تنتعش في الأشهر الأخيرة من كل عام، تجارة كتب الأبراج، لدرجة أنها أصبحت جزءاً من طقوس استقبال العام الجديد، وتتنافس الكثير من المكتبات ودور النشر، لحعل تلك الكتب في أفضل صورة، وطباعتها على خامات فخمة .

ويقبل البعض على كتب الأبراج معتقدين أنها ستمكنهم من معرفة ماذا يحمل لهم العام الجديد، ومن الناس من تتوقف حياته ولا يخرج من بيته، إذا لم يقرأ حظه أو يطمئن على طالعه، معتبرين أن التنجيم علم له علاقة بالفلك . بينما يرد علماء الفلك على تلك الادعاءات بأنه لعب على فضول الناس وحبهم الفطري لمعرفة المستقبل .

لماذا يقبل الناس على تلك الكتب، هل يقر علم الفلك ظاهرة التنجيم والتنبؤ بالمستقبل، التي يحاول المنجمون بثها في عقول الناس؟ وهل ما جاء من تنبؤات يدخل في إطار العلم؟

تساؤلات حاولنا الإجابة عنها في هذا التحقيق:

أحمد حمد مسؤول قسم الكتاب العربي بمكتبة دار الحكمة بدبي، قال: إن حركة بيع الكتب الخاصة بالأبراج تنشط خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من كل عام، مشيراً إلى أن غالبية المقبلين عليها من الشباب وتحديداً من الإناث . ويعتبر كتاب كارمن والأبراج من الكتب التي تلقي رواجاً كبيراً خلال هذا الموسم، ويرجع حمد رواج هذا النوع من الكتب إلى أسباب عدة أولها الفضول الذي يطفو على السطح لمعرفة ماذا سيحدث للعالم في العام الجديد، وموقع أصحاب تلك الأبراج من تلك الأحداث .

أما محمود السيد مسؤول قسم الكتاب بمكتبة دبي للتوزيع فيقول: إن معظم الناس يقبل على كتب التوقعات أو الأبراج، من العام للعام مشيراً إلى أن البعض يسأل عن مؤلفات ماغي فرح، وكارمن شماس السنوية، والآخر يسأل عن كتب تفسر الشخصية عبر تاريخ الميلاد .

وحول الكتب الأكثر مبيعاً خلال الشهرين الماضيين يقول: من أكثر الكتب مبيعاً كتاب أعرف شخصيتك من عيد ميلادك للمؤلف يوسف حجاج، وهو كتاب يقبل عليه البعض لمعرفة صفات الرجل أو المرأة، من خلال الأبراج وحركة النجوم وتقلباتها وعلاقتها بتواريخ الميلاد، إضافة إلى التوافق بين الأبراج والنجوم المختلفة .

عن قصتها مع كتب الأبراج والتوقعات تقول سحر محمد موظفة استقبال بهوم ماركت دبي: كانت أختي تدهشني حين تؤكد أن أكثر ما تتوقعه كارمن شماس وماغي فرح لبرجها صحيح، ما جعلني أهتم بالموضوع كثيراً، حتى إنني كنت أتأثر مسبقاً بتوقعات برجي، كما حدث معي في العام الماضي، حيث شعرت بالإحباط قليلاً لأن برج الأسد غير مستقر وسيواجه صعوبات كبيرة، لكنني اكتشفت حين متابعة تطورات برجي عدم صدق كل ما يكتب عنه، ولم يصدق أي توقع أو تتحقق أي حادثة مكتوبة، فتكونت في داخلي قناعة تامة بأن كلام الأبراج غير صحيح، وأقلعت عن عادة شراء الكتب هذا العام .

أما ريما عوف مشرفة أغذية بمطعم للمأكولات البحرية بالشارقة فتقول: شراء كتب الأبراج أصبح بالنسبة لي عادة سنوية، لأني أؤمن بأن الإنسان بطبيعته يندفع نحو كشف المجهول، بغض النظر عن صدقها أو كذبها، مضيفة أن الخوف من الإخفاق، ومحاولة إدراك أوقات النجاح، أهم ما يدفع الإنسان للاهتمام بتوقعات الأبراج المتوافرة له بعدة وسائل، لأنها من وجهة نظرها تضع أمامه ما يشبه المخطط المسبق لحياته والظروف التي سيواجهها، فإذا كانت إيجابية يتفاءل، وإذا كانت سلبية يتناساها ويحاول تفاديها .

وسام عمار مهندس معماري أكد أن البحث المسبق عن التفاؤل والتفوق، للوصول إلى واقع أفضل يجعل نسبة كبيرة من الشباب تعيش داخل الأحلام هرباً من الواقع معتمدين على ما تقوله لهم النجوم، وتصبح كتب الأبراج عند البعض وسيلة جديدة للحصول على الأمل بتغييرات إيجابية فقط . ويضيف: أؤمن بمقولة كذب المنجمون ولو صدفوا، لذلك لا أعتقد إطلاقاً بصدق كلام الأبراج مهما تعددت الآراء مضيفاً أن هذه الكتب برأيه تستغل خوف الإنسان الدائم من المجهول .

ويعيد الكاتب نادر زين الدين مؤلف كتاب حياتي وتفسير الأحلام الذي توزعه إحدى دور النشر بالدولة، إقبال الناس على شراء كتب الأبراج والتوقعات في الأسابيع الأخيرة من نهاية العام، إلى رغبة الناس في استقراء الغيب، وفيما يتعلق بالتنبؤات التي تؤخذ عن طريق قراءة حركة الأجرام السماوية، فيرى أنها تكهنات لا تدعمها الحقائق، لأنه من المستحيل أن يتمكن فرد من معرفة حركة هذه النجوم، لذا فكل ما يقال له عن هذه القضية ما هو إلا افتراء، يعتمد على جهل هذا الإنسان بحقيقة حركة هذه النجوم .

المهندس محمد العصيري رئيس جمعية هواة الفلك العربية أوضح أن كتب التوقعات والأبراج تبيع الكذب الجميع ويقبل عليها الناس للتسلية أما التنجيم فعملية احصائية يدرس خلالها المنجم الوضع الاجتمعي والاقتصادي والسياسي للمنطقة التي يعيش فيها .

الدكتورة ندى عبد الرزاق أستاذة علم الاجتماع، ترى أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المستقبل والتوقع لما سيحدث له فيه، بالرغم من أن البعض يبرر هذا الأمر بالتسلية والبعض الآخر بالفضول، وآخرون يثبتون صدق أقوال كتب التنجيم والابراج و العرافين بربطه بأحداث حصلت لهم بالفعل .

وتلفت إلى أن موضوع كتب الأبراج والتنجيم تطور بتطور وسائل الإعلام، التي تفرد له الصفحات فى المطبوعات، وتخصص له القنوات الساعات .

الدكتور تيسير حسون أخصائي الطب النفسي، تحدث عن ظاهرة اللجوء للمنجمين قائلاً: الانسان منذ وجد على هذه البسيطة يخشى الموت والفشل، وهو خوف أزلي يتفرع عنه قلق تصحبه رغبة شديدة في معرفة ما يخبئه الغد، لمحاولة تفادي أي مصير سيئ، وجميع أساليب التنجيم من قراءة الكف، والضرب في الرمل، وقراءة الطالع، والأبراج والتنبؤات، تلعب على وتر خوف الإنسان المستقبل، مشيراً إلى أن جميع الناس وبدرجات متفاوتة لديهم رغبة في معرفة الغيب، وإيمانهم بهذا الأمر يتفاوت لكن القاسم المشترك الذي يجمعهم هو معرفة ماذا سيحدث لهم غداً .

ويلفت حسون إلى ان هذا الأمر غير خاضع للقانون العلمي الذي يتألف من سبب ونتيجة وقابل للتجريب والاختبار، أي أن النتائج تعطى من دون وجود سبب، أو يوجد سبب ولا توجد نتيجة، مضيفاً أن بعض حالات القلق التي يعيشها بعض الأفراد تزيد من رغباتهم بهذا الأمر، ويعجب حسون من أن كثيرين من أصحاب الدرجات العالية من الثقافة والتعليم يدخلون هذه الدوامة، ومنهم من يبرمج حياته حسب ما يقوله لهم الطالع أو الفلكي .