في الثالث عشر من مارس/ آذار 2007 كانت الساعة تشير إلى العاشرة وخمس دقائق صباحاً في العاصمة الإسبانية مدريد، وكانت سماء المنطقة زرقاً صافية لا يعكر صفوها أي نوع من الغيوم. وفجأة ومن دون سابق إنذار سقط فوق سطح أحد المصانع الواقعة في مدينة ميغوراوا التي تبعد 18 كيلومتراً عن العاصمة الإسبانية مدريد كتلة أحدثت دوياً يشبه دوي الرعد القاصف أو أحد الانفجارات الهائلة على حد وصف مدير المصنع.
على وجه السرعة توجه الناس والعمال نحو المصنع المقصوف مذعورين من هول ما سمعوه. وتبين أن الرجل الذي كان في المصنع وقت وقوع الحادث لم يصب بأذى لكن الكتلة الساقطة أحدثت حفرة في السطح يبلغ عمقها 95 سم. والغريب أن الجسم الساقط لم يستقر في مكان سقوطه بل ارتد ليسقط في مكان أبعد علماً أن كتلته بلغت 20 كيلوجراماً تقريباً.
وتوجه إلى مكان الحادث عدد من رجال الشرطة الإسبانية يرافقهم فريق من الباحثين، وعندما عاين هؤلاء الجسم الساقط وجدوه حبة برد عملاقة لم يشاهد مثلها من قبل. ولكن كيف يمكن للبرد أن يسقط من السماء وهي زرقاء لا غيم فيها؟
لكن الباحثين يقولون إنها ليست المرة الأولى التي يقع فيها مثل هذا الحدث، فقد أحصوا ما يقرب من 150 حالة على مستوى العالم منذ ستينات القرن العشرين، ومنها ما بلغت كتلته أضعاف هذه الأخيرة، ففي عام 1995 سقطت ثلاث كتل جليدية في حقوق الأرز في منطقة ياوادو الصينية وتركت أكبرها فوهة بلغ قطرها متراً واحداً وبعمق 50 سم. وفي عام 1997 تحطمت كتلتان جليديتان في منطقتي كامبيناس وايتابيرا في البرازيل حيث بلغ وزن الأولى 50 كجم في حين بلغ وزن الثانية 200 كجم.
وفي 21 يوليو/ تموز 2004 في منتصف فصل الصيف، كان يمكن لفتاة عمرها 15 سنة أن تكون ضحية كتلة جليدية بلغ وزنها 50 كجم، سقطت في مدينة طليطلة الأندلسية.
الجاذبية الأ رضية
ومنذ بداية عام ،2000 تحرك أعضاء المجلس الاستشاري للهيئة العليا للأبحاث العلمية الإسبانية بشكل لا سابق له خاصة أن الفترة الواقعة بين 8-17 يناير/ كانون الثاني من عام 2000 شهدت سقوط عشرات الكتل الجليدية الكبيرة التي يصل وزنها إلى 3 كجم كانت صافية تماماً على حد قول ووصف جوسي مارتيني فرياس المتخصص بالجيولوجيا الفيزيائية في المركز الفلكي الحيوي في مدريد.
ومن المعروف أن هذا الرجل اعتاد دراسة الشهب والنيازك ولذا فقد أحيل إليه هذا الموضوع الشائك الذي حير العلماء بالفعل حيث يعتقد بعضهم أنها كتل جليدية قادمة من الفضاء ولذا تسقط في وضح النهار وفي طقس صحو وصيفي في غالب الأحيان، ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن جزءاً كبيراً من النظام الشمسي مكون من الجليد، وأن هذه القطع الجليدية قد ضلت طريقها لتصل إلى أجوائنا بعد أن جذبتها الأرض إليها بفعل الجاذبية الأرضية، الأمر الذي جعلها تعبر الغلاف الجوي وتسقط على الأرض. ويعتقد الباحث فرياس أن موضوع سقوط أو قدوم هذه الأجسام من الفضاء يبقى محط شكوك كبيرة لأنه من المفترض أن تذهب هذه الأجسام هباء بعد ذوبانها جراء الاحتكاك الشديد مع الغلاف الجوي.
وكان تحليل هذه الكتل الجليدية القادمة من السماء قد أكدت شكوكه، فالتحليل يشير إلى أن تكريبها الكيماوي يعني أنها لا يمكن أن تأتي إلا من غلافنا الجوي وبالتحديد من منطقة التروبوسفير أي الطبقة الأكثر انخفاضاً وقرباً من سطح الأرض والتي يصل ارتفاعها عن السطح إلى حوالي 15 كيلومتراً.
يقول الباحث فرياس إن هذه الكتل الجليدية أو حبات البرد الضخمة لا تتشكل بطريقة عادية أو طبيعية كما تتشكل حبات البرد في جو غائم وعاصف، بل ناتجة عن كتل تسقط من الطائرات. ولكن كيف ذلك؟ الواقع أن الطائرات تحتفظ على هيكلها بقطع جليد كبيرة ناتجة من الثلوج المتجمعة بين العجلات خلال فترات الإقلاع كما أن الصقيع يتراكم بسهولة على الأجنحة أثناء وجود الطائرة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، حيث تهبط درجة الحرارة إلى ما دون الصفر بمعدل كبير، هذا دون الأخذ بالاعتبار تسربات المياه التي تخرج من المغسلة والتواليت أثناء إفراغها حيث تتجمد كمية المياه قبل أن تتمكن من التطاير في الهواء.
ويشير الباحث إلى أنه بمجرد أن يعمل نظام ذوبان الجليد أو عندما تدخل الطائرة ما بين الطبقات الهوائية الدافئة، فإن الكتل الجليدية تتساقط وتصل إلى الأرض وهكذا تعمل الطائرات كما لو كانت قاذفات لكتل الجليد.
والواقع أن هذه الفرضية تعجب البعض لكنها لا ترضي الباحث فرياس بشكل كامل ولذا يقول الباحث: في حالتين على الأقل، تشير دراسة سجلات الطائرات إلى أنه لم يحدث قط أن مرت طائرة فوق المناطق المعنية، ومن هذا المنطلق حاول فريق البحث المساعد لفرياس إجراء إحصاء لعدد النيازك الجليدية التي سقطت على الأرض في كافة أنحاء العالم في ظروف مناخية طبيعية أي دون غيوم وأمطار، وخرج بنتيجة مفادها أنه جاء ذكر لحالتين من هذا النوع ذكرتا في وثائق تعود للقرن التاسع عشر حيث سقطت كتلة جليدية تزن كيلوغرامين في عام 1829 في مدينة قرطبة الأندلسية والأخرى تزن كيلوجراماً واحداً سقطت في عام 1851 في نيوهامشاير في الولايات المتحدة الأمريكية أي قبل اختراع الطائرات. ومن هنا قال الباحث فرياس إنه لا بد أن يكون هناك سبب آخر وراء هذه الظاهرة الغريبة.
ظواهر عنيفة
من ناحية ثانية، فوجئ الفريق العلمي الإسباني بمصادفة غريبة، ففي الوقت نفسه الذي وقعت فيه سلسلة الانهمارات الغريبة للكتل الجليدية في يناير/ كانون الثاني من عام 2000 والتي نتج عنها سقوط أكثر من 10 كتل على إسبانيا، سجلت الأقمار الاصطناعية المتمركزة فوق هذا البلد اضطرابات جوية، فقبل 3 أيام من وقوع الحادث الأول وسقوط الكتلة الأولى، لوحظ أن طبقة الأوزون في هذه المنطقة بالتحديد بدأت بالترقق إلى أن أصبحت رقيقة بدرجة غير عادية ما يعني أنها أصبحت تمرر كمية أكبر من الأشعة الشمسية الأمر الذي أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة في الطبقة المنخفضة للغلاف الجوي والمعروفة باسم التروبوسفير ويصاحب هذا الأمر حدوث انخفاض في درجة حرارة الطبقة الواقعة مباشرة فوق الطبقة السابقة والمسماة الستراتوسفير ومن المعلوم أن الفارق في درجات الحرارة بين الطبقتين يحدث اضطرابات غير عادية في الغلاف الجوي. فهل من الممكن أن تتشكل حبات البرد الكبيرة هنا بين هاتين الطبقتين؟
يقول الباحثون الإسبان في هذا الشأن إنهم من خلال المشاهدة الدقيقة والتفحص الأدق للكتل الجليدية وتركيبها اضطروا إلى الذهاب في فرضيتهم السابقة أبعد من ذلك، فمناطق الجليد الكثيفة جداً تتناوب مع طبقات أكثر هشاشة منها كوجود كريات غازية يبلغ قطرها بضعة مليمترات. ويشير الباحث فرياس إلى أنه في تركيب غريب كهذا، لا بد أن تكون هذه الكتل الجليدية قد ولدت وسط رياح شديدة الاضطراب. ومن هنا كل شيء يحمل على الاعتقاد بأن بعض هذه الكتل تتكون خلال تشكل بعض الظواهر الجوية العنيفة في منطقة التروبوسفير. وأمام كل هذه المعطيات، وضع الباحثون نموذجاً لهذه العمليات مفاده: لو تخيلنا أن كتلة جليدية صغيرة تشكلت أثناء مرور طائرة نفاثة في الجو وذلك جراء وجودها ضمن تيارات هوائية عنيفة في جزء من التروبوسفير يحوي كمية كبيرة من الرطوبة.
في هذه الحالة نلاحظ أن كمية بخار الماء لا تكون كافية لتشكيل سحابة، ولذا فإن حبة الكريستال أو البرد المتأرجحة مع الرياح العاصفة تبدأ في النمو لأن بخار الماء يتجمد عندما يلامسها. وتستمر الحال على ما هو عليه حتى تصل حبة البرد إلى حجم كبير عندها يصعب بقاؤها معلقة في الجو نظراً لثقلها فتسقط على الأرض بسرعة كبيرة.
كوارث صغيرة فوق رؤوسنا
تتشكل فوق رؤوسنا كوارث صغيرة وفي جو جميل وشمس مشرقة. ولكن هل حلت المشكلة بالفعل؟ بالطبع لا لأن الحجم الكبير جداً لحبة البرد أو لما يسميه البعض بالقنابل الجليدية لا يمكنه أن يقبل بالتفسير السابق مائة في المائة فحتى لو توافرت كل الظروف لتشكل حبة البرد، فإن حجمها لن يزيد على حجم البيسبول أي كرة القاعدة، فكيف تشكلت إذاً هذه الكرات الضخمة التي يزيد وزن كل منها على عشرات الكيلوغرامات من دون وجود أية سحب أو غيوم؟
في هذا الصدد، يقول اختصاصيو الارصاد الجوية الإسبان من مركز البحر المتوسط للدراسات البيئية في فالونس إنهم لاحظوا أنه على الرغم من وقوع هذه الحوادث أثناء جو جميل مشمس لا غيوم فيه على الاطلاق، كان الطقس رطباً، وفي هذه الحالة، لو أن قطعة جليد سقطت من ارتفاع يبلغ 19 كيلومتراً وعبرت أثناء ذلك عدة طبقات رطبة باردة من الغلاف الجوي على مدى عشرات الدقائق فإن حجمها سيزداد لا محالة، لكن لن يتجاوز الكيلوجرام الواحد على الأكثر وفقاً لحسابات الباحثين، ما يعني أننا لم نزل بعيدين عن الكرات التي يصل وزنها إلى بضعة كيلوغرامات وذلك وفقاً لما درسه الباحث فرياس وفريقه العلمي.
ويقول الباحث فرياس: لم نفهم حتى الآن الطريقة التي تتشكل بها هذه الكرات الجليدية وكيف لها أن تبقى معلقة في الجو لدرجة تجعلها تكبر إلى هذا الحد.
أما الباحث ديفيد ترافيس من جامعة الجغرافيا والجيولوجيا في وينكونسن وايت وتر الذي تعاون مع الفريق العلمي الإسباني فيرى أنه ما دام أن الباحثين لم يدرسوا كل مكونات الغلاف الجوي بشكل دقيق، فلن يتمكنوا من معرفة سبب هذه الظاهرة مع العلم أن دراسة قوى الرياح في الغلاف ليست أمراً مستحيلاً لكنها تحتاج إلى وقت.
أما الباحث سيلفان كوكيا من مختبر علوم الطقس بتولوز في فرنسا فيؤكد أن دراسة هذه الظاهرة لم تنل حقها تماماً ولا بد من العكوف عليها بعض الوقت فهي ظاهرة غريبة بالفعل، كما أن الفرضيات التي قدمها الباحثون الإسبان ليست دقيقة وتدور حولها الكثير من الشكوك والتساؤلات.
ولا بد في النهاية من البحث في أماكن أخرى للوصول إلى نتيجة منطقية.