يحرص القرآن الكريم من خلال ما حمله لنا من أحكام وتعاليم وآداب وأخلاقيات راقية على إشاعة روح الثقة والاحترام المتبادل بين المسلمين وعدم أخذ الناس بالشبهات وتجنب سوء الظن حتى لا يظلم أحد أو يتهم بما ليس فيه .
ومن الآيات القرآنية الكريمة التي حملت لنا جانباً من هذه التوجيهات قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .
المراد بالظن المنهي عنه هنا: الظن السيئ بأهل الخير والصلاح من دون دليل أو برهان .
وقد صنف بعض العلماء الظن إلى ثلاثة أنواع: ظن واجب، وظن محرم، وظن مباح .
فالمحرم: كسوء الظن بالمسلم مستور الحال، ظاهر العدالة . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وقال في حديث آخر إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء ولذلك أباح العلماء سوء الظن بالمسلم الفاجر الذي يجاهر بارتكاب الخبائث، لأن من يعرض نفسه للتهم والشبهات يستحق سوء الظن به .
والظن الواجب يكون - كما قال العلماء - فيما تعبدنا الله تعالى بعلمه، ولم ينصب عليه دليل قاطع، فهناك يجب الظن للوصول إلى المعرفة الصحيحة، كقبول شهادة العدل، وتحري القبلة .
أما الظن المباح فقد مثلوا له بالشك في الصلاة حين استواء الطرفين .
الظن المحرم
يقول د . الأحمدي أبوالنور وزير الأوقاف المصري الأسبق وأستاذ السنة النبوية: حرمة سوء الظن بالناس إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى الغير . أما أن نظن في أمر شراً لنتقيه ونتجنبه ولا يتعدى ذلك إلى الإساءة للآخرين فذلك أمر محمود غير مذموم .
والمعنى الذي ترشدنا إليه هذه الآية الكريمة: يا من آمنتم بالله إيماناً حقاً ابتعدوا ابتعاداً تاماً عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين، لأن هذه الظنون السيئة التي لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هي مجرد تهم تؤدي إلى تولد الشكوك والمفاسد فيما بينكم .
وقوله سبحانه إن بعض الظن إثم تعليل للأمر باجتناب الظن .
والإثم: هو الذنب الذي يستحق فاعله العقوبة عليه، والمراد بهذا البعض المذموم من الظن ما عبر عنه سبحانه قبل ذلك بقوله: اجتنبوا كثيراً من الظن أي إن الكثير من الظنون يؤدي بكم إلى الوقوع في الذنوب والآثام فابتعدوا عنه .
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ينهى الله عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخوف للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، فليجتنب كثيرا منه احتياطا . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة، والحسد، وسوء الظن فقال رجل: ما الذي يذهبن يا رسول الله من هن فيه؟ قال: إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض .
وقال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه .
الشائعات الكاذبة
وقد أفاض د .محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل في الحديث عن أهمية أن يتجنب المسلم سوء الظن بالناس وقال في كتابه القيم الإشاعات الكاذبة وكيف حاربها الإسلام من أفضل الأحكام التي جاءت بها شريعة الإسلام لإشاعة الثقة والمحبة بين المسلمين ومحاربة الشائعات الكاذبة والتهم الباطلة وسوء الظن أمرها لأتباعها بأن يكون سلوكهم قائماً على تغليب حسن الظن فيما بينهم، وأن يبنوا أحكامهم على الظواهر لأن الذي يعلم البواطن والسرائر هو الله عز وجل .
ويضيف: إن الأمة السعيدة الرشيدة هي التي يكثر فيها الأفراد الذين يبنون علاقاتهم مع غيرهم على حسن الظن، وعلى عواطف المحبة المشتركة والمودة الخالصة والتعاون المتبادل والثقة الوثيقة والابتعاد عن سوء الظن دون أن يكون هناك ضرورة تدعو إلى ذلك، إذ من دعاء المؤمنين الصادقين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم .
ولقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ فقال: كل مخموم القلب صدوق اللسان قيل: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم في قلبه ولا بغي ولا غل ولا حسد ولقد نهى صلى الله عليه وسلم أتباعه عن أن يبلغوه أخباراً لا يحب أن يسمعها فقال: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .
التجسس والغيبة
وقوله سبحانه ولا تجسسوا أي: خذوا ما ظهر من أحوال الناس ولا تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم أو عوراتهم ومعايبهم، فإن من تتبع عورات الناس فضحه الله تعالى .
فالمراد من النهي عن التجسس هنا: النهي عن تتبع عورات المسلمين، وهذا ما حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه . لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه الله في عقر بيته . وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم .
ثم نهى سبحانه وتعالى بعد ذلك عن أقبح الرذائل وهي الغيبة فقال: ولا يغتب بعضكم بعضاً .
والغيبة كما عرفها العلماء أن تذكر غيرك في غيابه بما يسوؤه . وقد عرفنا بها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره . قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته .
ثم ساق الحق سبحانه وتعالى تشبيهاً ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه .
والمعنى: اجتنبوا أيها المؤمنون أن تذكروا غيركم بسوء في غيبته، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت، ولا شك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه أشد النفور .
والحق أن المتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه لأنها من الكبائر والقبائح التي تؤدي إلى تمزق شمل المسلمين، وإيقاد نار الكراهية في الصدور .
ثم ختم الحق سبحانه الآية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإنابة فقال: واتقوا الله إن الله تواب رحيم .
أي: واتقوا الله أيها المؤمنون بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما أمركم سبحانه باجتنابه، إن الله كثير القبول لتوبة عباده الذين يتوبون من قريب ويرجعون إلى طاعته رجوعاً مصحوباً بالندم على ما فرط منهم من ذنوب، ومقروناً بالعزم على عدم العودة إلى تلك الذنوب لا في الحال ولا في الاستقبال . فهو واسع الرحمة لعباده المستقيمين على أمره .
وبذلك نرى هذه الآية الكريمة قد نهت المسلمين عن رذائل يؤدي تركها إلى سعادتهم ونجاحهم، وفتحت لهم باب التوبة على مصراعيه حتى يقبلوا عليه متطلعين في عفو الله ورحمته .