل 4 سنوات، لكن تلك الأحاث لم يتسن لها الكشف عن كيفية اختيار هوية الحاكم وهل تتم وفقاً لانتخابات أم تقتصر على الإنابة؟
ذكاء وانضباط
ويعتبر الماكاك من أكثر أنواع القردة ذكاء وفطنة وقدرة على التصرف الاجتماعي المنضبط، فضلاً عن سلوكه الطبيعي الهادئ والمؤدب . ومن أبرز مميزات حياة قرد الماكاك الاجتماعي، ذكاؤه المفرط، الذي يستخدمه في مجالات الصيد المختلفة، فهو يبتكر طرقاً غير معهودة للإيقاع بفريسته، ويختار الأماكن التي لا يرتادها غيره للصيد، فضلاً عن سرقة الثمار والأطعمة من البيوت القريبة من مستعمرته، بل إنه يعتبر أمهر الحيوانات على الإطلاق في سرقة حاجات السياح وزوار المنطقة، حيث يقوم باختيار اللحظة المناسبة لنشل هذه الحاجات من هؤلاء السياح، وقبل تنفيذ العملية، يجري التخطيط لها من قبل مجموعة الحماية والتنفيذ، بحيث يشارك في العملية أكثر من قرد، وبعد الحصول على هذه الحاجات يقومون بتقسيمها في ما بينها كغنيمة مشتركة . ويتولى ثلاثة قرود مهمة تأمين أسراب الماكاك، حيث يتخذون موقعهم فوق أغصان أشجار، وعند الشعور بالخطر يطلقون أصواتاً معينة كجرس إنذار لاتخاذ التدابير الأمنية اللازمة . وقد تباينت آراء العلماء حول آلية اختيار الحراس، فالبعض يذهب إلى أن حراس الماكاك مجموعة قرود عصت أوامر الحاكم، فتم تكليفها بهذه المهمة الصعبة فيما يميل آخرون إلى أن الحراس يتولون المسؤولية بالتناوب .