لبئس ما تسومونني
مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طلب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه لا يرده عنه شيء، وأكثرت قريش من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وحض بعضهم بعضاً عليه، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سناً، وإن لك شرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
عظم على أبي طالب هذا الوعيد، ولم يطب نفساً بخذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما علمت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف ديننا ودين آبائك وفرق جماعة من قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل، قال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا.
ما عندي غير هذا
وقررت قريش أن تكلم بنفسها النبي صلى الله عليه وسلم، بدون وساطة عمه الذي بدا مصمماً على عدم خذلانه، واجتمع نفر من قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة.
وأرسلت قريش، عتبة بن ربيعة وهو رجل رزين هادئ فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها، إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا، فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ، فلما فرغ من قوله، تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام صدر سورة فصلت: حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون حتى وصل النبي إلى قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عاد وثمود، فأمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقال: ما عندك غير هذا؟، فقال: ما عندي غير هذا، فقام عتبة، ولم يعد إلى أصحابه، واحتبس عنهم.
فشل وخلاف
وفشلت تلك المحاولة، وانتهت إلى خلاف بين قريش، فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.
فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمدا أبداً، وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته، فقص عليهم القصة، قالوا: فما أجابك؟ قال: والله الذي نصها بنية ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب، قالوا: ويك، يكلمك الرجل بالعربية لا تدرى ما قال؟، قال: والله ما سمعت مثله، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، يا قوم أطيعوني في هذا الأمر واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت أذناي كلاماً مثله، وما دريت ما أرد عليه، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
طلبات مستحيلة
وفي محاولة أخرى شكلت قريش وفداً على أعلى مستوى، ضم رؤساء قريش ممثلين لجميع القبائل عدا بني هاشم، فاجتمعوا على ظهر الكعبة، فقالوا: ابعثوا إلى محمد، وكلموه وخاصموه، حتى تعذروا به، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم سريعاً، وهو يظن أنه بدا في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه تعنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت به لتطلب به مالاً، جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الرئى الذي يأتيك تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله عز وجل بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم، قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا أشد عيشاً منا، سل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك، فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، ويجر فيها أنهارًا، كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول: أحق هو؟، فإن صنعت ما سألناك، صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول.
فقال صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله سبحانه بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه أصبر لأمر الله قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكاً يصدقك وسله فيجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعاش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً.
قالوا: فأسقط علينا كسفاً من السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً وقال عبد الله بن أمية المخزومي وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم: لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً وترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً بما فاته من متابعة قومه، ولما رأى من مباعدتهم منه، فأنزل الله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً. وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً. قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً. قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيراً بصيراً.
وتتابعت وفود الشرك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه من يطلب أن يحول الوعد وعيداً والوعيد وعداً، والحلال حراماً والحرام حلالاً، وفيهم نزل قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.