تعود أفراد العائلة العربية على الرجوع لأكبر أعضائها سناً لأخذ مشورته في مختلف قضاياها الاجتماعية والاقتصادية، للاستفادة من خبراته الطويلة، وعلاقاته المتشعبة، ونظرته الثاقبة للأشياء . ويتمتع كبير العائلة بقوة الشخصية الممزوجة بالود والاحترام المتبادل بينه وبين أبنائه وأحفاده، بالإضافة إلى آرائه السديدة التي تتجاوز رؤى الأبناء . وفي غياب الوالد تلجأ بعض الأسر للعم أو الخال للنهل من خبرته واستشارته فيما يستعصي عليها من شؤون الدنيا . بينما تتخذ بعض الأسر من الابن الأكبر كبيراً لها بحكم قربه من الأب والأم التي شاركته خبرة الدرب .
يقول عبدالله بن ذيبان (65 عاماً) نوخدة من رأس الخيمة: "جرت العادة أن يعود الأبناء إلى كبير العائلة لاستشارته في أمور الدنيا، من زواج، وتجارة، وبناء وتعليم . ونظراً للمكانة التي يتمتع بها في البيت الكبير، كان له حق الفصل والكلمة العليا في هذه الأمور، يأمر فيطاع" . لكنه، بحسب ذيبان، "لم يكن متسلطاً في اتخاذ قراراته المتعلقة بأبنائه أو أحفاده، وإنما كان مقنعاً في سرد الأسباب ومبررات حكمه الذي غالباً ما يصادفه الصواب . أما المشورة فيقدمها في الشؤون اليومية بحكم قربه من الكبير والصغير" .
ويتابع: "بفطنته وخبرته الكبيرة يستطيع كبير العائلة معرفة الموضوع الذي سيفاتحه فيه الابن، لكنه بكل رحابة يترك له المجال للحديث والاستطراد، ومن ثم يبادله النقاش للتوصل إلى أفضل سبل حل المشكلة أو إسداء الرأي في إحدى القضايا . ومن أهم الأمور التي يستشار فيها الوالد الزواج والطلاق، للاستفادة من خبرته وعلاقاته الطيبة بأسر المنطقة، ومعارفه التي تتجاوز حدود الفريج" .
ويضيف: "لا يستطيع أحد أفراد العائلة الزواج إلا بعد العودة إلى الوالد الكبير، سواء كان أباً أو جداً، عماً أو خالاً، لأنه يتقدم الصفوف، ولديه من الخبرة ما يمكنه من الجلوس مع نظيره من العائلات الأخرى، والتغلب على العثرات التي ربما تعترض طريق الزواج بحسن تصرفه وقدرته على الإقناع"، مشيراً إلى عدم إمكانية الابن الانتقال من بيت أبيه، وتأسيس بيته الخاص إلا بعد مشورته ومباركته للانفصال عنه .
يتفق معه حسن بالشيخ الرميثي، نوخدة من رأس الخيمة، في أن كبير العائلة لا يخلو مجلسه من الأبناء والأحفاد حتى يعلمهم التقاليد الإماراتية القديمة، وينهلوا من خبرته في التعامل مع الكبار، ويعرفوا منه إلى أصول التحدث داخل المجالس .
ويقول: "تعلمت من جدودي أن الصغار هم غرس المستقبل الذي يجب الاعتناء به حتى يشبوا على القيم والأخلاق الإماراتية الأصيلة، لذا أحرص على الجلوس مع أحفادي وألقنهم ما حفظت من تراث الأجداد" .
ويتابع: "لا أبخل بالنصيحة على أبنائي، وأحفادي ومن يأتي لاستشارتي من الجيران، وأحرص على توعيتهم في الأمور التي عاصرتها، وكما كان يفعل آباؤنا أبقى دائماً على تواصل مع كل أفراد الأسرة وأقرب فيما بينهم لإزالة أي عوالق في النفوس" .
ويضيف: "من بين كبار العائلة من لديه دراية وخبرة في أمور التجارة ما يسهل على الأبناء العاملين في نفس المجال الاستفادة من خبرة الوالد، وكذلك أرباب المهن، مثل الصيد، فيتعلم منهم الصغار أصول المهنة وأسرارها" .
ويشير محمد الهاشمي، موظف بوزارة التربية والتعليم، إلى إحياء أسرته لمفهوم كبير العائلة، وتجمع أسرته بشكل شهري في منزل أحد أفرادها، وحرصهم على الاستفادة من خبرات كبار العائلة فيما يهمهم من مهام .
ويقول: "نحرص على التجمع كأسر صغيرة كل شهر حتى تتعارف الأجيال الحالية فيما بينها، كما يعطينا اللقاء فرصة لصلة الرحم، ومناقشة ما يستجد من موضوعات عائلية" .
ويضيف: "هناك صفات يتميز بها كبير العائلة من حكمة، وهدوء، وقوة شخصية، كما يتمتع باحترام المحيطين به، ما يجعل كلماته حكماً ومن وتوجيهاته أوامر يجب طاعتها بكل احترام" .
ويؤكد الهاشمي على تبادل الرؤى مع الأجيال الحالية، التي لم تعد تعترف بكبير العائلة، وتدير أمورها بما يتوافق مع ظروفها، والإبقاء على العودة للوالد الكبير في الأمور الاجتماعية مثل الزواج والزيارات الرسمية . ومع احترامه للوالد إلا أنه فضل العيش في بيت منفصل حتى يمكنه إدارة حياته وتربية أبنائه بالطريقة التي يراها مناسبة .
وحول الأمور التي يحرص الأبناء على مناقشتها مع كبير العائلة يقول: "يأخذ الأبناء مشورة الأب أو العم في كل الأمور الاجتماعية والعلاقات الأسرية، من عمل، وسكن، ومعيشة، أقدم أحد الأبناء على مشروع لا يعرف عواقبه، يجتمع به وينهل من خبرته إذا كان على علم بهذا المجال، وفي حال لم يعرف يتواصل مع من لديه دراية بذلك من خلال معارفه الكثيرة" .
من الجيل الجديد من لديه علاقة وثيقة بكبير العائلة مثل باسل حمدان، موظف بشركة عقارات بالشارقة، فبعد أن توفي والده جعل من عمه كبيراً له، يحرص على مجالسته واستشارته في كل كبيرة وصغيرة . وعن ذلك يقول: "أحرص على الذهاب لبيت عمي بشكل أسبوعي وأحياناً يومياً، لأطلعه على جديد شؤوني وأحصل منه على النصائح التي تنير دربي وتوسع مداركي وفهمي للحياة" .
ويتابع: "تعلمت من عمي الكثير من الأخلاق والقيم، وأحرص على مجلسه، لأنه لا يفرق بيني وبين أبنائه الذين أعتبرهم إخواني"، مشيراً إلى أن البعض يعتبر كبير العائلة رجلاً تجاوزه الزمن وحديثه ونصائحه لا يمكن الاستفادة منها حالياً، لكن ذلك غير صحيح بالمرة، لأن المبادئ والأخلاق والتربية الحسنة لا تموت ولا تتقادم بفعل الزمن، وصالحة لكل زمان ومكان .
ويضيف: "يبلغ عمي من العمر 68 عاماً وإلى اليوم يتمتع بقوة الشباب، ولديه من الخبرة ما يكفي ليعرف ما يجول في صدري، ويعرف ما يدورفي رأسي من نظرته إلى وجهي، وما إن يبتسم بوجهه البشوش حتى أبوح له بما أريد وأخرج من مجلسه وأنا أسعد الناس" .
ويشير د . حمد بن صراي، أستاذ التاريخ بجامعة الإمارات، إلى قلة العائلات التي أصبحت تعظم دور الوالد الكبير، نظراً للتطور الذي شهده المجتمع الإماراتي، بينما لاتزال بعض الأسر الممتدة تحافظ على مكانته ووجوده بينها .
ويقول: "أصبح دور كبير العائلة استشارياً يتبارك الأبناء به، بعدما كان الآمر الناهي في كل كبيرة وصغيرة، ويعود إليه الجميع في إدارة شؤون البيت الكبير . فيسمي أحفاده، ويأمر بالبيع والشراء، ويأذن بالتجارة، ويتابع العمل، ويقرر الزواج ويختار العائلات" .
ويتابع: "في غيابه يعود الأبناء لأخيهم الأكبر، وإن تعذر فصله في قضيتهم وانحيازه إلى أحد الأخوة، ذهب الأبناء إلى من يقربونه سواء كان عماً أو خالاً . فيعقد المجلس لمرة واحدة ويتم الفصل في المشكلة ويقر الجميع بقبول الحكم قبل مغادرة المجلس" .
ويضيف: "يتجاوز دور كبير العائلة الأسرة في بعض الأحيان إلى الفريج، حيث تأتي إلى مجلسه المنعقد داخل منزله أو في أحد منازل الفريج، ليقدم لهم المشورة، ويفصل بينهم في الأمور المتنازع عليها . وربما يدعوه أحد أبناء الحي ليتوسط في خطبته، أو يسأل عن أحد الرجال المتقدمين لخطبة إحدى بنات الفريج .
ويشير ابن صراي إلى اعتماد الأجيال الحالية على نفسها في تدبير شؤونها، بحسب ما يتوافق مع أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، والحفاظ على الدور الاجتماعي للوالد الأكبر في المناسبات والمشكلات التي لا يستطيعون مواجهتها .
يبارك الزواج ويسمي الأحفاد وينصح الأبناء
كبير العائلة حصن الأمان
21 فبراير 2014 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 فبراير 00:18 2014
شارك
تحقيق: مصطفى عبدالرحيم