في أكثر من آية من القرآن الكريم يؤكد الله تعالى أن الروح هي نفخ من روح الله: وقد ذكر ذلك عن نفخ الروح في جسد آدم بعد إتمام خلقه فيقول تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (ص: 72)، ويقول عن الجنين حين تدب في جسده الروح ثم سواه ونفخ فيه من روحه (السجدة: 9). فالروح في الإنسان هي نفخ من روح الله وطبيعتها من طبيعة الله.. فهي لا ترى بالعين البشرية. فالله تعالى يقول عن نفسه: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (الأنعام: 103).

قال تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني (الأعراف: 143) والله تعالى يحفظ الروح داخل الجسد فلا تفارقه إلا بأمره وفي الموعد المحدد وفي ذلك يقول تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ (الطارق: 4).

ومن الآيات التي حيرت المفسرين: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع (الأنعام: 98).

والغالب كما ذكر المفسرون أن المستقر هنا جسم الإنسان الذي تستقر فيه الروح في الحياة الدنيا منذ أن تدخل في جسم الجنين وحتى وفاة الإنسان، أما المستودع فهو حياة البرزخ التي تنتقل إليها الأرواح كلها إلى أن يأتي يوم البعث فتبقى فيها الروح وديعة مع غيرها إلى أن تقوم الساعة.

ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الروح أمهل السائل حتى يأتيه الوحي فإذا بالقرآن يجيب: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً (الإسراء: 85).

ومعنى ذلك أن الروح أمر يصعب على البشر أن يفهموه لأنه أكبر من علمهم وعقولهم ومهما أوتي الإنسان من العلم فلن يفهم حقيقة الروح، وهذا هو السر في هذا الرد المقتضب حتى لا يقع الناس في البلبلة والظنون وينشغلوا عن الدعوة الجديدة بأمور فلسفية.

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الرد معناه نهي المسلمين عن دراسة هذه القضية، بينما ذهبت الأكثرية إلى أن الآية لم تنص على القول: قل الروح من علم ربي بل نصت: من أمر ربي والفارق بينهما كبير وواضح ومن هنا فلم يتوقف علماء المسلمين عن الكتابة والدراسة في هذا الموضوع ومن ذلك كتاب الروح لابن سينا وكتاب الروح لابن القيم وعشرات الكتب على مر العصور.

وقد صور كل من الإمامين الغزالي (ت505 ه)، والقشيري (ت465ه)، الروح بصفة اللطافة، ومثلوا لها بأعيان لطيفة، وأنها محل للعلوم، والإدراكات. ووجه لطافتها ناتج عن كونها مفارقة لعالم الحس، وشبيهة بعالم المخلوقات اللطيفة كالملائكة من حيث المغايرة لعالم المادة، وهذا ما جعلها تتميز بصفاء المواصلات الإدراكية المتعلقة بنوع عالمها.

معاني الروح

وذكر لفظ الروح في القرآن الكريم على أوجه عديدة تكثر بها معانيه حسب السياق القرآني منها: الروح بمعنى النفس: ووردت في موضعين من القرآن الكريم فقد قال تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم، وقال عز وجل: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها.

فالروح والنفس واحد، وهي التي يعيش بها الإنسان، وتحصل بها الحياة، والحركة، والإرادة.

وبذلك تكون الروح، أو النفس الإنسانية هي تلك اللطيفة العالمة، المدركة من الإنسان، وهو المعنى الذي نلمسه من خلال معاينة الحياة الجسدية التي تعكس ملازمة النفس للجسم، واستعمالها إياه بخلاف معنى الموت الذي هو مفارقة النفس أو الروح للبدن.

والروح بهذا المعنى جوهر لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وأهل السنة يجعلون الروح اسما للنفس (ولهذا وصفت الروح بالأمارة بالسوء مرة، وبالمطمئنة مرة أخرى)، فالروح والنفس واحد، ومعناه ما تكون به الحياة.

فالروح تعبر عن القوة التي هي مصدر الحياة، والتي بزوالها عن البدن تتوقف الحياة تماماً، وهي بالتالي تدل على معاني الحركة، والتعقل، والتدبير، والإرادة، وكل ما تقوم به الحياة.

وجاءت الروح بمعنى الرحمة نحو قوله تعالى: وأيدهم بروح منه، أي أعانهم برحمة منه، وقواهم برحمة منه وأضاف الإمام القرطبي لمعنى التأييد بالروح أقوال أخرى منها: النصر، والهدى، والإيمان، والبرهان.

وتأتي الروح بمعنى الوحي: في قوله عز وجل: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، وجاء في تفسير الآية أن الروح هنا هي الوحي، كما في قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، وقد يكون الوحي هنا أيضاً بمعنى الرسالة، والنبوة، وكلام الله، والقرآن.

وهذه الآية في سورة الشورى حلّت الاختلاف بين المفسرين حول آية سورة الإسراء يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي لأن بعض المفسرين فسروا الروح هنا على أنها القرآن ولكنها في الحقيقة هي قوام الحياة.

فالروح التي هي من أمر الله إما أن تكون الوحي يُلقي الروح من أمره وإما أن تكون القرآن أوحينا إليك روحاً من أمرنا.

وسُمّي الوحي روحاً وسُمي القرآن روحاً لأنهما يجعلان للمسلم أو المتّبع عامة حياة جديدة مصداقاً لقوله تعالى استجيبوا للرسول إذا دعاكم لما يحييكم بمعنى يحييكم بالقرآن وكذلك في قوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك والضمير (به) يعود على القرآن. وفخر لكل عربي أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فيجب علينا أن نتلقى منه الروح التي تنقلنا إلى حياة جديدة. وللمسلم حياتان الحياة الأولى بالروح التي هي قوام الحياة والثانية بالقرآن ومن عظمة القرآن أن الوحي كلّه سُمّي روحاً والقرآن وحده سُمّي روحاً. أما الروح التي هي قوام الحياة فهي سر من عند الله تعالى وهي كما أسلفنا الروح الوحيدة التي نُسبت إلى الله تعالى في القرآن الكريم.

وسمي القرآن روحا (لأنه حياة من موت الكفر فصار بحياته للناس كالروح التي يحيا بها جسد الإنسان)، وذلك لكون القرآن يمثل السبب (للحياة الأخروية الموصوفة) في قوله عز وجل: وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.

العلم الحديث

وجاء العلم الحديث ليؤكد بعض القضايا ذكرت في القرآن عن الروح ومنها أننا لا نرى الأرواح ولا نسمع صوتها لا لأنها غير موجودة ولكن لقصور في العين البشرية والأذن البشرية عن إدراكها والقرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة فيذكر أن هناك أشياء كثيرة حولنا لا نراها بأعيننا فيقول تعالى: فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون (الحاقة: 38 39).

ومن الإعجاز القرآني: أن الله تعالى يقسم قسماً بالأشياء التي لا نبصرها بأعيننا حيث قدر العلم الحديث أن نسبة ما تبصره العين البشرية إلى ما لا تبصره هو 1: 10 ملايين وهذه نسبة مهولة ما كان أحد يتصورها أو يعقلها وقت نزول القرآن وهذا هو مغزى القسم العظيم، فالله تعالى خلق للإنسان العينين والأذنين بحيث لا تريان ولا تسمعان الأرواح، حتى لا يصاب الإنسان بالهلع من رؤيتها أو سماعها وهذا أمر بديهي ورحمة من الله تعالى بالبشر الأحياء، فطالما كانت الصلة المادية بين الإنسان والأرواح منقطعة ولا يمكن لمسها أو التحدث معها في الظروف العادية.. فلا شك أننا نصاب بالفزع إذا رأيناها أو سمعناها من دون أن نستطيع لمسها.

والقرآن الكريم يؤكد على هذه الحقيقة حتى مع الأنبياء: فقد فزع سيدنا إبراهيم حين زارته الملائكة.. فمد إليهم يده بالطعام ولكنه لم يجد لهم جسداً يمكن أن يلمسه ففزع منهم وفي ذلك يقول تعالى: فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة (هود: 70). وتفسير ذلك: أن الملائكة كالأرواح ليس لها جسد يمكن لمسه باليد. والشيء نفسه حدث مع سيدنا لوط عندما زارته الملائكة في بيته ففزع منهم ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً (هود: 77).

أبحاث معاصرة

في بدايات القرن العشرين حاول الطبيب الأمريكي دنكن ماكدوغل Duncan MacDougall قياس وزن الروح وذلك بقياسه وزن شخص قبل وبعد الموت واستنتج أن روح الإنسان تبلغ من الوزن 21 جراماً ولكن محاولاته وصفت بأنها عديمة المعنى وغير علمية.

وفي الخمسينات كتب الفيزيائي فرانسيس كريك (1916 2004) الذي كان عضوا في الفريق العلمي الذي اكتشف الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين بأن دراسة الدماغ كفيلة باكتشاف مصدر اعتقاد الإنسان بوجود الروح، وتلاه عالم الحشرات والبيئة الأمريكي إدوارد ولسن قائلاً: إن الجهد في دراسة الروح يجب أن ينصب على دراسة المورثات التي تجعل الإنسان مؤمنا بفكرة الروح. (عن ويكيبيديا، الموسوعة العلمية الحرة).

وهناك إجماع على أن المنطقة الجانبية من الدماغ والمسماة الفص الصدغي من المحتمل جداً أن تكون مسؤولة عن تنظيم الجانب الروحي في حياة الإنسان وقد تم التوصل إلى هذا الاستنتاج عن طريق الأشخاص الذين يعانون صرع المنطقة الصدغية من الدماغ، حيث ولأسباب غير معروفة يزداد النشاط الكهربائي لهذه المنطقة بمعزل عن بقية الدماغ وهذا يؤدي إلى ظهور أعراض وعلامات من أهمها أفكار دينية وروحية معقدة وأفكار ميتافيزيقية والتعلق بفكرة دينية معينة إلى حد الهوس.

هذه الملاحظة البدائية حدت بالعلماء إلى إجراء تجارب تتركز على قياس نشاط هذا القسم من الدماغ في أشخاص متدينين غير مصابين بالصرع ومقارنته بأشخاص ملحدين وتم التوصل في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو الواقعة في ولاية كاليفورنيا عام 1997 إلى ملاحظة أن النشاط الكهربائي الدماغي في الفص الصدغي هو أعلى في المؤمن مقارنة بالملحد.