القاهرة - جميل كراس:
تطل قلعة صلاح الدين الأيوبي على القاهرة من فوق جبل المقطم، مثل كائن أسطوري عملاق، يروي للزائرين قصصاً مجيدة عن بطولات وملاحم، عاشتها مصر خلال القرن السابع عشر، وما شهدته البلاد خلال فترة حكم الملك الكامل من مؤامرات ومكائد .
ويطلق خبراء الآثار على ذلك المبنى التاريخي المنيف اسم "قلعة الجبل" نسبة إلى جبل المقطم، وقد بنيت تلك القلعة المنيفة على مرحلتين، قبل أن يسكنها الملك الكامل ويتخذ منها داراً للملك، وقد استمرت القلعة تؤدي هذا الدور، حتى عهد محمد علي، وهو العصر الذي شهدت خلاله القلعة عدداً من الأحداث الجسام، ربما كانت من أشهرها مذبحة المماليك المعروفة، عندما تخلص محمد علي من خصومه السياسيين، لينفرد بحكم مصر .
وتروي كتب الأثر أن صلاح الدين أمر عند بناء القلعة بهدم بعض الأهرام الصغيرة بالجيزة، واستخدم أحجارها في بناء القلعة وسور القاهرة القديم، وتقول هذه الكتب: إن صلاح الدين استخدم الأسرى من قوات الفرنجة لتشييد القلعة، قبل أن يتم بناؤها الملك الكامل سنة 614 هجرية .
يبدأ الزائر رحلته إلى القلعة من الضلع الغربي، انطلاقاً من الباب المدرج فوقه كتابة تشير إلى تاريخ البناء، ونصها كالتالي: "بسم الله الرحمن الرحيم . . أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة، المجاورة لمحروسة القاهرة، التي جمعت نفعاً وتحسيناً وسعة على من التجأ إلى ظل مملكة، مولانا الملك الناصر صلاح الدين والدنيا، المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين في نظر أخيه وولي عهده، الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد خليل أمير المؤمنين، على يد أمير مملكته ومعين دولته، قراقوش ابن عبد الله الملكي الناصري في سنة تسع وسبعين وخمسمئة .
وتعد بئر القلعة إحدى أبرز المزارات فيها، وهي البئر التي أنشئت خصيصا لسقيا جنود الجيش وسكان القلعة، إذ منع عنها الماء عند حصارها، وهي أعجب ما تم من أعمال لأن البئر محفورة في الصخر بعمق 90 متراً عن مستوى أرض القلعة، وقد كان ذلك يتطلب جهداً كبيراً في ذلك الوقت .
وتعتبر قلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة من أفخم القلاع الحربية التي شيدت في العصور الوسطى، وهي تتميز بموقعها الاستراتيجي، وبما يوفره هذا الموقع من أهمية دفاعية، لأنه يسيطر على مدينتي القاهرة والفسطاط، كما أنه بهذا الموقع يمكن توفير الاتصال بين القلعة والمدينة في حالة الحصار، كما أنها تعد المعقل الأخير للاعتصام بها في حالة إذا ما سقطت المدينة بيد الأعداء .
شهدت قلعة صلاح الدين الشامخة الكثير من الأحداث التاريخية، خلال العصور الأيوبية والمملوكية وإبان الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 ميلادية، حتى تولى محمد علي باشا حكم مصر، حيث أعاد لها ازدهارها وعظمتها، وكان السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أول من فكر تشييد القلعة على ربوة "الصوة" في عام 572 هجرية، حيث قام وزيره بهاء الدين قراقوش الأسدي بهدم المساجد والقبور التي كانت موجودة على الصوة، ليقوم ببناء القلعة مكانها، حيث قام العمال بنحت الصخور وعمل خندق اصطناعي، استطاع به أن يفصل جبل المقطم عن "الصوة"، زيادة في قوتها ومنعتها .
وتضم القلعة عدداً من الأبواب، من أهمها باب المقطم، وقد عرف هذا الباب بهذا الاسم لكونه يجاور برج المقطم الذي يرجع تاريخه إلى العصر العثماني، كما عرف هذا الباب باسم الجبل لأشرافه على باب جبل المقطم، وهو يعرف حاليا باسم "بوابة صلاح سالم"، وقد سد هذا الباب في فترة من الفترات، وكان عبارة عن فتحة مستطيلة نفذت في حائط سميك جدا في اتجاه الجنوب من برج المقطم، وقد أضيف لهذا الباب سور ذو شرفات يرجع إلى عصر محمد يكن باشا، الذي بني في هذا المكان الخالي في ذلك الوقت قصراً، وكانت توجد على هذا الباب لوحة تذكارية تحمل نصاً باللغة التركية باسم "يكن باشا" .
عندما تولى محمد علي باشا الحكم قام بإحداث طفرة في القلعة، فعمل على تجديدها، وتمهيد طريق من باب الجبل إليها، وكان طول هذا الطريق 650 متراً، أما حاليا فقد تم شق هذا الطريق وقطعه بطريق صلاح سالم وطريق سكة حديد مصر حلوان والأوتوستراد . ضاعت معالم هذا الباب وتم هدم جزء كبير من السور والشرفات التي كانت تعلوه، كما تم هدم جزء كبير من السلالم التي كانت تصل إلى أعلى السور الشمالي، وبرج المقطم عند شق طريق صلاح سالم في العام 1955 ميلادية، وفتح الباب الحالي الذي يدخل منه الزائر للقلعة، من جهة صلاح سالم وهو الباب المجاور للباب الذي قام ببنائه محمد يكن باشا، وقد قام المجلس الأعلى للآثار بإعادة فتح هذا الباب ليتناسب مع مكانته التاريخية والحضارية .
ويعد الباب الجديد من أشهر أبواب القلعة، وقد بدأ محمد علي باشا في بناء هذا الباب سنة 1242هجرية، ليستخدم بدلا من الباب المدرج، وهو الباب العمومي للقلعة الذي أقامه الناصر صلاح الدين الأيوبي، وبعد أن رأى محمد علي باشا أن كلاً من الباب المدرج وباب الانكشارية لا يصلح لمرور العربات والمدافع ذات العجل، فبنى بدلا منها الباب الجديد ومهد له طريقاً منحدرة لتسهيل الصعود إلى القلعة والنزول منها، وهذا الطريق يعرف اليوم باسم شارع الباب الجديد أو سكة المحجر . وللباب الجديد واجهتان رئيسيتان الأولى، وهي الشمالية تطل على شارع الباب الجديد وسكة المحجر، ويقع في الناحية الغربية منها دار المحفوظات القديمة (دفتر خانة القلعة) وباب الانكشارية، وتحتوي الواجهة على عدة تفاصيل معمارية مميزة تتوسطها كتلة المدخل التي تعلوها لوحة تذكارية، كتب بداخلها بالخط الرقعة البارز على أرضية من فروع نباتية "يا مفتح الأبواب" .
أما الباب الوسطاني فقد اختلف في تسميته، ففي حين ذكر "كازانوفا" في كتابه الصادر عام 1894ميلادية عن قلعة القاهرة أو الجبل، أنه سمى بالوسطاني نظرا لكونه يتوسط الديوانيين الكبيرين بالحوش السلطاني، وهما ديوان قايتباي وديوان الغوري، وذكر بعض الباحثين أنه عرف بالوسطاني لأنه كان يفصل ما بين دهليز القلعة العمومي البحري (الباب الجديد) والحوش الذي يقع منه جامع الناصر محمد بن قلاوون وجامع محمد علي باشا .
وتضم القلعة عدداً من الآثار، منها دار الضرب وسراي العدل وقصر الجوهرة وجامع محمد علي باشا، وجامع الناصر محمد بن قلاوون وبئر يوسف ومتحف الشرطة وقصر الحرم والمتحف الحربي، ومدرسة القلعة الحربية وثكنات الجيش المصري ومسجد سليمان باشا الخادم وسارية الجبل، وجامع أحمد عزبان والعزب وباب العزب ودار صناعة القلعة وورش باب العزب، وتتميز القلعة بالأبراج منها برج المقطم، وبرج الصفة، والعلوة، وبرج كركيلان، والطرفة، وبرج المطار، وبرج المبلط، وبرج الإمام أو القرافة، وبرج الرملة .