يؤكد المؤرخون والأركيولوجيون، أن قصر الذهب (قصر القبة الخضراء) في المدينة المدورة بغداد، وهو قصر الخليفة المنصور نفسه، كان احتل قلب أو مركز المدينة . وهو مربع الشكل، وقال الباحثون إنه يشبه قصر الحجاج بن يوسف في واسط . وطول ضلعه 400 ذراع (200 متر) . وقد شيد بالجص والطابوق . وبدت غرفة نوم الخليفة تطل على رواق ترفع سقفه أعمدة، ليشرف على صحن القصر . وقد دعي قصر المنصور هذا بقصر القبة الخضراء، نسبة إلى القبة الخضراء التي كانت تميزه . وسمي كذلك بقصر باب الذهب أو قصر الذهب . ويشير الخطيب البغدادي (1/107) إليه: كان في صدر الإيوان مجلس، عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً . وسقفه قبة، وعليه مجلس مثله فوق القبة الخضراء . وسمكه إلى أول حد عقد القبة عشرون ذراعاً . فصار من الأرض إلى رأس القبة الخضراء ثمانين ذراعاً . وعلى رأس القبة تمثال فرس عليه فارس . وقيل إنه كان مزوداً برمح يدور مع الريح . فإذا استقبل إحدى الجهات، علم أن بعض الأعداء يظهرون من تلك الجهة .

تاج بغداد

ويقول ابن الجوزي: كانت هذه القبة تعد بمثابة تاج بغداد وعلم البلد ومأثرة من مآثر بني العباس (مناقب بغداد: ص 112) . وقد سقط رأس هذه القبة سنة 329 ه، أثناء عاصفة شديدة على بغداد . أما لسترانغ فيرى: أنه ربما أصابتها صاعقة ألهبت فيها النيران . وقد سقطت بقايا هذه القبة في حادث غرق بغداد في العام 655ه/ 1255م . وهذه القبة الخضراء، على طراز خضراء معاوية في الشام وخضراء مدينة واسط، إذ بنى الحجاج مسجدها وقصرها والقبة الخضراء بها . وليس من المستبعد تأثر المنصور بهما في الأسلوب المعماري .

وقد أحدث المنصور في قصر الخلافة/قصر الذهب، نفقاً سرياً يلجأ إليه وقت الأزمات . إذ يروي الخطيب البغدادي أن المنصور قال للربيع: يا ربيع هل تعلم في بنائي هذا موضعاً إن أخذني فيه الحصار خرجت خارجاً منه على فرسخين (1/77) . وقد كان قصر المنصور بمثابة المحل الرسمي للخليفة . وهو محل سكناه الخاص وسكنى عائلته وحشمه وخدمه . ومن المؤكد أنه كان يحتوي على وحدات سكنية تتماثل مع دار الإمارة بالكوفة وهو النموذج الأول للعمارة الإسلامية في العراق . أما وجود الإيوان في هذا القصر، فهو يقابل الصدر في الطراز الحيري . وتجري اليوم تنقيبات أثرية في موقع بغداد المدورة علها تظفر بطبيعة هذه العمائر غير المكشوفة التي وصفها القدماء .

خراب القصر

ظل قصر الذهب مقراً للخلفاء العباسيين الذين أعقبوا المنصور، مثل الخليفة الأمين الذي اتخذه مقراً وبلاطاً عندما آلت الخلافة إليه بعد وفاة أبيه الرشيد الذي كان يسكن في قصر الخلد . وقد أضيف إلى قصر الذهب ميدان للصوالجة حول القصر . وأصاب هذا القصر الكثير من الخراب والتدمير، أثناء حصار الطاهر بن الحسين، قائد جيش المأمون له . إذ كان يرمي جوانبه بالمجانيق التي نصبها في أرباض المدينة . وقد خلا هذا القصر من السكان، ولم يعد بلاطاً بعد وفاة الأمين . وفي ذلك يقول الطبري (8/498): وبعد مقتل الأمين أمر طاهر بن الحسين بتحويل أم الأمين زبيدة وموسى وعبدالله ابني الأمين من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد .

إلى ذلك، تذكر بعض المراجع التاريخية، أسماء بعض الدور التي بنيت داخل المدينة المدورة وخارجها . فقد أقطع المنصور مواليه وقواده بعض القطائع داخل المدينة، ونسبت إليهم بعض الطرق والدروب . وأقطع الآخرين قرب أبواب المدينة، وكان جنده ينزلون الأرباض . وأما أهل بيته وابنه المهدي وغيرهم من مواليه، يسكنون الأطراف من بغداد . وكانت دار المسيب بن زهير الضبي صاحب الشرطة تقع قرب باب الكوفة، ودار أزهر بن زهير أخ المسيب، وكذلك تقع خلف قطيعة المسيب على الصراة، وكذلك دار عياش المنتوف ودار حميد، وأصحابه، وجماعة من آل قحطبة بن شبيب . وهناك منازل للموالي وأصحاب الشاة .

تحولات الجامع

أما المسجد الجامع فقد شيده المنصور بالقرب من قصر الذهب، وكان ملاصقاً للقصر من جهة الشمال الشرقي . وقد شيد باللبن والطين كما يقول الأركيولوجيون، وكان طول ضلعه 200 ذراع (100 متر) مثل جامع مدينة واسط . وكان تخطيطه يشبه تخطيط جامع واسط . وذكر الخطيب البغدادي (1/115) أن إنشاء الجامع في قلب المدينة، تم باللبن والطين، وجعلت لأروقته أساطين من الخشب، وكانت كل أسطوانة منها مكونة من قطعتين معقبتين بالعتبات والغراء وضبات الحديد . وقد بنيت في المسجد مقصورة ليصلي فيها المنصور، ومرت على المسجد الجامع أدوار عدة من حيث تطور عمرانه وتبدل أوضاعه . والدور الأول هو الدور الذي تم فيه إنشاء الجامع الأصلي عندما أنشئت مدينة المنصور المدورة .

ويذكر الخطيب البغدادي منارة جامع المنصور في المدينة المدورة/ مدينة السلام، بغداد فيقول: إن عبد الله بن دوست المحدث الفقيه المالكي المتوفى سنة 407ه/ 1016م، دفن في حذاء منارة جامع المدينة . وقد ثبت العالم (هوزفلد) موضعها في الزاوية الجنوبية بين جدران الجامع وجدار القصر من الخارج، أما (كريزويل) فلم يثبت موقع المنارة في مخططه . ويقول الباحثون العراقيون إن موقع المنارة كان في الركن المقابل لذلك الضلع نفسه . وهي كانت اقرب مكانٍ من باب الشام .

وأما الدور الثاني لجامع المنصور، فقد كان في عهد الرشيد الذي بناه بالآجر والجص سنة 192ه/807 م . وفي زمن المعتمد سنة 260ه/ 873م أضيف إلى الجامع ديوان المنصور المعروف بدار القطان .

وفي سنة 280ه/ 893م قرر الخليفة المعتضد اقتطاع مساحة أكبر من القصر وضمها إلى الجامع، وبذلك اصبح ما ألحق بالجامع من القصر مساوياً للمسجد العتيق من حيث المساحة .