من رحم العذاب والنضال ولدت حروف الأديبة والإعلامية سلوى التميمي . فمنذ كانت طفلة جعلها فقد الأم أولاً ثم الأب، لتتحمل مسؤولية الاهتمام بأشقائها، كان عليها أن تعمل وأن تدرس في الوقت نفسه، أدت مهمتها على أحسن ما يكون ثم ناداها القلم إليه . تتلمذت في الصحافة على أيدي عمالقة وكان هاجسها القضية الفلسطينية من منطلق هويتها وارتباطها بالقضايا العربية، خصوصاً الاجتماعية والثقافية . كتبت مئات التحقيقات في هذه المجالات على رفض كبير لما يسمى بالأقلام النسائية، أدباً ورواية وشعراً، اعتباراً من أن الإبداع إنساني بالدرجة الأولى لا يعترف بجنس وعمر وجغرافيا . كتبت روايتها الأولى الآتي من المسافات . . ربما بغير قصد أخبرت تجربتها، ثم قطر في صباح دافئ أعلنت فيها وعلى لسان أبطالها أن الظلم والظلام إلى زوال، وأخيراً في مجموعتها القصصية حذاء صاحب السعادة إضاءة على المشهد السياسي والاجتماعي العربي بسواده وانحطاطه، لتؤكد في النهاية أن الآتي من المسافات سوف يصل عاجلاً أم آجلاً .
أديبة وصحافية ارتحلت من فلسطين إلى القضية القلم
سلوى التميمي: بانتظار "الآتي من المسافات"
بيروت - البير خوري:
كتبت الرواية . انقطعت عنها إلى الإعلام المكتوب ثم عدت إلى ما تعتبرينه إبداع حروفك . من أين البداية؟
أحياناً يصعب تحديد البداية . يخيل إليّ أنني ولدت والقلم بين أصابعي . فلطالما عشت الأحداث والصور التي لا تتعب مخيلتي من عبورها وحتى قبل أن تتمكن أصابعي من صياغتها حروفاً وكلمات .
هو الحلم الذي وجدت نفسي مسكونة به والذي أصبح هاجسي الوحيد . كتبت القصة طفلة كما كتبت الرواية على دفاتر المدرسة، وما أزال أذكر أول قصة لي نشرت في مجلة سعودية قافلة الزيت وكنت حينها طالبة في المرحلة الثانوية وكانت المكافأة شيكاً تضمن رسالة شكر من الإدارة وقد تسلمتها مديرة المدرسة لتشكل مفاجأة لها ولي . لم تكن ظروفي تسمح لي بترف تحديد الخيار . فقد تحملت مسؤولية الأسرة باكراً وقبل أن أتخرج من المدرسة إذ رحل أبي إثر أزمة قلبية كما رحلت أمي بعده بعامين تقريباً إثر صراع مرير مع مرضى السرطان . عرفت الوجع والحزن، وعشت صقيع الغربة حتى وأنا في قلب ضجيج الناس والحياة . ربّما هو قدري أيضاً حدّد عني الخيار لأبدأ مسيرتي العملية مع القلم فور تخرجي من المدرسة لأعمل في الصحيفة اليومية العريقة الدفاع وكانت تصدر في العاصمة الأردنية، عمان، وفيها تتلمذت على يد كبار الصحافيين آنذاك، صاحبها المرحوم إبراهيم الشنطي والمرحوم محمود الشريف والمرحوم إبراهيم سكجمّا ويوسف حنا وغيرهم من عمالقة الصحافة الذين تناوبوا على إدارة تحريرها . لم تسرقني الصحافة من الأدب والإبداع . فإذا كان الإبداع حلمي، كانت الصحافة قدري . وحتى اللحظة عجزت عن احتضان الحلم كلياً لأتصالح مع نفسي والتقيها . الصحافة والأدب توأمان متلازمان في حياتي .
هناك قضية سياسية مركزية تكاد تحتل ثلاثة أرباع حروفك والربع الباقي تستغلينه في معالجة القضايا الاجتماعية من خلال تحقيقات ميدانية . ماذا لو نتحدث عن مركزية فلسطين في اهتماماتك الأدبية وكتاباتك والقضايا الأخرى وخصوصاً ما صار يسمى الأدب النسائي . الرواية النسائية . القصة النسائية؟
فلسطين بالنسبة لي ليست مجرد قضية حق ووطن وعذابات شعب توزعت أشلاؤه في المنافي . ولا هي قتل الضمير أو انتحاره لدى الكثيرين أو غيابه وتغيبه، وليست صلباً لكل مفاهيم الحق والمنطق والعدالة . فلسطين هي القلب والنبض والشرايين . ربما هذا هو سرّ بقائها فينا حتى اليوم على قيد الحياة، وربما هذا أيضاً ما يبقينا أحياء فيها رغم ما تعرضنا ونتعرض له من كل أشكال الإبادة والقتل والتجويع وبشاعة السطو والتنكيل والسلب والتفريغ إلى جانب التركيع الذي هو الصورة الأبشع .
من الجنوب اختصار فلسطين بحروف أو كلمات كما هو الجنون بعينه ما تتعرض له اليوم من بتر وتشويه وتقزيم وإعادة تركيب وتشكيل على أيدي تجّار السياسة وممتهنيها . أولئك الذين يتوالدون على ضفافها كما الطحالب والفطريات مستفيدين من عفن المستنقعات وتفسخّاتها . وللأسف يؤخذ أدبنا اليوم معظمه يصبح صورة عن واقع هذه المستنقعات العفنة التي تحاصرنا وتخنقنا وتكاد تقتلنا كقيم وأخلاق . في زمن مضى كان للأدب نكهة برتقال يافا وعبق ياسمين نابلس . كان هناك غسان كنفاني وإبراهيم طوقان وغيرهما كثير، وكانت الكلمة والصورة تحلّق بك في سماء وطن لا حدود له . تشعرك بقيمتك كإنسان وأيضاً بقدرتك واحترامك لنفسك وكان الأدب مرادفاً لهذا الإنسان مضيئاً على ذاكرته وحلمه ومستقبله . كان باختصار هو الثروة التي تصنع هذا الإنسان . اليوم ياللأسف نشهد قتل الكلمة كما الصورة كما الإنسان . وإن كان ثمة من لايزال يقبض على هذه الكلمة بمجامع قلبه وأصابع يديه وقلمه . حرية الفكر لا تعني تفريغ الكلمة من مضامينها ولا تغريبها وإجهاضها واللهث وراء سريالية حديثة يراد لها حجب الرؤيا عن قلوبنا وعقولنا . فلسطين ليست قضية سياسية وإنسانية فقط، إنما قضية جامعة عناصرها فكر وقيم ومضامين . وفلسطين ليست قضية فلسطينية فقط بقدر ما هي عربية أو يجب أن تكون عربية صوتاً ونبضاً وحضناً وراقداً وبمعنى الشارع العربي العريض بكل أطيافه وتركيباته . لذا حين أكتب وأنا الفلسطينية العربية أكتب بهذا النبض والعشق ولكل الأهل في مساحات الوطن العربي الكبير .
أما ما يسمى بالأدب النسائي فهذه تصنيفات عفا عليها الزمن واستهكلت تماماً، فالإبداع هو الإبداع ومقولة أن المرأة أكثر تعبيراً وأصدق عن أحاسيس المرأة أو معاناتها ليست إلاّ ثغرة أرادوها لخطف الإبداع إلى ضفة أخرى غريبة وهجينة . ليس هناك منافسة بين أجناس المبدعين وإنما في الإبداع نفسه .
ذكرت مرة أنك امرأة بلا وطن . . ربما تبحثين عن وطن وهوية . ألا ترين في اهتمامك الفلسطيني ما يتناقض مع فكرة البحث عن وطن هو في كيانك وذاتك وعاطفتك وجسدك؟
حقيقة أنا امرأة مسكونة بهاجس الوطن وأفتقد الإحساس بالأمان . لم يغادرني حسّ الغربة منذ ولدت رغم كل تلك السنوات التي استهلكت أجمل سنوات عمري . شعور بالغ القسوة أن تفتقد دفء الحضن الذي أعطيته نبض قلبك وشبابك ووضعته تيمة في عنقك . والأكثر قسوة ألا تجد مساحة لاحتضان بعض حزنك في واحة كبيرة رسمت فيها أكثر من قلب ووردة . هذه هي الغربة الحقيقية محبطة أحياناً وموجعة دائماً . ولكن ما يعزّيك أن هذه الأرض طيبة أكثر مما تظن وأن زرعك سيثمر يوماً أكثر من حضن ووطن .
إذا لم تكن فلسطين وطنك فلماذا لا يكون لبنان وفيه ولدت سلوى الكاتبة والإعلامية والروائية والزوجة والأم، وأيضاً المناضلة لاستعادة فلسطين وبقاء لبنان؟
الحقيقة أنني ولدت ككاتبة وإعلامية في الأردن . فيه تشكل وعيي الثقافي ونبض قلمي، وفيه تعلمت الصحافة في مطبخها الحقيقي في أعرق الصحف حينها مثل الدفاع والدستور، لكن نضجي كصحافية وأديبة تحقق في لبنان وفيه أمضيت معظم سنوات عمري ولبنان بخصوصيته الثقافية منحني أبعاداً كثيرة وزخماً خاصاً لا يمكن أن يعرفه إلاّ من اختبر وعاش واقع هذا الوطن الصغير الكبير الذي كان ولايزال وطناً للجميع . فلبنان على صغره يبقى هو الحضن الكبير القادر على استيعاب ثقافات العالم وأقلام أحراره، وهو في صحافته المكتوبة أيضاً مدرسة عريقة .
في لبنان ولدت روايتي الأولى عن الحرب الآتي من المسافات وبطلها عمر ذلك الشاب الثائر الذي ينتمي لصفوف المقاومة اللبنانية ومن خلاله تتنقل الرواية على جبهات القتال ومواقع الاشتباكات في تفاصيل تضيء على الوجه الإنساني الحقيقي لأولئك الشباب على اختلاف أطيافهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية لتقول في النهاية إنهم واحد في الهم والحب والوطن . وليطرح السؤال لماذا هذه الحرب الملعونة؟
روايتي الثانية مطر في صباح دافئ أعادت تشكيل السؤال من خلال طرح إشكالية التبعية والقرار وأزمة القيادة واستغلال الكثير من الرموز لمواقعهم . كما أضاءت على الكثير من السلبيات مما عرّضها للانتقادات من بعض الأقلام .
أما الرواية الثالثة عن الحرب فيعود فيها البطل نفسه عمر ليكون شاهداً وشهيداً على مجازر صبرا وشاتيلا ورحيل المقاومة الفلسطينية في حوارية ثنائية مع طفلة صغيرة في السابعة يلتقيها ما بين أكداس الجثث تبحث عن إحدى رفيقاتها . والجديد هنا تلك التداعيات لأحداث الحرب والاجتياح الصهيوني للعاصمة بيروت عام ،1982 ولتصدي المقاومة وصمودها إلى ان استشهد البطل عمر الذي أعاد تشكيل السؤال ومن خلال الطفلة نفسها والسؤال الصعب: أين رحل الناس والأهل ولماذا؟
قد تكون تلك العلاقة الإنسانية والدافئة بين شهيد وطفلة هي الأكثر تعبيراً عن الوجه الإنساني والذي هو أكثر عمقاً وتجذراً لدى الثائر من أي إنسان عادي .
من خلال بعض كتاباتك يكتشف القارئ دفاعاً عن حقوق وقضايا المرأة حينا، وأغلب الأحيان تهاجمين الحروف الانثوية وإدعاءاتها كأنك تجعلين المرأة عدوّة ذاتها . كيف تفسرين ذلك، وما هي المآخذ على ما يسمونه زوراً الأدب النسائي خصوصاً في السنوات الأخيرة؟
تحرر المرأة لا يعني تحويلها إلى سلعة . وفي مقارنة بسيطة ما بين المرأة اليوم وفي السبعينات مثلاً نجد انها كانت أكثر حرية وشفافية وأكثر التزاماً ومسؤولية وفاعلية . كان لدينا رائدات وقائدات في الفكر والأدب والسياسة وكان المقياس الحقيقي لكفاءة المرأة عقلها وعلمها وقدرتها على العطاء . وحتى ما قبل السبعينات كانت المرأة أكثر تحرراً منها اليوم . هي اليوم أسيرة ومستعبدة لنموذج مفرّغ من كل المضامين يطاردها في الشارع وفي الإعلانات وعبر شاشات التلفزة وحتى في الأدب والمجلات والفنون بغالبيتها . خلطة هجينة وعجيبة وأشبه بالسريالية جعلت المجتمع العربي ككل وليس المرأة فقط يعيش دوامة الضياع وأزمة البحث عن الهوية!
يبدو أنك تعيشين ثورة داخلية، سياسية وثقافية، على ما تشهده الساحة العربية من تدهور على كل المستويات . ألا ترين أن هذا الاستياء المزاجي، إذا جاز التعبير، قد ينعكس سلباً ويطيح بكل أمل لدى القارئ الجديد إن بقي قراء، ويأخذه إلى الانترنت وملحقاته، ما يجعل الثقافة بكل أنواعها أسيرة الصورة الفاضحة والكلام العبثي غير المسؤول؟
لا أعتقد أن الانترنت وملحقاته وحده المسؤول عن هذا الانهيار الذي نشهده . كلنا مسؤول بقدر . خاصة أصحاب القلم لأن الكلمة تبقى السلاح الأكثر فعالية . وهي التي تعيد للأدب اعتباره بعد ما شهده من تقزيم وتشويه واختزال في مشاهد مبتذلة وساقطة، كما ان الكلمة هي التي ستعيد للإعلام المرئي دوره ومكانته، وهي التي ستوقظ في المرأة احترامها لجسدها وعقلها وإعادة صياغة القيم من جديد . في قناعاتي ان هذا الانهيار قد بلغ ذروته وأصبح مكشوفاً وعارياً وعاجزاً أيضاً على إعادة الأمور إلى نصابها . هناك أقلام وعقول مبصرة وأُمهات وأصوات مضيئة . وثمة أمل هنا وهناك وإشارات وخطوط لمشهد قادم ربما لن يكون بعيداً . دائماً هو الأمل ولولاه لما استمرت الحياة ولما كان هناك عطاء وإبداع .
بعد مجموعتك القصصية الأخيرة حذاء صاحب السعادة، هل من جديد يضيف لرصيدك ذكريات وذاكرة امرأة مناضلة على كل الجبهات؟
مجموعتي القصصية حذاء صاحب السعادة تضيء في معظمها على المشهد السياسي والاجتماعي الذي نعيشه وعبر مراحل زمنية، متقاربة حيناً ومتباعدة أحياناً . لقد غبت طويلاً وقسراً عن المشهد الأدبي، ولاأزال حتى اللحظة أحاول جاهدة استرداد حريتي والوقوف على قدمي من جديد . اعترف ان الواقع أصعب بكثير مما ظننت، فأنا اليوم أحاول ولا أدري إن كنت قادرة فعلاً على تخطي الحصار . فما اختزنه من وجع وتجارب يستحق المحاولة وربما كان أكبر من طاقتي وقدرة قلمي على التعبير . حقيقة لا أدري متى تكون الولادة الجديدة وكيف؟!
* * *
تقصي رحلة كسوة الكعبة من مصر إلى الحجاز
"دروب الحج" لغة خاصة عبر التاريخ
القاهرة - الخليج:
لدروب الحج لغة خاصة، تأتي من أعماق التاريخ، وتترك آثارها على الأماكن، وهي آثار تشهد على التحولات والأحداث، التي رافقت تقليداً مصرياً قديماً عرف ب المحمل غير أن هذا الاسم يختزل كثيراً من الحكايات والأسرار، التي عاشت في قلوب المصريين منذ لحظة صناعة كسوة الكعبة المشرفة حتى لحظة الوصول إلى أم القرى .
ويسعى الكاتب محمد علي السيد إلى تقصي الآثار على هذه الدروب المؤدية إلى الحجاز، في كتابه من دروب الحج في مصر الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، حيث يبدأ من شجرة الدر التي حكمت مصر لمدة 80 يوماً، وبعد معركة المنصورة التي أسر فيها الملك لويس التاسع، قائد الحملة الصليبية على مصر آنذاك، قد اتجهت شجرة الدر مبتعدة عن صراع الحكم إلى القدس عن طريق سيناء وغزة، فمرت بطريق قرية بركة الحج في شمال شرق القاهرة، وهي القرية التي أنشئت عندما مد عمرو بن العاص، سنة 22 هجرية، خليج أمير المؤمنين، من الفسطاط إلى السويس، واعتبرت أول محطة على طريق الشرق في مصر .
وكانت شجرة الدر قد أمرت بتجهيز كسوة باسمها، وجهزت محملاً، زينته بالذهب والفضة ليقود قافلة الحج إلى مكة التي لم تستطع السفر إليها، لأن الخليفة العباسي في بغداد لم يرض بحكمها كامرأة، لكنها سيرت الكسوة والمحمل وأمرت بتعمير منطقة بركة الحج لتكون أول محطة على درب الحج المصري، توفر الراحة للحجاج والتجار، وكل مستلزمات الحج من دواب وطعام وماء وملابس .
وبعد 19 عاماً من هذا التاريخ سافر على الطريق ذاته الظاهر بيبرس بعد 16 عاماً من حكمه مصر، ليؤدي فريضة الحج، وكان قد منح العربان عطايا سنوية، بقصد حماية الحجيج، وعلى الطريق ذاته قام السلطان قانصوة الغوري بإعمار درب الحج، فأنشأ قلعة عجرود، في منتصف طريق القاهرة السويس، ويتولى الأدلاء عبورهم حتى يصلوا إلى إيلات، ومنها إلى العقبة في الأردن .
البداية الحقيقية لدروب الحج كما يقول المؤلف تبدأ من عند دار الكسوة الشريفة في الخرنفش في القاهرة، وهي آخر دار تم تطريز الكسوة فيها، ومنها كان يخرج المحمل، الذي يطوف أرجاء القاهرة، ويستعرضه الحكام وكبار رجال الدولة قبل خروجه إلى بركة الحج، وظل هذا التقليد متبعاً منذ أن أرسلت شجرة الدر الكسوة والمحمل إلى الحجاز حتى أنشأت المملكة العربية السعودية مصنعاً خاصاً بذلك بالقرب من الكعبة .
يذكر أيضاً أن هذا التقليد غاب لمدة ثلاث سنوات أثناء الحملة الفرنسية على مصر، فلم يتمكن المصريون من تنفيذ المحمل وحمل الكسوة إلى الكعبة بسبب وجود الفرنسيين الذين أرادوا إرسالها باسم المشيخة الفرنساوية تملقاً للمسلمين، وقد تمت تعرية الكعبة من كسوتها خلال سنوات الحملة الفرنسية الثلاث، كنوع من تذكير المسلمين بما أصابهم من اعتداء على أحد أطراف الدولة الإسلامية، إلى أن قرر محمد علي أن يتم الصرف على تطريز الكسوة والمحمل من أموال الحكومة المصرية، بتخصيص وقفية لذلك عبارة عن عائد زراعة عشر قرى .
والمحمل كما يذكر الكاتب عادة عربية قديمة، ارتبطت بوجود الجمال في شبه الجزيرة العربية، واستخدم منذ زمن قديم في الحج إلى الكعبة المشرفة، ويقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي أول من سير المحمل الشامي أعوام ،72 ،73 74 هجرية، كنوع من الصراع السياسي لمواجهة عبدالله بن الزبير، الذي أعلن دولته في مكة، منازعاً عبدالملك بن مروان الذي أعلن خلافته من دمشق .
ويذكر المؤلف أن تاريخ الكسوة مع الإسلام بدأ منذ فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، وكان على الكعبة كسوة، لم يستبدلها النبي صلي الله عليه وسلم لكن سيدة قامت بتبخير الكعبة، فأشعلت النيران في كسوتها فكساها النبي صلي الله عليه وسلم بكسوة جديدة من الثياب اليمنية، وقيل القباطي نسبة إلى مصر .
وفي عهد عمر بن الخطاب كانت تنزع كل عام، لتلقى على الأشجار في موسم الحج، ليستظل بها الحجيج، ثم تضم إلى بعضها بعضاً، حتى تبلى فيتم دفنها، إلى أن نصحته السيدة عائشة ببيعها والاستفادة بعائدها في سبيل الله وخدمة الكعبة ففعل .
والقباطي المصرية هي نوع من الأقمشة المعروفة قبل الإسلام، تنسج من الكتان، وفيها زخارف كتابية دائرية ملونة . مشهورة بدقة الصنعة، وأخذت اسمها من أقباط مصر الذين اشتهروا بصناعة هذه الأقمشة، منذ أيام الفراعنة، وكانت ولا تزال الكسوة منذ بناء الكعبة في الجاهلية، واجباً دينياً، يحرص الجميع على التشرف بتنفيذه، ويذكر أن العثمانيين حاولوا استغلال الكسوة، لإعلان بسط هيمنتهم على المنطقة العربية، فبعد سقوط حكم السلطان قانصوة الغوري وهزيمتهم في موقعة مرج دابق هدد العثمانيون بأنهم سيرسلون محمل الحج والكسوة من عندهم، فأسرع طومان باي خليفة الغوري بإرسال الكسوة والمحمل إلى الحجاز باسمه، عن طريق البحر من ميناء الطور، لكن ذلك لم يمنع هزيمته وشنقه بعد ذلك بشهور، وبدأت دولة العثمانيين عندما دخلوا القاهرة .
* * *
صناعة القرار "الإسرائيلي"
صدر حديثاً عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاب جديد بعنوان صناعة القرار الإسرائيلي: الآليات والعناصر المؤثرة للمؤلف كريم الجندي .
ويحاول الكتاب، الذي ترجمته عن الإنجليزية أمل عيتاني وراجعه د . حسن صالح، فهم عملية صناعة القرار الإسرائيلي، وتحديد أهم عناصر القوة والضعف فيها، ويسعى إلى سد ثغرة في الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع، من خلال استقراء منظومة العوامل الداخلية والخارجية وتداخلاتها . وهو يتميز عن العديد من الدراسات السابقة بمحاولته اعتماد مقاربة شاملة لعملية صناعة القرار من دون التركيز فقط على عملية صناعة القرار في أثناء الأزمات .
ويشرح الكتاب، الواقع في 271 صفحة من القطع المتوسط، كيفية تشابك العوامل والقوى داخل المجتمع الإسرائيلي لتضغط على آلية صناعة القرار، وعلى الطريقة التي تؤخذ بها القرارات المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية . كما يتطرق إلى طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وكيف تؤثر هذه العلاقة في عملية صناعة القرار الإسرائيلي، وإلى العلاقة بين إسرائيل والمجتمعات اليهودية في الخارج .
ويشير إلى أن آلية صناعة القرار فيها عملية معقدة، تحكمها المكانة الشخصية بدرجة عالية، وهي مسيسة إلى حد كبير، بالإضافة إلى كونها عملية مائعة وغير رسمية لا تحكمها سلطة واضحة وشاملة .
ويضيف أن هذه الآلية تتأثر بالمؤسسات والأفراد ذوي النفوذ من خارج الإطار الرسمي لصناعة القرار، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالبيئة الخارجية المعقدة التي تحيط ب إسرائيل، موضحاً أن التوازن بين هذه العوامل المحلية والخارجية المختلفة هو الذي يقرر في نهاية الأمر أي سياسة يجب اعتمادها، ويختلف الوضع باختلاف طبيعة القضية المتناولة ومضمونها وظروفها وأبعادها وتوقيتها .
وتجدر الإشارة إلى أن النص الأصلي للكتاب، والمعدّ باللغة الإنجليزية، صدر ككتاب إلكتروني عن مركز الزيتونة، قبل صدور الترجمة المطبوعة بوقت قصير، وهو منشور على الموقع الإلكتروني للمركز.