ما زالت شامخة في قلب الصحراء على مسافة ليست ببعيدة عن الربع الخالي، ولأكثر من 200 عام، تراها تفتح للزائرين ذراعيها مرحبة بهم في واحات يدهشك جمالها، قلعة مزيرعة واحة تعانق الطبيعة الخضراء من حولها الكثبان الذهبية، تحفز زائرها ليتحدث عن شموخ وعظمة هذا المكان، بنيت القلعة من الطين بارتفاع 6 أمتار وعلى إحدى الهضاب المرتفعة في المنطقة .
قلعة "مزيرعة"، إحدى قلاع مدينة ليوا الواقعة في المنطقة الغربية وعلى مسافة نحو 230 كم عن جزيرة أبوظبي ، وهي قلعة مربعة الشكل لها مدخل واحد من جهة الغرب، ومن أعلى المدخل تشاهد أنصاف العقود ذات الزخارف المسننة، كما نشاهد دكة الجلوس التي تلف جدران المدخل من داخله وخارجه .
صممت القلعة بأسلوب معماري مميز ، ففي عتبة المدخل ثمة فتحة مائلة إلى الخارج لتساعد على خروج مياه الأمطار من داخل القلعة، وقد زينت واجهة الباب والأجزاء العلوية من القلعة بأعداد من الفتحات الهندسية التي كانت تستخدم كمراكز مراقبة لحركة الأعداء، وكمزاغل وسقاطات لرمي السهام والرماح على أي هجوم قد تتعرض له القلعة، وتوجد في نهاية جدران المدخل من أعلى مع نهاية جدران القلعة شرفات مسننة أو متاريس كان يستخدمها المحارب كستار واقٍ له من الأعداء، وفي الوقت نفسه لإطلاق الذخائر على المهاجمين .
قلب القلعة
يقول حسن سهيل المزروعي من بلدية المنطقة الغربية "عندما تقترب من باب القلعة المصنوع من الخشب والمزين بزخارف هندسية تعلوه مسامير ذات رؤوس كبيرة، وتتجاوزه تجد نفسك في ممر طويل مغطى بسقف مكون من جذوع النخيل والجريد وسعف النخيل وعلى يسار الداخل فتحة باب تصل بك إلى غرفة الحراسة المظلمة والتي عن طريقها يمكن الوصول إلى الطابق الأرضي لأحد الأبراج عبر فتحة مرتفعة في نهاية الغرفة" . يتابع المزروعي: "يمكنك مشاهدة الأبراج من الداخل بشكل كامل، ويتكون الواحد من ثلاثة طوابق، ولكي تصعد البرج عليك بسلم خشبي يؤدي بك إلى فتحة صغيرة في أعلى البرج، ومنها تنتقل إلى طوابق البرج الأخرى" .
تاريخ القلعة
محمد بن متعب بن غانم المحيربي يتحدث عن تاريخ القلعة فيقول: "لقد بحثنا في تاريخ هذه القلعة التي يعود عمرها لأكثر من 200 عام، ومن خلال القصص المتوارثه عنها، أمرنا الشيخ زايد، رحمه الله، خلال زيارته لمحضر مزيرعة بترميم هذه القلعة والحفاظ عليها، والبحث والتأكد من تاريخ القلعة ومن بناها، وترجع الروايات أن القلعة بنيت من قبل قبيلة القبيسات، ومنذ أكثر من مئتي سنة وكبار السن يتوارثون خبر وجود القلعة، وهي أقدم من هذا التاريخ بكثير" . ويشير المحيربي، إلى أن معظم القلاع والحصون في ليوا بنيت لحماية المزارع والمحاضر المنتشرة في المنطقة، فكل قبيلة بنت حصناً في محضرها لتحمي نفسها من الغزوات والحروب، وقد شهد هذا الموضع الكثير من المواجهات بين أهل المنطقة والغزاة .
من جانبه، يقول طارش بن عتيق بن هارون القبيسي من أعيان ليوا: "إن قلعة بلدة مزيرعة هي من أهم الحصون والقلاع في المنطقة الغربية، وتتكون من ثلاثة طوابق، وتقع على بعد كيلومتر من الطريق الرئيسي باتجاه الشرق، بنيت من الطين بارتفاع 6 أمتار، وتعتبر مزيرعة مقراً لحكم شيوخ آل نهيان، وقد ترعرع فيها المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس نهضة الإمارات، وبفضل توجيهاته تحولت من واحات وتجمعات صغيرة إلى مدن ممتدة الأطراف مأهولة بالسكان والخدمات المتطورة والغابات الخضراء والمزارع، إلى جانب الاهتمام بالمواقع التراثية فيها" .
تصميم لافت
ويشير القبيسي إلى أن الواقف في ساحة القلعة يشاهد على يمين المدخل غرفة في وسط جدرانها فتحات استخدمت لحفظ الأشياء، وفي قلب الساحة هناك أبواب غرف الطابق الأرضي، وأحد هذه الغرف عبارة عن مجلس له ثلاثة أبواب تعلوها عقود نصف دائرية، وتوجد فتحات للنوافذ في الغرف تطل على صحن القلعة وزينت هذه الفتحات بمشابك هندسية مفرغة ، وعندما تريد ان تذهب إلى الطابق العلوي من القلعة فإنك تصعد الدرج الذي يوجد بالقرب من المدخل الرئيسي لها على يمين الداخل حيث يصل بك إلى سطح القلعة . ويوجد في الطابق العلوي من البرج متاريس ومزاريب تساعد على خروج مياه الأمطار من على سطح البرج، وعند النظر إلى سطح القلعة نرى الجدران على السطح بارتفاع يصل إلى140 سم، وهي عبارة عن ستارة أو دورة من الأعمدة مزينة بزخارف معمارية عملت من أجل صد هجوم الأعداء، أما الزخارف فهي عبارة عن متاريس وفتحات دائرية وأخرى مثلثة الشكل .
وتعد قلعة مزيرعة من القلاع ذات الاستحكام الحربي، التي صممت بإبداع للمراقبة والدفاع ضد أي اعتداء خارجي قد تتعرض له، وعمارتها عبارة عن سور وأبراج ومزاغل ومراقب ومتاريس، وقد استخدمت الغرف لسكن الجند، وجزء منها لتخزين الطعام والعدد الحربية، حيث تطل على مسافات طويلة من الصحراء .