قال تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك في البحر لتجري بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (إبراهيم: 32-33).

بعد أن ذكر سبحانه أحوال الكافرين الجاحدين نعمه، وأمر المؤمنين بإقامة الصلاة وبالإنفاق شكراً لتلك النعم الإلهية شرع سبحانه في تفصيل تلك النعم مما يستوجب على الخلق كافة المثابرة على الشكر، والاجتهاد في الطاعة، وذلك حثاً للمؤمنين عليها، وتقريعاً للكفرة المخلين بها، فقال سبحانه: الله الذي خلق السماوات والأرض... والمعنى الإجمالي: أن الله جل وعلا هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن، وما في العالم العلوي من الأجرام السماوية والكواكب السيارة، والهواء الأثير، والشمس والقمر، والليل والنهار والماء النازل من السماء وغير ذلك مما لا نعلمه بما فيه من دلائل على كمال قدرته سبحانه، وعظيم نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

نعم جليلة

الله سبحانه هو الذي أنزل من السماء ماء طهوراً مباركاً، وجعل منه كل شيء حي، وأخرج بسببه من الثمرات أنواعاً متشابهة وغير متشابهة، وثمرات مختلفة ألوانها وأشكالها وأحجامها وطعومها رزقاً لبني آدم يعيشون به.

وهو سبحانه الذي سخر لكم الفلك، وذللها لكم يا بني آدم لتجري على وفق إرادتكم فوق سطح الماء فتنقلكم وتنقل متاعكم حيث تريدون، فهو الذي أرشدكم لصنعها، وهو الذي سخر البحر لحملها، والريح لتحريكها، وهو الذي سخر لكم الأنهار، وذللها لكم بالركوب عليها، وشقها في بطون الأودية، ولتستفيدوا منها في معاشكم وشربكم وزراعتكم.

وهو الذي سخر لكم الشمس والقمر دائبين في الحركة دائمين لا يفتران، لتنتفعوا بهما، وتستضيئوا بضوئهما، ولتعلموا من خلال منازل القمر عدد السنين والحساب. وهو الذي سخر لكم الليل والنهار، فجعل الليل للراحة والسكون، والنهار للجد والسعي على الرزق ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (القصص: 73) فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى (فاطر: 13).

وهو سبحانه الذي آتاكم من كل مسؤول سألتموه، وآتاكم كل ما تحتاجون إليه على حسب طاقتكم وقوتكم واستعدادكم، وآتاكم أيضاً من كل ما لم تسألوه.

وإن تتعرضوا لتعداد نعم الله التي مَن بها عليكم إجمالاً فضلاً عن التفصيل لا تطيقون إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تستطيعون أن تقوموا بحصرها على حال من الأحوال. وفي تلك الآيات الكريمة، ونظيراتها، يفتح كتاب الكون على مصراعيه فتنطق سطوره الهائلة بنعم الله التي لا تحصى. وتتوالى صفحاته الضخمة الفسيحة بألوان هذه النعم على مد البصر، السماوات والأرض، الشمس والقمر، الليل والنهار، الماء النازل من السماء، والثمار النابتة من الأرض، البحر تجري فيه الفلك، والأنهار تجري بالأرزاق.. هذه الصفحات الكونية معروضة على الأنظار ولكن البشر لا ينظرون ولا يتدبرون ولا يشكرون.

إن الإنسان لظلوم كفار، يبدل نعمة الله كفراً، ويجعل لله أنداداً، وهو الخالق الرازق المسخر الكون كله لهذا الإنسان. والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه، تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء بالقياس الى الإنسان: خط السماوات والأرض يتبعه خط الماء النازل من السماء، والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء، فخط البحر تجري فيه الفلك، والأنهار تجري بالأرزاق.. ثم تعود الريشة الى لوحة السماء بخط جديد: خط الشمس والقمر، فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر: خط الليل والنهار.. ثم الخط الشامل الأخير الذي يكون الصفحة كلها ويظللها: وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.

إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل في مشهد الكون ومعرض الآلاء.

كمال القدرة الإلهية

وبعد، فتلك كانت إطلالة عامة، ونظرة شاملة في تلك الآيات المباركة، ولكن يبقى التأمل الدقيق والوقفات التفصيلية أمام صياغة تلك الآيات وبيانها فلفظ الجلالة مبتدأ، خبره الذي خلق السماوات والأرض والتعبير باللفظ الجليل لتربية المهابة وللدلالة على قوة السلطان، وكمال القدرة الإلهية. والطباق بين السماوات والأرض أبرز كمال تلك القدرة وأكدها. وجمعت السماوات وأفردت الأرض طلباً للتخفيف وتجنباً للثقل في النطق، فإن الجمع الأراضين فيه ما تلحظه من الثقل ولذا تجنب البيان القرآني ذكر الأرض مجموعة، وذكرها مفردة دائمة، وعندما أريد الجمع قيل الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن (الطلاق: 12).

ولقد ذكرت الأرض إحدى وستين وثلاثمائة مرة، منها مائة وستة وسبعون موضعاً جاءت مقترنة بالسماوات، والجملة الله الذي خلق السماوات والأرض استئناف ابتدائي، للاستدلال على ما تضمنته جملة وجعلوا لله أنداداً في الآيات السابقة، فجيء في هذه الآية بنعم عامة محسوسة، وبمظاهر قاطعة لإثبات الألوهية لا يمكن إنكارها إلا أنها تحتاج للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى. وافتتح الخبر باسم المنعم سبحانه، لأن تعيينه هو الغرض الأهم، وأخبر عنه بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب اليه والثبوت له سبحانه، إذ لا ينازع المشركون في ذلك بدليل قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله.

فخلق السماوات والأرض دليل على ألوهية خالقهما وتمهيد لذكر النعم المودعة فيهما، ومنها إنزال الماء من السماء الى الأرض، وإخراج الثمرات من الأرض، والبحار والأنهار في الأرض، والشمس والقمر في السماء، وتعاقب الليل والنهار.

إذن عرفت الآن علة البدء بذكر خلق الله تعالى السماوات والأرض حيث إنهما بما يحويان من نِعَم من أول الدلائل على قدرة الخالق سبحانه، وعلى عظيم نعمه على الإنسان. ومن في قوله سبحانه من السماء ابتدائية، لأن مبتدأ المطر من جهتها.

وقدم الجار والمجرور من السماء على المفعول به ماء للتشويق الى المؤخر، أو لتشريفه، أو لكون السماء مبدأ نزول الماء كما ذكرنا. والتنكير في ماء للنوعية، والمقصود نوع معين منه هو المطر.

والمراد من قوله سبحانه من السماء من جهة العلو، فكل ما علاك سماء، فيدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها، وسمي السحاب سماء لعلوه، ولأنه فوق الأرض التي يمطرها. وتدخل في السماء أيضاً بناء على التأويل السابق الأسباب التي تثير السحاب كالرياح.

وجمعت السماوات في قوله تعالى عند الحديث عن الخلق الذي خلق السماوات.. وأفردت عند الحديث عن الرزق، لأن الغرض والله أعلم بمراده في الأولى لفت النظر إلى دلائل قدرة الله تعالى من خلال الصفحات الكونية المشاهدة وأبرزها خلق السماوات بما فيها من أجرام وكواكب، ولذا كان الملائم في هذا السياق جمع السماوات، لايقاظ الحس والوجدان، وإثارة الفكر والتأمل عند المخاطبين والسامعين. أما إفراد السماء في قوله وأنزل من السماء ماء فالمقصود به السحاب الثقال المملوءة بالماء والمتأمل في هذه الآيات يلحظ أن الإسناد فيها إنما هو للفاعل الحقيقي الله سبحانه وتعالى.

إخراج الثمرات

وقوله فأخرج من الثمرات رزقاً لكم أي أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقاً لكم. ومن في قوله من الثمرات إما أن تكون بيانية كقولك: أنفقت من الدراهم ألفاً، وإما أن تكون للتبعيض كأنه قيل: أنزل لكم من السماء بعضاً من الماء فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، حيث لم ينزل من السماء كل الماء، ولا أخرج بالمطر كل الثمار، ولا جعل كل الرزق ثمراً. ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول (أخرج)، و(رزقا) حالاً من المفعول، أو منصوباً على المصدر من (أخرج) بمعنى رزق. والرزق هنا بمعنى المرزوق وهو شامل للمطعوم والملبوس. وقوله (لكم) صفة لقوله (رزقا) إن أريد به المرزوق، ومفعول به إن أريد به المصدر، كأنه قيل: رزقاً إياكم.

ومعنى تسخير الفلك (تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري في البحر بدون مانع) والتسخير التذليل والسياقة إلى الغرض المختص قهراً كما قال الراغب في مفرداته. وفي (سخر) استعارة تصريحية تبعية حيث شبه جعل الشيء قابلاً لترف غيره فيه بالتذليل والتطويع. وتقديم الجار والمجرور (لكم) على المفعول (الفلك) للاهتمام بالمقدم. ومعنى الجملة: وهو سبحانه الذي ذلل الفلك فجرت على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال بعدها (لتجري في البحر) أي كما ترغبون وعلى ما تريدون (بأمره) أي بإذن الله ومشيئته، وذلك بكف العواصف الهوجاء عنها، وبإعانتها بالريح الطيبة اللينة، وذلك نعمة من الله تعالى كما صرح في آية أخرى بقوله سبحانه: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله.

الخالق المبدع

ويتوالى تعداد النعم الإلهية على الإنسان للدلالة على كمال قدرة الصانع سبحانه وعلمه وتلمح فيها تكرار التعبير قبل بداية كل نعمة بقوله (وسخر لكم) وتعدد الأفعال التي ترجع إليه سبحانه كما في قوله (الله الذي خلق) و(أنزل) و(فأخرج) و(بأمره) و(آتاكم) وهذا كله للتأكيد على نسبة تلك النعم إلى المنعم الحقيقي سبحانه وتعالى وللتأكيد على كمال قدرته وحكمته وعلمه سبحانه، وعليه فإننا يجب أن نربط تفسير ما نراه من ظواهر طبيعية وكونية في عالمنا بالموجد الحقيقي وبالصانع المبدع سبحانه وتعالى وأنا لا أعترض على تفسير تلك الظواهر تفسيراً علمياً، ولكن اعتراضي على الاقتصار على ذلك فقط، لأن للكون خالقاً مدبراً حكيماً قادراً، فتلك المظاهر وهذا الكون لم يخلق عبثاً ولا صدفة كما يقول الملاحدة، فلا بد إذن من ربط العلم بالإيمان. وإن من معجزات هذا الكتاب الحكيم أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس بعقيدة التوحيد. ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء. وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضاً لآيات الله، تبدع فيه يد القدرة، وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر، وفي كل صورة فيه وظل. إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي، ولا في فلسفة (ميتافيزيقية) ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه.. إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون، ومجالي الخلق، ولمسات الفطرة، وبديهيات الإدراك في جمال وروعة.

وإذا تأملت في سر ذكر تلك النعم على حسب ما ورد في الآيات الكريمة تلحظ أنه بدأ بخلق السماوات والأرض، لأنهما أصلان يتفرع منهما سائر ما يذكر بعد، وثنى بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدة تعلق النفوس بالرزق فيكون تقديمه من باب التعجيل بالمسرة. وثلث بذكر الفلك لأن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجواري في البحر، فبالنقل يكثر الربح، واقتصر على تسخير الفلك في هذا المقام اعتناء بشأنها، وبياناً لأهميتها. ولما ذكر أمر الثمرات وما به يكمل الانتفاع بها من حيث النقل، ذكر تسخير الأنهار العذبة التي يشرب منها الناس في سائر الأحيان اتماماً لأمر الرزق. وأخر تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدم من الأمور مع ما بينه وبين خلق السماوات من المناسبة الظاهرة لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزال الماء منها -من السماء- إليها -إلى الأرض- الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار. ولعله هذا وجه آخر لبيان سر ترتيب تلك النعم الإلهية الجليلة كما وردت في الآيات الكريمة.

[email protected]