أحمد راسم، 1895 - ،1958 شاعر وقاص مصري، من جذور تركية، يكتب بالفرنسية . ولد في الإسكندرية لعائلة أرستقراطية، مما أثر في اتجاهاته وآرائه . بعد انتهائه من دراسته الثانوية وتمكنه من اللغة الفرنسية التحق بمدرسة القانون الفرنسية في القاهرة عام 1914 . بعد تخرجه، عمل في وزارة الخارجية، وبذا انتقل إلى روما ومدريد وبراغ حتى عمل في العام 1938 محافظاً للسويس، وبها استضاف العديد من أدباء وفناني هذا العصر . حاز جائزة الأكاديمية الفرنسية جائزة كادفيل عام 1954 عن مجمل إنتاجه .
كتب عنه جورج حنين: كان أحمد راسم يدرك إدراكاً حاداً قوياً أن الظلام، بالدرجة الأولى، طاقة . وهو في حالته البرية يشع من جميع جوانبه إشعاع قطعة من البلور الصخري . عندما كان يسمع صخب الشارع، ويحاول متابعة كلام الناس الذين يجهلون كل قواعد النحو والصرف، منبوذي اللغة الحقيقيين، كان يتزود بالطاقة . وكان يحب أولئك العلماء الأميين الذين يستخدمون مفردات محتقرة . أولئك المبدعون للأمثال التي تمور فيها ذاكرة وسخرية شعب بأكمله .
ويرى جون موسكاتيللي، الشاعر المصري الإقامة الفرنسي الثقافة والجنسية: أنه شاعر الفرنسية المصري الوحيد الذي تحمل نصوصه إيقاع لغته الأصيلة ورموزها وقالبها الفكري، أما جاستون بيري فيراه: أكثر شعراء الفرنسية المصريين مصرية .
من نتاجه: كتاب نيسان (1927)، جدتي تقول ثانية . . . (1930)، زمبل تقول أيضاً #238; (1932)، لدى بائع المسك (حول ألف مثل عربي - 1934)، في الحدائق العتيقة (1942)، يوميات فنان فاشل (1954)، صفحات مختارة (الجزء الأول - 1954)، صفحات مختارة (الجزء الثاني - 1955) .
تحت الصفر
أتى من لا يعتقدون بالمعجزات إلى
براغ لرؤية أحمد
يمشي على مياه النهر .
في سماء من اللآلئ المسحوقة،
شمس كما الجرة،
تنزلق .
نظرت اليها
طويلا وأخذتني الشفقة
من إله المطر .
يشبه المنظر هذه الأقلام الفحمية التي محاها الزمن والتي نجدها أحيانا في صناديق الورق المقوى القديمة مع صور الآباء المتوفين .
طلاوة صوفية تزهر كل شيء وتحلم بالأصوات الصدئة لعجائز يتبرعن، تحت نشوة الزجاج الملون، بإلقاء تراتيل ناعمة وصافية للسيدة العذراء .
حلمت ببلدي، بالوجوه العزيزة، بمساجدنا البسيطة .
. . . وأحلم بالعيون التي ظلت كذكرى العواصف التي يستدعي وميضها اللانهاية .
شمس في البطن .
ألفى البرد المذهل .
نارها تنير أذني .
في الوقت الرمادي يركض البعض
ويعلق الليل على المصابيح،
حينما يأتون إلى براغ، إذا أرادوا
رؤية أحمد يعبر النهر
على قدميه .
من كتاب قصائد من تشيكوسلوفاكيا
تعويذة حزينة
أعرف صبية ذات عينين سوداوين ويدين ناعمتين، صغيرتين للغاية، صغيرتين للغاية .
أعرف صبياً يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية .
ذات يوم، قدم سيد عجوز من عائلة نبيلة الأصول لكي يكدر السعادة الرقيقة للصبي الجذاب الذي يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية .
ومع ذلك حلم الصبي، ذات ليلة، بأن ملاكاً جميلاً وصافياً أخذ روح السيد العجوز الذي قدم لكي يكدر السعادة الرقيقة للصبي الجذاب الذي يحب الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين واليدين الناعمتين، الصغيرتين للغاية، الصغيرتين للغاية .
واعتقد الصبي البائس أن العجوز مات، وأنه سيحصل من فوره على السعادة التي يستحقها: الصبية ذات العينين السوداوين الواسعتين التي تمتلك رابيتين ولها يدان ناعمتان، صغيرتان للغاية، صغيرتان للغاية .
بيد أن الحلم لم يكن سوى حلم وبكى الصبي كثيراً حالماً بالمحبوبة التي تمتلك عجوزاً ويدين ناعمتين، صغيرتين للغاية، صغيرتين للغاية . . .
حتى توفي ذات يوم .
حينما دندنت بهذه التعويذة إلى نيسان، قالت: لا أحب الكهول . أفضل الخبز، الملح وأنت، في بيت ريفي، عن كافة الأطعمة اللذيذة مع آخر .
وطبعت نيسان قبلة على عيني .
ثم قالت ثانية:
ولا أحب هذه القصور الكبيرة الفاخرة
وكانت نيسان تتكلم حقاً!
لكن
إذا رضت نيسان، ذات يوم، بأن تسكن قصراً كبيراً مع آخر،
فهذا لن يكون خطؤها . . .
نحن عاجزان عن إيجاد،
خلال هذا الوقت من الحياة الغالية،
الخبز، الملح
والبيت الريفي . . .
إذ إن الحلم ليس سوى حلم . . . ثم إنه القدر!
إذا عانى أحمد في بعض الأيام وهو يحلم بنيسان،
فهذا لأنه لم يزل يرتدي، مع مفاتيحه، خاتماً نقش عليه تاريخاً أثيراً .
على طاولته، ساعة توسم الساعات . . .
غير أنك تجهل جوهر حكايتهما،
لماذا تبكي وأنت تقرأ هذه التعويذة؟
قال أحمد أيضاً . . .
ليدك الناعمة البيضاء روح الدعاء . . .
هذه اليد الرقيقة الخفيفة،
أي أغنية محتشمة صغتها؟
من كتاب نيسان