يقول الحق سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا (البقرة: 282).
بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين في الآيات السابقة لهذه الآية الكريمة بأن يسارعوا في التصدق على المحتاجين، وأن يتجنبوا الربا والمرابين، وبعد أن بيّن لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإنفاق في وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطي الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطي أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا.
قال الإمام ابن كثير عن معنى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه هذا إرشاد من الله تعالى لعباده إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال: ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا.
الندب.. أو الوجوب
وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله فاكتبوه للندب، لأن الله قال بعد ذلك فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ولأن النبي لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم، ولا المدينين بأن يكتبوها. وقال بعض العلماء: الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آثما، لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب.
وقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أي: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقا لشريعة الإسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته لأن الله تعالى يقول: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى فالجملة الكريمة تخص المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصا تتوفر فيه إجادة الكتابة والخبرة بشروط العقود وتوثيقها كما تتوفر فيه الاستقامة وتحري الحق.
الامتناع عن الكتابة
ثم نهى الله تعالى من كان قادرا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعي إليها فقال: ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب أي ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله إياها وأن يتحرى العدل والحق في كتابته، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية.
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين، وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعي إليها.
ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال تعالى: وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا.
أي: وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يملي على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقرارا به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها، وعليه كذلك أن يراقب الله تعالى في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئا، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله تعالى.
وقد أمر الله تعالى بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين، أو يدعي شيئا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله تعالى حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن، ولكنه في الوقت نفسه أوجب تقوى الله وعدم الإنقاص من الدين الذي عليه، وهذا تشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين.