تمتاز الأرض السورية بغناها التاريخي، وبمواقعها الأثرية، التي تعود إلى أزمنة تاريخية متعددة وتختفي في جوفها كنوز قل نظيرها، مروراً بالقلاع المتميزة والتي تشكل علامة فارقة في تاريخ المنطقة السورية، وربما لم يكتب عن القلاع السورية إلا سطور قليلة والمشاهدات الواقعية أقل ومنها قلعة المهالبة، حيث كان الناظر إليها يعتقد أنها غابة خالية من أي شيء، ترتفع فوق صخرة كبيرة (حوالي خمسة هكتارات) أما اليوم فقد تكشفت معالمها، ومن تلك الكتلة الصخرية المرتفعة التي بنيت القلعة فوقها، يمكن للزائر التمتع بمنظر البساتين والقرى الزراعية التي تحيط بها، وهي(القلعة، خريبات القلعة، عين جندل، ودباش).
تقع قلعة المهالبة على بعد حوالي أربعين كيلومتراً إلى الشرق من مدينة اللاذقية وهي قلعة أثرية في منطقة القرداحة من الجهة الشمالية حيث تقابل (جبل الأربعين) بنيت من قبل وجهاء محليين أو من قبل عشائر بني الأحمر الجبلية في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، فوق واحدة من قمم جبال الساحل السوري على ارتفاع (750) متراً عن سطح البحر وطول أعظمي(170)م ويقع المدخل من الجهة الجنوبية والذي مازال يسمى بالبرج القديم ومروراً بالمدخل وصولاً إلى الساحة الرئيسية، ونلاحظ أن معظم ما بقي من أثار لها طابع عربي يعود إلى العصر الأيوبي يحيط بالقلعة سور ضخم مبني من الحجر النحيت، وتشكل بعض أجزائه الصخرة الأم التي بنيت القلعة عليها، أما الأبراج، والتي تبلغ اثني عشر برجاً، فهي تتوزع حول القلعة، وتتركز في الجهة الشرقية الجنوبية من القلعة، هذه الأبراج مبنية على شكل أنصاف دوائر، تتوسطها فتحات طولانية صنعت للمراقبة ولرمي السهام والنبال، وفي القلعة مستودعات، وخزانات، وأقبية، ودهاليز، وساحات. وهي مبنية بهندسة معمارية متناهية الدقة والجمال، على طريقة الأقواس التي تحمل السقوف، أما الأبواب والمداخل فهي على شكل (حدوة الفرس) وتتوسط الأسطح فتحات مربعة مصممة لإيصال الضوء والمؤن، ولا تخلو القلعة من الساحات الواسعة لممارسة التدريبات العسكرية والأنشطة الرياضية. ويذكر التاريخ الحافل للقلعة أنها في عام (1031)م استولى عليها البيزنطيون ثم انتقلت إلى (قبيلة بني صليعة) قبل إكمالها واستولى عليها أمير إنطاكيا (نكتور) حيث أكمل بناءها ومن ثم احتلها الفرنجة عام(1118)م بقيادة الأمير(روجر) وحررها صلاح الدين الأيوبي) في عام (1188)م، ثم اتبعت إلى الملك (الظاهر غازي بن صلاح الدين) أمير حلب عام (1194)م، ثم صارت لأسرة (منكوس) عام(1260)م، ورممها في العصر المملوكي الملك (الظاهر بيبرس) عام(1269)م، ثم صارت للأمير (سنقر الأشقر) من العصر نفسه وكان حاكماً (لقلعة صلاح الدين) عام (1280)م، بعدها خضعت (للسلطان المملوكي قلاوون) عام(1285)م، وخلال القرن (13) ومنتصف القرن (15) للميلاد أصبحت تابعة لولاية (طرابلس)، ثم هُجرت وخلت من السكان حيث بقيت كذلك حتى القرن الخامس عشر، إذ لا يذكر الكثير عنها بعد ذلك. وقد ورد تعريفها في معجم البلدان(لياقوت الحموي): أنها حصن منيع على سواحل الشام مقابل اللاذقية من أعمال حلب كما أطلق عليها الجغرافيون والمؤرخون العرب اسم (حصن بلاطنس) أما اسمها الحالي فلا يعرف الى أي فترة يعود، كانت تربط هذه القلعة علاقات قوية مع قلاع الساحل السوري كقلعة (صلاح الدين) التي تقع على بعد(15)كيلو متراً شمالها، ومع (قلعة المرقب) التي تقع جنوبها.
من هنا فقد لعبت دوراً مهماً بحكم موقعها المتوسط، الذي يتحكم بالممرات والمسالك الحيوية التي تصل الساحل السوري (بسهل الغاب)، حيث كانت عملية التبادل التجاري قائمة بينهما منذ أقدم العصور، من هنا فإن الدور الرقابي والعسكري الكبير للقلعة خلق نزاعات كبيرة على ملكيتها للاحتفاظ بها. لحقت بالقلعة أضرار كبيرة نتيجة استخدامها مقلعاً للحجارة من قبل السكان المحليين الذين يقطنون حول القلعة، فبنوا منازلهم من حجارتها، ويضاف إلى ذلك هجر القلعة لمئات من السنين، ما أدى إلى تخريب معظم أجزائها، إلا أن الطابق الأرضي حافظ على شكله الأول، حيث تتوزع فيه المستودعات، وخزانات المياه، والممرات والسراديب والدهاليز. وقد تنبهت المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى أهميتها التاريخية فَسُجلَتْ في عام (1992)م موقعاً أثرياً، وبدأت بعض أعمال الترميم الموسمية فيها بدءاً من العام (2001)م من قبل المديرية العامة (دائرة آثار اللاذقية) باستخدام الأدوات اليدوية، والملاطات التقليدية بما ينسجم مع بيئة القلعة والمشهد التراثي، وقد أنجزت هذه الأعمال التي استهدفت إظهار القلعة كاملة بعد تنظيفها من الأحراش والنباتات المتسلقة على الأسوار والمباني، حيث ظهرت القلعة من جديد بكامل نسيجها المعماري بأبراجها، وأسوارها، ومبانيها الرئيسية، وتعتبر القلعة كبناء، وموقع، واتساع، في المرتبة الثانية بين قلاع اللاذقية بعد (قلعة صلاح الدين).