بيروت: هدى الأسير

في أوج الأجواء السوداوية والتشاؤمية، تستمر المذيعة التلفزيونية كارين سلامة على أمل أن تتحسن الأوضاع العربية؛ «ليتمكن أولادنا من العيش بكرامة وسلام» كما تقول. وترى أنه لولا هذا الأمل بغد أفضل، لكنت غادرت المنطقة إلى غير عودة، لماذا كل هذا التشاؤم، وما رأيها في الإعلام اليوم؟ وما طموحاتها؟.. تجيب كارين سلامة في الحوار التالي.

* أين تجدين أفق برنامجك «تيلي ستار» في ظل ما يتعرض له الإعلام من أزمات بشكل عام، وتلفزيون «المستقبل» بشكل خاص؟
- أستطيع القول إن التشاؤم والإحباط سيد الموقف في الظروف الراهنة.

* متشائمة إلى هذا الحد؟
- وأكثر.. أنا حزينة على كل الأوضاع اللبنانية السياسي منها والاقتصادي والإعلامي. لذلك لم أعد أرى إلاّ السواد، خصوصاً في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي كشفت نفسيات مليئة بالشر والحقد والتكبر والكبرياء الفارغ.

* ألا تجدين في منبرك الإعلامي متنفساً لهذه الحالة السوداوية؟
- منبري فني بحت والسياسة التي أخافها مفتوحة على كل الاحتمالات والمفاجآت. السياسة لعبة كبيرة أودت بحياة الكثيرين من القادة والزعماء والسياسيين. باختصار سأكون أول الناس في تظاهرة شعبية يمكن أن تخلق أملاً لتحسين أوضاع المواطنين.

* لكن السياسة وهمومها باتت قاسماً مشتركاً لدى اللبنانيين؟
- بكل بساطة أكره السياسة، ولا أحب الدخول في متاهاتها. صحيح أنها مفروضة عليّ كمواطنة لبنانية، ولكنها ليست هدفي، عندما عبّرت مرة عن رأيي على «تويتر» قامت القيامة ضدي.

* أي عندما هاجمتِ مريم البسام؟
- لم أهاجمها ولم أذكرها في كلامي، ومع ذلك نلت نصيبي من الهجوم. أوضحت رأيي بكل بساطة. في أي حال، أنا أم لطفلين صغيرين وأعيش في بلد لا أمان فيه، ولا يمكن لأي جهة مسؤولة أن تحميني من «حارة كل مين إيدو إلو». لست مضطرة لأن أخوض مغامرة خطرة، أنا أضعف من تحمل نتائجها.

* هذا يعني أن الفن أرحم من السياسة؟
- بالتأكيد.. للسياسة أربابها وأنا إنسانة لا تتماشى معي السياسة، ولا يمكنني مسايرة أحد على حساب مبادئي.

* هذا يعني باختصار أنك تفتقدين الدبلوماسية؟
- ليست الدبلوماسية، بل التملق والكذب. لذلك لا تجديني في معظم المناسبات التي أدعى إليها، لأنني أشعر بطاقة سلبية من الكذب المنتشر في المجتمعات التي أجبر على حضور مناسباتها.. لقد نضجت كفاية وأصبحت قادرة على التمييز بين النفاق والمسايرة والكذب.

- كل هذا الرفض للواقع، كيف استطعت الاستمرار في وسط يعج بالنفاق والكره؟
- أولاً لأنني أحب عملي جداً بغض النظر عن أجوائه، خصوصاً وأن تلفزيون «المستقبل» هو الأقل بين نظرائه الذي تسوده أجواء الكذب والشر. لا أنزهه بالمطلق، إنما أقله لأنه لم يُدخل في الفترة الأخيرة أي شخص جديد، وكل الموجودين فيه كبروا معاً وعاشوا معاً مرحلة طويلة، صحيح أننا مررنا بمراحل منافسة وخصام في البداية، ولكننا وصلنا إلى مرحلة من الوعي والنضج ما جعلنا نتخطى هذه الأمور. هذا يعني أن أجواء المحطة هي التي ساعدتني على الاستمرار، ولذلك لم أذهب باتجاه مؤسسات أخرى.

* ربما لأن المنافسة انحصرت في تلفزيون لم يعد يستقطب نسباً عالية من المشاهدة؟
- ليس هذا السبب، فأنا مثلاً لم أعد أعتمد على ظهوري على الشاشة، بل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. نحن في «المستقبل» حالة نادرة بين المحطات العاملة، لا أنكر أنني حاولت الانضمام إلى محطات أخرى إنما سرعان ما انكشفت أمامي حقائق لا أستطيع تجاهلها. هذا إن أردت الوصول. لذلك فضلت البقاء في «المستقبل».

* هل هذا يعني أنك لست نادمة على عدم خروجك من المحطة باتجاه محطات أخرى كما فعل زملاؤك؟
- ليس بالمطلق.. ضيّعت فرصاً كان يجب أن أتمسك بها، لكن أحداً لم يكن يحسب مفاجآت الغد. كنّا دائماً نتمسك بالأمل، وبأن الغد سيكون أفضل، لكن هذا الغد لم يأت حتى الآن، وربما لن يأتي.

* هذا ما جناه الوفاء لك؟
- الوفاء يجعلني مُحاطة بالمحبين، خصوصاً في زمن تغير فيه كل شيء. بالأمس كنّا نحلم بالوقوف عند سابع باب لأشخاص كانوا يضربون الأرض بأرجلهم. اليوم نشهد نهاياتهم، مما يؤكد مقولة لا شيء يدوم في هذه الحياة، إلا المحبة والصداقة الوفية وهذا ليس كلام شعر ولا شعارات بل واقع عشته وأعيشه وبالي مرتاح له.

* إلى أين يمكن أن يصل أفق برنامجك؟
- أفق المحطة إلى أين؟ المحطات كلها إلى أين؟ البلد إلى أين؟.. لم يعد للطموح مكان، غاية طموحي اليوم أن أعيش مع أولادي بسلام. أعيش الآن ليومي وأقدّم برنامجي لا أكثر ولا أقل.

* هل تستطيعين العمل في ظل هذا الجو المشحون؟
- عندما أدخل «مود» العمل، أنسى كل ما حولي من الأمور البشعة. في النهاية أتوكل على الله وأتمسك بالأمل وبغد أفضل.

* تتحدثين بتناقضات غريبة، فتارة تتمسكين بالأمل، وأخرى نجدك مُحبطة؟
- أنا صحيح منهارة، إنما لم أفقد الأمل، وإلاّ كنت انتحرت.. صحيح أننا نمر بفترات صعبة، ولكن يبقى الأمل بغد أفضل موجود. كافحنا لمدة 12 عاماً في مؤسسة إعلامية حاولنا أن نعطي فيها كل ما عندنا، حتى وصلنا إلى ضرب رؤوسنا بالحائط.

* من أين تستقين مادة برنامجك التي تتقلص في هذه الظروف الصعبة؟
- من أخبار الفنانين عبر مواقع التواصل ومن أمراضهم النفسية يمكنني أن أجد مادة دسمة، لا أقصد الجميع، بل بعضهم وللعلم الأحداث الفنية لا تنتهي سواء في لبنان أو العالم العربي.

* تتفاعلين مع هذه الأحداث؟
- نادراً، إلاّ إذا حصل عليّ هجوم من قبل المشاهدين. عموماً اعتدت الأمر منذ بداية عملي في برنامج «تيلي ستار» منذ أربع سنوات.

* كيف تواجهين حروبهم الشرسة؟
- دربت نفسي عبر السنوات أن ألجمها وأن أعدّ للعشرة ليس فقط في عملي، بل في حياتي بشكل عام، خصوصاً وأنني كنت انفعالية جداً.

* هل يمكن أن يرّوض الإنسان انفعالاته؟
- بالتأكيد، خصوصاً وأنها تدخل صاحبها «بالحيطان».

* أطلقت التهاني لزميلك ميشال قزي بانتقاله إلى محطة أخرى، وقبله تمنيت الخير لمن سبقه. تتعاملين معهم بدون غيرة أو حسد كما يحصل عادة بين زملاء المهنة؟
- أولاً أنا وميشال عشرة عمر، وأكن له محبة حقيقية. هذه نفسيتي وأخلاقي، أنا أؤمن بأن الخير يلف ويعود لصاحبه، وكذلك الشر، لذلك أتمنى الخير للجميع، ولزملائي الذين تعبوا واجتهدوا. أن نغار من نجاح الآخرين غيرة إيجابية فهذا مسموح، ولكن يجب أن نعرف حدود هذه الغيرة.

* بين التلفزيون والإحباط الذي تشعرين به، ومسؤولياتك كزوجة وأم. أين كارين الإنسانة؟
- ضائعة، أقلّه في الوقت الحالي. أعيش في دوامة، عموماً من الصعب على الأم أن تعيش حياتها وأن تجد نفسها. هذا ما كانت تقوله لي والدتي دائماً وهذا ما اختبرته مع ولديّ اللذين أرى الدنيا من خلالهما.

* تهتمين بتفاصيل حياتهما؟
- بالتأكيد، العائلة هي الأساس. أنا أحب ولديّ وأعطيهما من قلبي بلا مقابل، وأجد في ذلك متعة حقيقية.