تأخر وصول الفيلم المصري كباريه إلى الصالات الإماراتية دون أن نفهم السبب، وهو ما يتكرر غالباً مع معظم الأفلام العربية، حيث يطول انتظار المشاهد في الإمارات لأجمل الأفلام وأقواها، ويفقد الأمل في مشاهدتها في الصالات بعدما يقرأ ويتابع أصداء صدور الأفلام والعروض الأولى والمتتالية في مصر ودول أخرى. الفرق الشاسع بين تاريخ الإنتاج وبين موعد المشاهدة هنا، يفقدنا الأمل في الذهاب إلى السينما خصوصاً أن بعض الفضائيات المتخصصة بالأفلام العربية، أصبحت تتسابق على كسب المشاهد واستقدام السينما إلى بيته بتقديم أفضل العروض وأحدثها. وهو ما حصل مؤخراً، إذ تزامن عرض فيلم كباريه لأول مرة في الصالات الإماراتية، مع عرضه على إحدى القنوات الفضائية، علما أنه من إنتاج العام 2008 وأصبح بإمكان أي كان الحصول على نسخة منه عبر المواقع الالكترونية.
من عنوانه نفهم أنه فيلم يتجرأ لأول مرة في تاريخ السينما العربية، بالدخول إلى قلب عالم الليل المظلم، حيث الممنوع مرغوب ومباح، وحيث الحرام والحلال يتنازعان الضمائر البشرية، فيبحث أصحاب النفوس الضعيفة عن ملجأ في ال كباريه لتنفيس رغباتهم، ويستسلم آخرون لأقدارهم فيحاولون الاسترزاق من هذه العلب المظلمة لتحسين أوضاعهم المعيشية. والكل يتستر خلف أقنعة الطهارة والعفة في النهار وفي الشوارع وبين الناس، ويخفي حقيقة مهنته عن أهله وجيرانه ومعارفه، وهي نقطة شدد عليها الكاتب أحمد عبدالله والمخرج سامح عبدالعزيز في معظم الأحداث واللقطات لنرى الفرق الواضح والكبير بين داخل الكباريه وخارجه.
هذا التناقض الكبير أراده الكاتب ليس فقط بين الداخل والخارج، بل شدد عليه في قلب الملهى الليلي الذي ضمَ نماذج مختلفة من البشر، وتكثفت أحداثه في ليلة واحدة شاهدنا فيها بداية ونهاية الفيلم، ونهاية الشخصيات أيضا.
أدوار البطولة توزعت على مجموعة كبيرة من نجوم الشاشة، منهم من تمكن من التميز في أداء دوره، ومنهم من أدى المطلوب ليس أكثر، وان كانت بعض هذه الشخصيات مرسومة أصلا من قبل الكاتب بكثير من الجهد والاتقان، وهي بحد ذاتها جديدة على عالم السينما العربية، مثل شخصية حارس الحمامات وتنحصر وظيفته في هذا المكان الذي لا تدخله كاميرات المخرجين العرب عادة إلا لتصوير عملية هروب أحد السجناء، أو هروب الزوجة من زوجها للبكاء أو الاختباء. وهو دور أبدع فيه ماجد الكدواني الذي لم نشاهده قبلاً إلا في أدوار ثانوية كوميدية، ليبدو بشخصية خميس إنسانا بائسا يائسا، نفاه أخوه (صاحب الكباريه) في هذا الركن الكريه كعقاب له ومن باب الانتقام بنفس الوقت. خميس كان شريكاً لأخيه فؤاد حامد في الكباريه الذي ورثاه عن أبيهما، لكن خميس انغمس في عالم الليل والشرب والنساء حتى أضاع ثروته وباع حصته لأخيه، وما زاد الطين بلَة تعرضه لحادث حوله إلى أعرج أثناء دفاعه عن فؤاد.
أما فؤاد الذي يلعب دوره صلاح عبدالله، فهو مالك الكباريه وحامل لقب صانع البهجة، وهو من الألقاب التي تتميز بها السينما العربية من حيث حسن استخدامها كرموز تعكس نفسية وهوية ومصير أصحابها، وإذا عدت إلى المخزون السينمائي تكتشف في الغالب أن الأسماء وليس فقط الألقاب تلبس أصحابها وتنسجم مع طبيعتهم. وصانع البهجة هذا يراقب ما يحصل تحت من عليائه، أي مكتبه الذي تعمد المخرج وضعه في طبقة أعلى من الصالة، ليصور فؤاد وهو يراقب ما يجري من فوق، فيشعرك بأنه المالك الوحيد والمتحكم بهذا العالم الدوني. يحمل السبحة في يده ويستمع إلى الأناشيد الدينية طوال الوقت ولا يقرب السيجارة ولا النساء ولا الخمور أبداً، بل تراه دائما يشرب الحليب والعصائر، ويحرص على أداء العمرة سنويا. وهو أكثر الشخصيات تجسيداً للتناقض بين الالتزام بالدين والانسياق وراء مغريات الحياة.
التيمة التي لعب عليها الفيلم طوال الوقت، والرسالة الواضحة التي أراد أن يوصلها للمشاهد حول حياة التطرف السائدة اليوم في بعض المجتمعات، بين المتشددين في الدين وانتشار الحجاب، وبين الرغبة في الانفلات التي يخاف البعض اظهارها فيمارسونها خفية. فهذا الرجل المتديِن، يروج لكل أنواع الفساد وقلبه قاس لا يعرف الرحمة، فيرفض تسليف أحد موظفيه (سيد الذي يلم الأموال التي ينثرها الساهرون على المغنين والراقصات) مبلغا من المال كي يسدد قسط مدرسة ابنته المهددة بالطرد، ولا يشفق على حال أخيه بل يقول له: ما حدش طلب منك أن تدافع عني. وحين يتوسله خميس باكياً أن يسمح له بالنزول الى الصالة بقوله عاوز أحس اني بني آدم، يجيبه فؤاد أنا باستعر منك ودا المكان الوحيد (أي الحمَام) اللي ممكن أخبيك فيه. منتهى القسوة والجشع، يقابلهما ايمان وتقوى لا يمكنك تصديقهما أو التعاطف مع المدعي باسمهما.
الوافدون الى الكباريه كثر، منهم من يعمل فيه ومنهم من يقصده للسهر وأشياء أخرى، ووراء كل من هؤلاء حكاية. ف صابر الذي يلعب دوره أحمد بدير، رجل مؤمن أيضا لكنه يعمل في الملهى لتلبية مصاريف عائلته ويؤدي فروض الصلاة داخل الملهى. وبلعوم الفنان المغرور المشغول بصورته وجماهيريته وقد أدى دوره ببراعة شديدة الفنان خالد الصاوي بحركاته ولبسه وغنائه بصوته غير الجميل، ليثبت مرة جديدة وبعد أدائه دور الصحافي الشاذ في عمارة يعقوبيان، أنه فنان يجيد التلوُن واختيار الأدوار الصعبة والجريئة، وأنه يعطي لكل شخصية حقها دون خوف على صورته وشكله، وكل المعايير التي يضعها النجوم عادة في حساباتهم قبل الموافقة على الأدوار الجريئة. بلعوم هو صورة منسوخة عن واقع معظم المغنين الحاليين الذين يسعون الى رشوة الفضائيات بالمال كي تبث أغنياتهم طوال اليوم، ويفتقدون إلى أهم مواصفات النجومية وأصول الغناء، حيث نكتشف أنه خريج سجون ومن يتولون تلميع صورته وخداع الناس بشعبيته، يستقدمون بعض الشبان والشابات ويدفعون لهم لقاء تمثيل أدوار المعجبين، في إشارة إلى فنان شاب معروف خصوصاً بقوله لإحدى المعجبات أنا نقطة ضعفي حواء، ما تعيطيش وبلاش يغمى عليك!
في المقابل يلعب ادوارد دور المغني أبو السعود الذي كان يعمل لبِيسا لدى بلعوم، ثم أنتجت له شركة النجوم 3 ألبومات ويتعاقد معه صاحب الكباريه للغناء في هذه الليلة، فتتم المواجهة بين المغنيين لينتصر الجديد على من سبقه. أما أم حبش (هالة فاخر) فهي الممول والداعم الرئيسي لبلعوم وتنقلب عليه بعد سماعها أبو السعود لتتخلى عن الأول وتغدق الأموال على الثاني في لحظات.
أم حبش ورجل خليجي هما من رواد الكباريه، ويعتبران كرمزين لانتشار الفساد في أكثر من بلد عربي، دور مهم وللعب الأموال دور مهم في انتشار الفضائيات والفن الهابط.
أما جومانا مراد التي نالت جائزة عن دورها كفتاة ليل، فهي رمز حقيقي لهذه الفئة التي تعيش حياتين، واحدة كفتاة عادية تعتني بأمها في المنزل وتخرج من بيتها بالحجاب ولا أحد يعلم أين تعمل، لتتحول إلى فتاة سوقية مستعدة لفعل أي شيء من أجل المال، وقد جمعت مبلغاً وتبقى لها 2000 جنيه تسعى للحصول عليه من أجل إرسال أمها إلى الحج. لكن القدر يسبقها وتتوفى والدتها ليلا أثناء غياب نهلة، ما يدفع بالجيران إلى البحث عنها لإتمام مراسم الدفن. هنا نرى أحد أهم وأجمل مشاهد الفيلم، حيث يصل الجيران ومعهم جثمان الوالدة أمام الكباريه قبالة الفجر لتخرج الابنة بلباسها الفاضح تبكي وتنتحب، ثم يطلب منها أحدهم أن تستر نفسها لدفن أمها، فتدخل الملهى تبحث بين الناس كمن يستجديهم قائلة ألا أجد أي شيء أستر به نفسي، وتستمر بالبحث دون جدوى والكل يرقص ويغني..
مشهد لا يحتاج إلى شرح رموزه وهو أبلغ ما يعبر عن تعري الإنسان أمام ذاته والآخرين في لحظة الحق حيث لا شيء ينفع ولا شيء يحجب أو يستر الحقيقة.
دنيا سمير غانم تؤدي دور فتاة هاربة من زوج أمها لتقع بين براثن عالم الليل، بينما يجسد فتحي عبد الوهاب نموذج الشباب المنساق بلا وعي خلف التطرف، واسمه شعلان، يدخل الكباريه لتفجير نفسه من أجل خدمة الدين والوطن، وتنظيف هذا المكان الموبوء، كما قال له أمير الجماعة محمود الجندي. لكن حزام المتفجرات الذي يلف به جسده يتعطل، ليدور حوار بينه وبين صابر يقنعه به بضرورة مغادرة المكان والرضى بما كتبه الله له. ونظراً لتجاوب صابر معه وفراره من الكباريه، يحاول شعلان إيقاف العملية لأن الحوار يؤتي ثماره ومن الممكن منح هؤلاء فرصة جديدة للتوبة، لكن قضي الأمر فأمير الجماعة أرسل أخا آخر ليفجر نفسه وسط كل الموجودين في الكباريه.
الفيلم جيد ومعانيه كبيرة ومهمة، لكن يؤخذ عليه رغم شدة واقعيته ومجاراته للأحداث المعاصرة، ازدحامه بالأفكار والقضايا وتوسيع دائرة المواضيع التي أراد معالجتها، مما اضطره الى الاكتفاء بالتلميح اليها بجمل عابرة ومتناثرة، واذا أردنا حصر هذه المواضيع المتشعبة نتوه بين الأحداث والحوارات. فإضافة إلى كل ما ذكرنا، ترد عبارات حول ظاهرة انتشار الفساد الأخلاقي عبر الانترنت والفيس بوك والتحرش في الشوارع والفقر والبطالة وحاملي الشهادات الذين يضطرون للعمل في وظائف غير مشرِفة.. وكأن الكاتب أراد إفراغ كل مخزون أفكاره في ساعتين من الزمن.
الأحداث مكثفة كان من الأفضل مناقشتها في أكثر من فيلم، كما أن بعض الشخصيات لا حاجة لوجودها، مثل الرجل الذي بترت رجله، والمبالغة في دور أم حبش.. ومن غير المنطق أن يقتنع رب أسرة ويقرر ترك عمله فوراً لمجرد أنه سمع نصيحة من شاب في ملهى ليلي. والسؤال الأهم، هل تفجير الكباريه في نهاية الفيلم هو غسل ذنوب أم قضاء على الفساد أم صرخة لكشف المستور؟