القصيدة العربية بين عمودية الشعر وشعرية النثر عنوان الدورة السادسة لملتقى الشارقة للشعر العربي ويمكن القول إن الأوراق البحثية التي قدمت في الجلسات النقدية للملتقى دارت حول الموازنة بين الشعر العمودي بقواعده وآلياته الكلاسيكية وقصيدة النثر والتي أجمعت معظم الآراء على غياب الضوابط المنهجية المحددة والمنظمة لها لدرجة أن البعض تحدث عن شيخوختها وهي في ريعان الشباب، بل وطالب آخرون بتغيير المسمى نتيجة لتناقض شطريه بين كلمة القصيدة الدالة على الشعر وكلمة النثر المناقضة للفهم العربي التقليدي للشعر.
قليلة هي الآراء التي حاولت البحث عن طريق ثالث يتخذ من جمالية الإبداع هدفاً لتقييم الناقد لأي نص كان بغض النظر عن التزامه بقواعد ومعايير مسبقة ومعروفة سلفاً، والملاحظة الاساسية التي يمكن الخروج بها من أوراق الملتقى تتمثل في شبه غياب الناقد المؤيد لقصيدة النثر أو المدافع عنها، وإن وجد فهو يشير إلى ضعف مستوى قصائد النثر المنتجة حالياً في الوطن العربي أو يلمح إلى تخلي كبار الشعراء عنها والأسئلة التي يمكن أن يثيرها هذا التوجه عديدة وتحتاج إلى فتح ملف الشعر في الوطن العربي وطرح أسئلة من قبيل ماذا عن القصيدة العمودية؟ ومن يمثلها اليوم؟ وكيف يمكن تقييم المنتج الإبداعي لها؟، وهي اسئلة وغيرها كثير يمكن توجيهها أيضاً إلى قصيدة التفعيلة فضلاً عن طرح سؤال مركزي يتعلق بتوجهات الثقافة العربية خلال العقود الماضية فمتى سيتوقف العقل العربي عن رؤية العالم عبر ثنائية تضادية؟ تقوده إلى الاختيار الانشطاري بين الاشياء أو التوفيق التلفيقي بينها. وكلها آراء سنجدها بوضوح عبر استعراض أبرز الآراء التي طرحت في الدورة السادسة لملتقى الشارقة للشعر العربي.
في ورقته التي جاءت بعنوان البوادر الأولى للتمرد على البحور الخليلية يرصد د. محمد الديباجي بوادر ما أطلق عليه الحركة التمردية على أوزان الشعر وقوافيه في تراث الأدب العربي حيث أعجب شعراء صدر الإسلام وعصر بني أمية بالشعر الجاهلي الذي أخذوه عن أسلافهم إعجاباً شديداً ولكن تلك النظرة بدأت تضمحل مع نهاية القرن الأول للهجرة وذلك لأن الحياة العامة أخذت حظاً من التطور ولا سيما في الحواضر وفي مقدمتها دمشق، فقد نشأ فيها وترعرع جيل جديد هو جيل المولدين ونشر فيها أساليب من العيش وضروباً من الترف واللهو وانتشر الغناء انتشاراً واسعاً فبدأ الشعراء يحرصون على أن يطوعوا أشعارهم لمتطلبات اللحن ومقتضيات الغناء ويمثل هؤلاء الخليفة الشاعر الوليد بن يزيد والذي عمد إلى البحور القصيرة يجزئها ويشطرها حتى نفذ منها إلى المجتث ونظم عليه جملة من مقطوعاته.
واستمر التمرد وزادت وتيرته في العصر العباسي وظهر جيل من الشعراء التواقين إلى التجديد وأعلنوا تمردهم على القديم بما فيه بناء القصيدة الكلاسيكية وبحورها وقوافيها وفي مقدمتهم أبو نواس. واستطاع بعض شعراء العصر العباسي الخروج جملة وتفصيلاً عن الأوزان التقليدية ولعل أشهر من ذهب إلى ذلك وعرف به هو أبو العتاهية. وقد قال عنه ابن قتيبية كان لسرعته وسهولة الشهر عليه ربما قال شعراً موزوناً يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب. وقد اعترف أبو العتاهية بتمرده على البحور الخليلية حينما سأله ابنه: أتعرف العروض؟ فأجاب: أنا أكبر من العروض. وبخلاف تمردهم على الأوزان تمرد بعض الشعراء على نظام القافية فمنهم من حمله هاجس اللحن والغناء على أن يعقد في البيت الواحد عدة قواف بدل التقيد بقافية واحدة أي يجعل لكل تفعيلة رويا يطابق روى التفعيلة التي تأتي بعده بغية أن يكون لشعره وقع شديد في النفوس عندما يتغنى به المطربون.
وتواصل ورقة الديباجي تتبعها لمحاولات التمرد على البحور الخليلية حيث تعتبر الموشحات أكبر ثورة في تاريخ الأدب العربي على الأوزان الخليلية والقواعد العروضية وذلك لأن أصحابها كانوا شعراء أولاً ثم موشحين ثانياً، فإتقانهم البحور الخليلية مكنهم من التصرف فيها والخروج عليها، فهي بناء فني قائم على أساس متين، لذلك لقيت نجاحاً كبيراً لدى الأندلسيين والمغاربة ثم هي بعد ذلك درس كبير سطره الاندلسيون لمن بعدهم من شعراء الأمة العربية الراغبين في التطور والتجديد: فلن يكون هناك تجديد في الشعر العربي، بل لن يكون هناك شعر عربي على الاطلاق إلا اذا بني على أساس متين يتمثل في التمكن أولاً من البحور الخليلية والتمرس عليها زمناً غير قصير حتى تتربى في النفس الملكة الفنية وتتغذى الموهبة الشعرية. وبذلك يستمر الشعر العربي موصولاً بتراث الأمة.
تحولات عمود الشعر
والرؤية السابقة نفسها نجدها في ورقة د. رائد جميل عكاشة التي جاءت بعنوان التحول في عمود الشعر العربي: قراءة نقدية تحليلية وإن كان عكاشة يذهب إلى ان التطور والتجديد لم يشمل مستويات العمود الشعري كلها: اللغوية والبلاغية والدلالية والأسلوبية والصوتية والعروضية، بل أقتصر على جزء منها فإذا كان خروج أبي تمام على عمود الشعر قد تمثل في إسرافه في استخدام البديع إلى حد التصنع غير الفني، ومخالفته العرف التقليدي في استخدام الاستعارات، واتصاف بعض معانيه بالغموض حتى استعصت على الفهم، فإن هذا الخروج لم يشمل مستويات العمود الشعري كلها، بل هو تجديد في المستوى اللغوي وفي المستوى البلاغي والدلالي بتجديده لم يكن في ذات الشيء بل فهم ذلك الشيء، أي المضمون والقطع الفسيفسائية المشكلة له.
إن الحديث عن التجديد والتطوير لا يرتبط بالضرورة بالرقي والتجويد، فقد شهدت ساحاتنا العربية مظاهر تجريبية، انحرفت فكرياً وفنياً عن مقصدية الفن الشعري، فهناك محاولات أعلت من شأن النثر لأنه مرتبط بقيمة الحرية حيث اتهم الشعر العمودي بالجمود وعدم القدرة على التفاعل السريع مع قضايا المجتمع فهو شكل دون مضمون، ومن هنا جاءت بعض الاصوات تدعو إلى بعث النثر القائم على موسيقا الشعر تحت دعوى احتضار الشعر في زمن التقنية والسرعة فأنتج ما يسمى قصيدة النثر لتمثل قفزاً على عمود الشعر العربي رغبة في التحرر من قيديه: الوزن والقافية ورافقت هذا القفز طقوس اتصفت بالمبالغة والتضخيم الإعلامي وسيطرت لغة الرفض والتمرد على أدبيات منظري قصيدة النثر، فمظاهر التمرد جزء أصيل في تكوين دعاة الخروج على عمود الشعر العربي وهو يتخذ معالم متنوعة، فهو تمرد على التراث والذات، فأدونيس ويوسف الخال يبحثان عن ذاتيهما في حضارة المتوسط وقد يحدث تمرد على ركني الشعر العمودي: الوزن والقافية، فهذا ميخائيل نعيمة يرى عدم اهمية الوزن والقافية.
وتسعى قصيدة النثر إلى خلق شكل شعري يرى في النثر وسيلة تعبيرية تصدح إيقاعاً، إذ يعتمد هذا الإيقاع على المقاطع الصوتية، والتعبيرية والبلاغية بدلاً من القواعد الصارمة في الشعر العمودي، وهنا يغدو النثر شكلاً من أشكال التمرد، ويقبع الشعر في غياهب السكون، وقد يلجأ من يؤلف قصيدة النثر إلى الإيهام من خلال التنغيم والنبر خاصة اذا كان المتلقي مفتقداً للمرجعية العروضية التي تؤهله لتمييز الشعر عن غيره من الأنواع الأدبية، وقد يحدث الإيهام على مستوى كتابة القصيدة النثرية لتأخذ شكل الشعر المقطعي. إن الوعي بخصائص التقارب والتمايز بين الشعر والنثر ضرورة منهجية وقد أدرك الأقدمون ذلك، حيث بينوا أوجه التقارب بين الشعر والنثر في الاسلوب والإيقاع، فأحسن الكلام مارق لفظه ولطف معناه وتلألأ رونقه وكانت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم إلا أنهم رأوا أن الشعر مفارق للنثر في المصطلح وبعض الخصائص وإن ظهر النثر احياناً بمظهر التعبيرالشعري فقد يأخذ من الشعر شعريته لا معماره الفني والمقاربات النقدية التي تنفي الشعر عن قصيدة النثر تأتي انطلاقاً من مفهوم النوع الادبي المستند إلى بنية عروضية ثابتة، فإذا العروض، وحل مكانه نسق إيقاعي مختلف انتفى اعتبار الكلام شعراً.
ويرجع عكاشة الأزمة التي تعيشها قصيدة النثر إلى فوضى نعيشها في تحديد ماهية المصطلحات وضبط كينونتها بحيث غدت مصطلحات مائعة وضبابية فضلاً عن الاسقاطات الواضحة للشعرية الغربية على الشعرية العربية متجاوزين الخصائص الفنية والموضوعية لكل شعرية، وتمثل حركة التحرر الفكري والفني الغربي، بحيث لا نعي الظروف الفكرية والاجتماعية والسياسية التي جعلت الشعرية الغربية تنفك عن عمودها الشعري، كل هذا يجعلنا نتمسك بعمود الشعر العربي، بوصفه هوية، فالتساهل الشديد في التعامل مع قواعد الشعر سوف يؤدي إلى مزيد من التمزق، وفقدان الهوية في القصيدة العربية واختفاء البصمة الشعرية، وحتى لا تصل القصيدة العربية إلى نقطة المسخ التي لا نستطيع من خلالها التعرف إلى الجنس الادبي أو أن نحدد ماهية القصيدة العربية، لا بد من ضوابط موضوعية وفنية تكون أنموذجاً للقصيدة العربية ومقننا لعمليات التجريب المستمرة على القصيدة، خوفاً من نشوء قصيدة الكترونية يغيب فيها المبدع خلف ستار ما يسمى بالقصيدة التفاعلية.
وينطلق د. عبداللطيف عبدالحليم في ورقته المعنونة ب الرؤية النقدية وتحولات شكل القصيدة العربية، المعايير والاجتهادات من ضرورة تحديد المصطلحات ويلقي نظرة تاريخية على قيام القدماء بتلك الآلية المنهجية المهمة، فعندما اتسعت أوزان الشعر وخرجت الموشحة في الاندلس أدرك القدماء ان مثل هذا الكلام يقتضي مصطلحاً مغايراً فسموه موشحاً وانتشرت هذه الموشحات إلى الحد الذي دفع البعض الى القول: من لم يعرف مائة وزن للموشح فلا علم له به ثم جاء الزجل دون تسميته شعراً أو موشحاً وما لبث الناس ان عادوا الى القصيدة الخليلية بسماتها المعروفة لكن الرجة الهائلة كانت مع الشعر الحر الذي ارتكن الى التفعيلة، وأطلق على هذا اللون من الكلام تسميات عدة، وحارب اصحابه الوزن والقافية باعتبارهما من بقايا التقليد، وان التجديد هو ما جاءوا به.
لقد تماهى عمود الشعر بمقوماته مع القصيدة وقيد مفهومها بمصطلح الشعر العمودي وتحددت سمتها الفنية بوفائها بمعاييره الفنية، بتلك النتيجة يؤكد د. ماهر مهدي هلال في ورقته التي جاءت بعنوان الرؤية النقدية للشعر.. المعايير والاجتهادات على ضرورة ان يتعامل الناقد مع الجنس الأدبي وفق أصوله وقواعده المتعارف عليها وهو الامر الذي يفرض اهمية التمييز بين الشعر والنثر وهي الرؤية التي يستشعر منها القارئ رفض هلال لقصيدة النثر حيث يقول: كان أول اجتراء على القصيدة بالتحول من البحر الى التفعيلة فيما اصطلح عليه بالشعر الحر نتيجة للأثر والتأثر حيث تقول الشاعرة الرائدة نازك الملائكة انما اندفعت الى التجديد بتأثير معرفتي بالعروض العربي وقراءتي للشعر الانجليزي وسوغ لها ذلك اجتزاء البحر بالتفعيلة وما دامت التفعيلة من البحر فقد ابحر مركب الشعر الحر الى أفق مفتوح حتى عصفت بأشرعته الرياح فعادت الشاعرة تقول الحق ان الحركة بدأت تبتعد عن غايتها المفروضة منذ 1951 ومنذ وقت مبكر كان تقويمها لتجربة الشعر الحر بقولها اثبتت التجربة عبر السنين الطويلة ان الابتذال والعامية يكمنان خلف الاستهواء الظاهري في الاوزان ولا شك في ان الغاية التي ابتعد عنها الشعراء هي التمسك بالتفعيلة، فسرعان ما تحرر الشعر منها لتولد قصيدة اصطلح على تسميتها قصيدة النثر أو الشعر المنثور فكيف هو نثر؟ وكيف هي قصيدة؟ تجيب عن ذلك الشاعرة نازك ان هناك اليوم أناساً يكتبون النثر ويسمونه في جرأة عجيبة شعراً حتى فقدت كلمة شعر صراحتها ونصاعتها لأن لفظ شعر قد تبلبل واختلط وضاع وأوضح أمر قصيدة النثر واصولها الباحث احمد بزون بقوله إن الثقافة الاجنبية والترجمات شكلت عاملاً أساسياً اسهم في ولادة قصيدة النثر فبودلير يعتبر جد القصيدة ومؤسسها الأول وبعد فالرؤية النقدية التي اعنيها ترصد كل محاولة ابداعية لا لتشكك في قيمتها وانما لتصفها وفق الأصول المعرفية التي تهيئ للناقد ان ينزل الأجناس الأدبية منازلها.
إشكاليات قصيدة النثر
ويبرز د. وليد ابراهيم قصاب اشكاليات قصيدة النثر في ورقته المعنونة ب النثر من الشعرية الى الشعر فقصيدة النثر منذ ذيوعها واطلاق هذا المصطلح عليها تعاني من اشكاليات عدة تتمثل في تناقض المصطلح وادعاء الجدة وادعاء احتكار الشعرية وارتباطها بخطاب ايديولوجي واستسهال كتابتها وذاتيتها المفرطة، وبالنسبة لتناقض المصطلح يرى قصاب أن الكلام لا يمكن ان يكون شعراً ونثراً في وقت واحد معاً، ولذلك اقترحت لها مصطلحات كثيرة ذكرها عز الدين الناصرة في كتابه عن قصيدة النثر، كما رفض هذه التسمية عدد من أبرز كتابها ونقادها، فهذا محمد الماغوط يقول بصراحة انني كاتب قطع نثرية بسيطة سميت شاعراً، وشاعراً حديثاً على غرارهم، ومن دون ارادتي. وبخصوص ادعاء الجدة يورد قصاب مقولة شاكر لعيبي علينا القبول بمصطلح قصيدة النثر طالما لا يوجد له شبيه في ارثنا الشعبي، وطالما تعتبر الحداثة مفهوماً كونياً لا نخجل من استعارته من اوروبا وامريكا وهذا الذي روج له كثيرون غير صحيح أبداً، فهذا اللون من الكتابة النثرية عرف في ارثنا الأدبي منذ اقدم العصور: ابداعاً ونقداً سماه نقادنا القدماء القول الشعري وسماه بعضهم في العصر الحديث تسميات مختلفة.
وعن ادعاء احتكار قصيدة النثر للشعرية يواصل قصاب: فهي لا تقدم نفسها جنساً آخر من الكتابة بل تقدم نفسها على أنها خلاصة الشعر وذروة التطور الايقاعي الذي يستمد صورته العليا من الايقاع الداخلي، فهي لا تضع نفسها في حجمها الطبيعي بل في المرايا المحدبة كما يقول الدكتور عبدالعزيز حمودة في كتاب له بالعنوان نفسه. وترتبط قصيدة النثرة بخطاب ايديولوجي يقوم على مفهوم متطرف للحداثة اذا يجعلها انقطاعاً معرفياً عن التراث العربي الاسلامي، تمثله قصيدة النثر، التي غيرت مفهوم الشعر، ديوان العرب ومستودع حضارتهم تغيراً جذرياً واستبدلت به مفهوماً غربياً يمثل كذلك اقصى درجات التطرف في الحداثة الغربية ذاتها. بالاضافة الى استسهال كتابتها نقلة النماذج الجيدة فيها نتيجة لهذا التوجه بعد ان تحررت من جميع الضوابط التي تحد الشعر، يقول حسن طلب: المشكلة ان معظم الشعراء يستهلون كتابة قصيدة النثر ويغمرونها بنصوص باهتة لا علاقة لها بالشعر.
وبالنسبة لذاتيتها المفرطة يذهب قصاب الى أن قصيدة النثر انقطعت عن الحياة وغرقت في رؤية شخصية مغلقة فهي بعيدة عن الالتزام أو الاهتمام بقضايا الأمة. انها تنطلق من رؤية شكلية تفصل الشعر عن السياسة والتاريخ والمجتمع فهي نص بلا قضية يجرد الفن من الوظيفة والغاية وهي عودة الى فكرة الفن للفن من باب آخر هو الشكلانية، الأمر الذي دفع بالرموز لكي يتخلوا عنها ويعترفوا بعدم قدرتها على بلورة نظام خاص بها حيث تخلى أنسي الحاج عن كتابتها وتحول أدونيس إلى أشكال أخرى يراها أكثر جدوى، يقول في مجموعة التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار بدأت في محاولتي تجاوز قصيدة النثر الى كتابة نثر آخر، هذا النثر الآخر مزيج يتسع لاحتضان عناصر كثيرة من النصوص، ويقول في تقويم تجربتها ليس هناك حتى الآن شعر بالمعنى العميق خارج التفعيلة، الشعر العربي هو شعر مكتوب بالتفعيلة، هناك محاولات نثرية تنم عن موهبة حقيقية ولكن هذه المحاولات النثرية لم تخلق نظامها بعد. كنت أول من شجع قصيدة النثر وأول من كتب عنها لكن حتى الآن ما نسميه بقصيدة النثر لا تزال مضطربة وعائمة ولا هوية لها.
أن ما يسمى قصيدة النثر وفق قصاب هي بحسب التعريف الغربي قطعة كتابية نثرية ولكنها متميزة بعناصر توجد في الشعر، فهي اذن نثر ومن الخطأ تسميتها شعراً ونقترح لها المصطلح التراثي القول الشعر أو مصطلح النثيرة الذي اقترحه عدد من المعاصرين. وفي هذا الإطار علينا ان نميز ايضاً بين مصطلح الشعرية والشعر فالشعرية خاصية جمالية قد توجد في الشعر والنثر، بل قد توجد في صور واشياء غير كلامية كأن نصف وجهاً أو مكاناً أو جلسة أما الشعر فهو مصطلح يطلق عند العرب وعند كثيرين غيرهم على الكلام الموزون المقفى ولا يتذرع أحدهم ان هذه التقسيمات شاعت وان القضية حسمت، فالقضية لم تنتهِ بعد واغلب المعارضين لمصطلح قصيدة النثر يرفضونه بسبب تسمية النثر شعراً، فهذه تسمية خاطئة وتشكل اعتداء على حرمة الشعر العربي.
ويراجع د. محمد عبدالمطلب في ورقته المعنونة بتحولات الشعرية العربية قصيدة النثر في مرحلتها الأخيرة إذ الملاحظ ان بعض شعراء قصيدة النثر قد اوغل في مغامرته التجريبية ظنا منهم أن هذا الايغال سوف يعطيهم خصوصيتهم، لكن المؤسف ان الايغال تحول الى انفلات وهو ما يمكن ان يقود الى العشوائية وقد تبدت مظاهر ذلك في تمرد قصيدة النثر على نفسها وهذا التمرد كان ايذاناً بدخول هذه القصيدة مرحلة جديدة، وخطورة ذلك أن المرحلة الحاضرة لم تقدم كل عطائها بعد.
وما يمكن ملاحظته على قصيدة النثر مؤخراً اهتزاز المصطلح نفسه ووصلت العلاقة بين طرفيه الى عكس القضية، اذ تحول المصطلح من قصيدة النثر الى نثر القصيدة وبعد ان كانت العقيدة الابداعية لأصحابها انتاج لفن شعري مشبع بطاقة نثرية أصبحت الفكرة المهيمنة انتاج نص نثري مشبع بطاقة شعرية وقد داخلني هذا الاحساس خلال متابعتي لكم وافر من النصوص الأخيرة، اذ لاحظت ان المسار الابداعي لهذه القصيدة قد اوغل في النثرية، فمع غياب الموسيقا، اخذ الخيال في الانحسار وتبعهما المعنى، حيث استحال الى امكانية لغوية ذهنية تكاد تكون مغلقة على منتجها وحده، ودخلت القصيدة قالباً جامداً تكاد تكون نصاً واحداً، لا اختلاف إلا في منتجه، فكلها انشغلت باليومي الحياتي بكل تفصيلاته وكلها امتلأت باللحظة الآنية بكل محدوديتها وأصبحت كلها تعتمد المحاكاة وفي رأيي المحاكاة لا تنتج إبداعاً حقيقياً.
وبعدما كان السرد مجرد تقنية من تقنيات قصيدة النثر أصبحت له الأولوية وهنا يمكن القول إن النثرية أصبحت صاحبة السيادة، ولأن السرد لا يحسن التعامل إلا مع ثنائيات العلة والمعلول، والمقدمة والنتيجة أي بالتسلسل الذي يحكمه الزمن والعقل والمنطق هبطت قصيدة النثر الى مستوى النثر الخالص، وبرغم ذلك أعتقد أن الشعرية العربية هي شعرية التراكم المتطور أي ان كل مرحلة هي ابنة شرعية لما سبقها من مراحل ولا يمكن لمرحلة ان تنفي مرحلة أخرى وفي يقيني ان الشعرية العربية تعيش الآن اخصب مراحلها، فمازلنا نستقبل القصيدة العمودية، بل ان بعض ابداعاتها الأخيرة لامست الحداثة من أوسع ابوابها، ومازلنا نستقبل قصيدة التفعيلة في اوج نضجها، أما قصيدة النثر فقد استحوذت على كثير من منابر النثر في العالم العربي، وعلينا ان ندرك ان قصيدة النثر ليست نهاية المطاف، أما ما يأتي، فهو في علم الغيب، فالشعر ليس ظاهرة طبيعية يمكن التنبؤ بها، وإنما هو ظاهرة انسانية عصية على هذا التنبؤ.
رؤى مغايرة
الكتابة في الفضاء الثالث عنوان ورقة د. علي بن تميم والتي حاول فيها الخروج من ثنائية الشعر والنثر فموقف الشاعر من الشعرية تلك التي تسمى العمودية أو النثرية ليس موقفاً ذهنياً وفنياً وإنما موقف فرضه الواقع القائم فيما يمكن تسميته بالتهجين الثقافي، وفيه يبحث الشاعر عن منطقة الأعراف ليقف عليها، وهي منطقة تقتضي مزج كل شيء، الذات بالآخر والإيقاع بالنثر، والهوية بالتفكك والحضور بالغياب، ويمكن تخيل الشعرية المعاصرة بأنها تبحث عن الفضاء الثالث الذي ليس هو شعر أو نثر وبوجوده تنتفي القواعد ولم يعد ثمة من فائدة في وضع الحدود وخلق الثنائيات الضدية، فالنص الشعري في الفضاء الثالث رجراج ومائع ومتحرك في هويته، وذو طبيعة حوارية ومتحولة بما يجعل بنية المعنى والمرجع عملية متأرجحة ويحطم مرآة التمثيل التي تظهر فيها المعرفة الثقافية بشكل معتاد مثل الشيفرة المنسجمة والموحدة.
ويمكن إدراك السمات السابقة في العديد من النصوص المعاصرة حيث يقف الشاعر حائراً بين الشعر والنثر وينتهك هوية الإبداع ويتعمد أن يحيل لغته مستعملاً لغة الشعر ومنحازاً في الوقت نفسه إلى النثر يقول محمود دوريش:
فلتنتصر لغتي على الدهر العدو
على سلالاتي
عليَّ، على أبي، وعلى زوال لا يزول
وهذه لغتي ومعجزتي
عصا سحري
حدائق بابل ومسلتي، وهويتي الأولى
ومعدني الصقيل
تبدأ ورقة د. صالح هويدي المعنونة بمن الواحدية الدوغمائية الى التعددية الابداعية بالتأكيد على أن الاختلاف حول الشعر وضروبه إنما يرجع إلى باعثين رئيسيين: الباعث الذوقي الذي تربى عليه الناقد والباعث الايديولوجي وتذهب الورقة إلى أن هذا الاختلاف قد تجاوز حدوده المشروعة في ثقافتنا ليأخذ شكل تمذهب فكري وإنغلاق ايديولوجي بدلاً من أن يكون سبيلاً إلى تأمل الرأي الآخر والتحاور معه والاصغاء إلى طروحاته بهدف الإفادة منه. بل إن هذا الخلاف قد تعدى حدوده المقبولة إلى ممارسة ضروب من النفي والاقصاء والتخوين بحق الآخرين ليتحول الى طريقة من التفكير المنغلق الذي لا يقبل إلا بإقرار ما يعبر عن مزاجه الشعري وذائقته.
وترى الورقة أن هذه المعارك التي بدأت في تاريخنا المعاصر على نحو واضح منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان، وكان لها جذور بعيدة في تراثنا الشعري، لا ترسم صورة لائقة للعقل العربي ومقارباته المعرفية وأن الحل في أن يبقى لكل منا الحق في الميل إلى هذا اللون الشعري أو سواه، إذ المشهد يتسع لضروب من التنوع في أشكال الشعر والنثر وآلياته وبناه، من دون أن يجور طرف على آخر أو يلغيه، فهل ألغى ظهور قصيدة النثر قصيدة التفعيلة من الخارطة الشعرية العربية أو من نفوس متذوقيها؟ إن بقاء نمط شعري أو نوع أدبي من عدمه أمر لا تقرره أمزجتنا ومواقفنا الوجدانية بالقدر ما تقرره الظروف الموضوعية ومسيرة التاريخ وعوامل الصمود والنكوص.
وعلى الخطاب النقدي المعاصر أن يفسح المجال للتنوع الفني في التعبير عن الرؤى المختلفة لما ينبغي أن يكون عليه جوهر الشعرية، مع احتفاظ الاتجاهات النقدية المختلفة بحقها في الحكم والتقييم على ألا تكون معاييرنا في الحكم على شرعية تلك الاشكال وسيرورتها مستندة إلى البعد أو القرب من ثوابت النماذج البدئية، أو القرب والبعد عن ثقافة الآخر، ولا ريب في أن دعوة المبدعين العرب الى الاكتفاء ذاتياً وحرمانهم من التواصل واللقاء مع الفكر المغاير دعوة تقع خارج منطق الواقع وقوانين التاريخ.
وتخلص الورقة بعد استعراض نقاط حديثة شهدها تراثنا الشعري تفوق في انفتاحها ما نعيشه اليوم إلى التأكيد على أن التجديد والتحديث والمغايرة تمثل قوانين أساسية للشعر والفن وللابداع عامة وأن الشعر العربي ضرب من ضروب الفن التاريخية التي تتطلب طرائق قول جديدة تتبع ظهور المضامين الجديدة وتواكب تبدل الانساق الثقافية.
وتطرح ورقة د. محمد المحروقي المعنونة بمستقبل القصيدة العربية سؤال ما مستقبل الشعر الجديد؟ حيث تظهر مراجعة بعض المواقف النقدية بخصوص قصيدة النثر أن كثيراً من المعارضين لها يجهلونها ويعادونها بناء على توجهات ايديولوجية مسبقة ولكنهم لا يملكون الآلة أو الفكر الذي يمكنهم من سبر أغوار هذه التجربة معرفياً.
وهذه الاتهامات التي يغيب عنها التطلع نحو المستقبل تغيب عنها النظرة الجوهرية أيضاً فالقصيدة الجديدة انعكاس لحداثة عربية أصيلة، هي وإن استفادت من المنجز الغربي، فتتجه للدافعية الذاتية إنها وبشكل آخر تستفيد مما هو موجود للاجابة عن الاسئلة التي تتشكل من داخلها بقوة، إن البحث عن أصالتها، أو تلمس مستقبلها أو محاولة تقنينها هي جهود تتسم بالنية الحسنة، ولكن هذا ليس جوهر القضية، وإنما الجوهر هو ماهية هذا الابداء وبقاء القصيدة الجديدة التفعيلة والنثر ليس محل تشكيك وإنما يجري عليها ما يجري على الاجناس الادبية عامة من السنن، ولن تسقط القصيدة الجديدة لأنها نبت غريب في أرض طيبة، فقد نبت في تربتها، لقد بعثرت السنون نبوءة نازك الملائكة في التخلي عن قصيدة التفعيلة لمصلحة القصيدة العمودية، والسنون نفسها ستثبت بقاء قصيدة النثر.
صلات فنية
عمليات التحديث والتطوير والتجديد والمراجعة التي شهدتها القصيدة العربية في الماضي كانت تتم من خلال الشكل العمودي نفسه، أي من خلال الأوزان الخليلية وعلى أيدي كبار الشعراء. ومن هنا فإن كثيراً من رواد الحركة الشعرية الجديدة من أصحاب الشعر المرسل أو شعر التفعيلة غير مبتعدين عن الأصول الفنية لنظم الشعر العربي، وذلك لوجود صلة فنية واضحة بين أنواع شعرهم وبعض أنواع الشعرية العربية القديمة مثل المزدوجات، والشعر التعليمي، والمخمسات والموشحات وهذا ما أوضحته نازك الملائكة، إذ رأت أن شعر التفعيلة ظاهرة عروضية.
هوية الأمة
ما نجم بعد الشعر الحر فشيء يسمى قصيدة النثر فهو كلام يثبت اسمه تناقضه، وهو شيء لا يوجد في لغات الارض وحتى إن وجد فلا يمكن ان نستعيره للفن الشعري عندنا حيث لا ضابط ولا معايير وبقية الفنون الأخرى اذا لم يكن لها قواعد تستخرج منها حسب طبيعتها فهي عبث وسيكون الضياع الشعري والفني واللغوي هو الحتم اللازم لأمة لا تعرف الفن وما هو خارج عنه، والشعر العربي هو وجه هذه الامة الأول والحفاظ عليه حفاظ على بقاء هذه اللغة.
عالم الرؤيا
شهدت القصيدة الحداثية العربية اختفاء الأغراض الشعرية التقليدية، من فخر ومديح وهجاء ووعظ وغزل ورثاء وتطلبت المضامين الجديدة طرائق تعبير جديدة أيضاً، فالتحولات التراجيدية للواقع السياسي والاجتماعي والفكري المعاصر، وحالة التشظي التي تهيمن عليه، جعلت الشاعر يعيش أجواء القلق والاحباط ويسعى الى ولوج عالم الرؤيا وصولاً إلى حالة التشوف والكشف عن المجهول وعن أسرار الحياة الغامضة خلافاً لرسالته القديمة التي انحصرت في معظم أحوالها في تسجيل الوقائع والتعبير عنها، لقد أعلت المتغيرات الجديدة من بعض المعطيات على حساب معطيات أخرى، فأصبح لحاسة البصر أهمية تفوق السمع والذي استنزفته تجربة الايقاع المنتظم للقصيدة التراثية منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً.