ترجمة: أحمد عثمان
يعد توماس ترانسترومر الفائز بنوبل عام 2011 والذي رحل عن 83 عاماً قبل أيام أحد أبرز وجوه الشعر السكندنافي، بنتاجه الذي يبين العلاقة القائمة بين حميميتنا والعالم الذي يحيطنا . كنفساني التكوين، يشير إلى أن التجربة الشعرية للطبيعة تسمح للمرء بأن يغوص في أعماق الهوية الإنسانية وبعدها الروحي . "لن ينتهي وجود الإنسان حيث تنتهي أنامله"، كما كتب أحد نقاده السويديين عن تيمات قصائده، التي وصفها "كصلوات روحانية" .
ترجع شهرته في العالم الأنغلوفوني إلى صداقته بالشاعر الأمريكي روبرت بلاي، الذي ترجم إلى الإنجليزية جانباً كبيراً من نتاجه .
قصائد توماس ترانسترومر غنية بالاستعارات والصور: يعرض مشاهد بسيطة مأخوذة من الحياة اليومية والطبيعة . أسلوبه استبطاني "كحالة صوفية، متغيرة وحزينة"، تتفجر مع حياة الشاعر الملتزم العائش في صراع دائم من أجل عالم أفضل .
ولد توماس ترانسترومر في 15 إبريل/ نيسان ،1931 حاز دبلوم البسيكولوجيا في ،1956 وعمل لفترة في "معهد البسيكوتكنيك" في جامعة ستوكهولم، قبل أن يهتم، منذ عام ،1960 بالجانحين في معهد خاص، ثم بالمعاقين والمدمنين .
وقتما كان طالباً، أصدر ديوانه الأول "17 قصيدة" لدى أكبر ناشر سويدي "بونيير"، الذي استمر في التعامل معه لفترة طويلة من الزمن . وبالنسبة لناشره، شعر ترانسترومر "تحليل دائم لأحجية الهوية الفردية في مواجهة التشعب التيهي للعالم" .

عزلة

هنا كنت على وشك أن أموت ذات مساء
فبرايري .
السيارة تنزلق على رقاق الجليد
من الناحية الخطرة للطريق .
السيارات في الاتجاه المعاكس،
أنوارها، تقترب .

اسمي، ابنتاي، عملي،
انفصلت، بقيت صامتاً
في الخلف بعيداً .
في الخلف بعيداً للغاية . كنت بلا اسم
كصبي في ساحة
مدرسة محاطة بالأعداء .

للسيارات في الطريق العكسي
أنوار قوية .
تنيرني بينما
ألف وألف المقود
مأخوذاً برعب واضح، ينساب
كبياض البيضة .
تكبر الثواني - مانحة
الفضاء حيزاً كبيراً
فجأة كأنها مشاف .

من الممكن التوقف، جزئياً،
والتنفس للحظة
قبل أن نتهشم . جاء المنقذ:
بمساعدة حبة رمل
أو صفعة ريح رائعة .
تحررت السيارة
وزحفت على الطريق، سريعاً .
تبدى عمود وتحطم - ضجة
حادة
طار بعيداً في العتمة .

حتى أصبح كل شيء
صامتاً . كنت جالساً، مازلت
مربوطاً،
رأيت أحدهم يقترب
تحت الثلج
كي يرى ما أصابني .

II

اجتزت طويلاً
حقول أوزترغتلاند المصقوعة
لا أحد على مرمى البصر، أبداً .
في أجزاء أخرى من العالم
هناك من يولد، يحيا،
يموت
في هرج ومرج مستمر .
أن تكون واضحاً - تحيا
تحت جمع من النظرات
يجب أن تعطي تعبيراً خاصاً
للوجه .
وجه مغطى بالوحل .
تتبدى همهماتها وتسقط
بينما تنفصل، وتتوزع
السماء، الظلال، حبات الرمل .
علي أن أكون وحيداً
عشر دقائق في الصباح
وعشر دقائق في المساء .
من دون أن أفعل شيئاً .
يصطف كل واحد خلف الآخر .
كثيرون .
واحد .
في مارس 79

ضجرت من كل الذين يأتون بصحبة الكلمات
الكلمات، وليس اللغة .
أرحل إلى جزيرة مغطاة بالثلوج .
ليس للجموح كلمات!
هذه الصفحات البيضاء تنتشر في جميع الجهات .
أسقط على أثار أيل في الثلج
لا كلمات، وإنما لغة .
(بحار البلطيق)

يسقط الثلج

اللوحات الإرشادية
تتزايد أكثر فأكثر
كلما اقتربنا من أي مدينة .
نظرة الآلاف
في بلاد الظلال الطويلة .
جسر ينبني
في بطء
مستقيماً في الفضاء .
(قصائد قصيرة)

آثار

في الثانية صباحاً: وضوح القمر .
يقف القطار وسط السهل .
في البعيد، نقاط نور مدينة
تلمع بهدوء على مدى البصر
مثل أحد يرحل بعيداً
في الحلم الذي لن يصل إلى تذكره،
الذي عاشه
حينما رجع إلى غرفته .
مثل أحد يرحل بعيداً
في المرض بحيث أن جوهر أيامه
يتغير لمعانه،
حشد تافه وبارد على مدى البصر .
القطار ساكن بالطبع .
ساعتان: وضوح قمر كثيف . ونجوم نادرة .
(أسرار في الطريق)
أحجار

الأحجار التي ألقيتها، أسمعها
تسقط، بلورية، عبر السنوات . الأفعال
المتنافرة للحظة تطير في
الوادي وهي تصيح من أعلى شجرة
الى أخرى، تهدأ
في هواء أندر من هواء الحاضر، تسرب
طيور السنونو من قمة جبل
الى أخرى، حتى تدرك
آخر الهضاب العالية
على حدود الوجود . حيث
لا تسقط أفعالنا
بلورية
على قيعان أخرى
مثل قيعاننا .
(17 قصيدة)

رثاء

أفتح الباب الأول
غرفة كبيرة تغمرها الشمس
سيارة ثقيلة تمضي في الشارع
وتهزز الخزف الصيني .
أفتح الباب الثاني .
أصدقاء! ستحتسون الظل
لكي تصبحوا ظاهرين .
الباب الثالث . غرفة نزل ضيقة .
تطل على زنقة .
مصباح يلقي لمعانه على الأسفلت .
أمسيات الوجود الجميلة .

(دروب ضيقة)

اللغز الكبير: هايكو

السقف متصدع
والموت من الممكن أن يراني .
هذا الوجه .
**
اسمع المطر يدوي .
أهمهم بسر
لكي أخترق قلبه .
**
الموت ينحني
علي، مشكلة الإخفاق
ولديه الإجابة .
**
أنظر إلى قعدتي
كمركب مسحوبة إلى الأرض .
أنا سعيد هنا .
**
الأفكار ثابتة
كالبلاطات الخزفية
في ساحة القصر .
**
جدار اليأس . .
الحمامات تروح وتجئ
من دون وجه .
**
كنت هنا أيضاً
وعلى جدار أبيض مطلي بالكلس
يتجمع الذباب .
**
حيوان الرنة تحت الشمس
الذباب يرفرف ويخيط
ظله بالأرض .
**
حشرتي يعسوب
ملتصقتان ببعضهما بعضاً
هل يهزان الماضي؟
**
حينما تم اللحاق بالهارب
كانت جيوبه ملآنة
بالفطر الذهبي .

غزلية

ورثت حديقة غامضة
نادراً ما أرتادها .
ولكن في يوم ما،
بدل الموتى والأحياء مكانهم .
وهكذا، انطلقت الحديقة .
لم نكن بلا أمل،
والجرائم الكبيرة ظلت غير معللة .
رغماً عن تحركات الشرطة كلها .
هناك، في جزء من حياتنا،
حب كبير غير معلل .
كل من يحيا، يتحرك، يزحف ويرتعش!
إنه فصل الربيع والهواء ساحر .
حزت إجازة من جامعة النسيان
ويداي خاليتان
كقميص على حبل غسيل .
(لأجل الموتى والأحياء)