لا تكتمل السعادة الحقيقية للزوجين إلا بعدما يرزقهما الله تعالى بأول مولود فيملأ حياتهما سعادة وبهجة وحيوية فينطلقان معه في الاستمتاع بمشاعر الأبوة والأمومة . . وحين يتوالى الأبناء يزداد الزوج والزوجة ارتباطاً ببعضهما بعضاً، إلا أن بعض الأزواج يقلبون بيت الزوجية إلى جحيم، إذ نغص حياتهما حلم يراود الزوج بأن ينجب ذكراً وأحياناً تكون الرغبة في إنجاب الذكور من المرأة نفسها إشباعاً لرغبة داخلها أو إرضاء لزوجها، وعندما يفشلان في تحقيق هذا الحلم تبدأ الخلافات، ويتبادلان الاتهامات، وربما تصل بهما المنغصات إلى حد الطلاق، وبعد أن كان بيتهما هادئاً ومستقراً ينقلب الحال رأساً على عقب بسبب إنجاب البنات، خاصة بعد تعدد البنات وتلاشي حلم الحصول على ذكر .

طرحنا قضية كراهية إنجاب البنات على عدد من أساتذة الشريعة الإسلامية وأساتذة علم النفس والاجتماع للوقوف على موقف الشرع من الزوج (أو الزوجة) الذي يحول حياته وحياة أسرته إلى جحيم بسبب عدم إنجاب طفل ذكر، والتأثيرات السلبية نفسياً على أفراد الأسرة نتيجة سيطرة الشعور الجاهلي بكراهية البنات عليه . . فماذا قالوا؟

في البداية تؤكد أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، د .نجوى الفوال، أن الزوج والزوجة اللذين يريدان أن يبنيا بيتاً سعيداً يحرسه الخالق ينبغي عليهما أن يرضيا بكل ما قسمه الله لهما من رزق وأبناء وحتى إن لم يرزقا بأبناء على الإطلاق، فلا بد أن يساعد كل منهما الآخر على الرضا بما قدره الخالق وأراده خاصة ونحن نرى الآن الابن الذي يقتل والده من أجل الزواج من فتاة، أو من أجل المال، أو لغير ذلك من الأسباب، وكذلك تفعل بعض البنات .

ثقافة ذكورية

وتقول: الواقع الذي نعيشه يؤكد أن هناك ثقافة ذكورية لا تزال تسيطر على مجتمعاتنا العربية ولم تنجح جهود التوعية الدينية والاجتماعية والإعلامية في تغييرها، فما زال الآباء يفضلون الذكور، ويرون أن إنجاب البنات عبء ثقيل عليهم، بل إن بعض الآباء الذين يعيشون في مجتمعات ريفية تحكمها عادات وتقاليد متوارثة يشعرون بالخجل لإنجاب البنات .

والغريب أن بعض الأمهات في هذه البيئات يشاركن الآباء في ترسيخ هذه الثقافة الذكورية حيث يبدين اهتماماً أكثر بالذكور ويفضلنهم على الإناث في المأكل والمشرب والملبس وفي الرعاية الاجتماعية، وهذه السلوكيات الخاطئة من الآباء والأمهات تكرس الثقافة الذكورية التي يجب أن نحاربها لتستقر بيوتنا، فالمرأة عنصر مهم في المجتمع، ولا يمكن أن تستقر حياة رجل من دون زوجة تملأ عليه حياته .

وتضيف الخبيرة الاجتماعية: الواقع الذي نعيشه يقدم لنا صوراً ونماذج عديدة لأبناء ذكور لم يسعدوا آباءهم بل على العكس كانوا نقمة ووبالاً عليهم وفي المقابل نجد إناثا كأفضل ما يكون عليه البر بالوالدين، فهذا أمر متعلق بالتربية التي نربي عليها أبناءنا .

وتشير د .نجوى الفوال إلى أن الاعتقاد بأن الأبناء الذكور هم الذين يتولون رعاية الآباء في شيخوختهم خطأ كبير يرتكبه الأب في حق نفسه، لأن ما يفكر فيه ما هو إلا ميراث ثقافي متخلف يرجع إلى تدني مستوى التعليم وانخفاض الوعي الثقافي بل والديني أيضاً، وتستنكر د . نجوى سلوك هؤلاء الآباء الذين يفضلون إنجاب الذكور على اعتبار أن تربيتهم أخف وأهون من تربية الإناث، حيث المخاوف على العرض والشرف، وتقول: للأسف هؤلاء نسوا أن هناك بنات رفعن من شأن أسرهن وكن صالحات مشرفات، وفي المقابل يوجد ذكور يسيئون إلى أسرهم فالأساس هنا هو التربية وكما يربي الأب أبناءه سيجدهم .

خطأ شائع

أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، د .محمد غانم، يرى أن تفضيل إنجاب الذكور رغبة متأصلة في معظم الأفراد على اختلاف مستوياتهم العلمية والاجتماعية إذ يلجأ الزوج بعد فشل زوجته في أن تنجب له الذكور إلى الزواج من أخرى لعله يحقق أمنيته في أن يجد له امتداداً بعد موته رغم أن العلم الحديث أثبت أن الرجل هو المسؤول عن تحديد نوع الجنين .

ويقول: الرغبة في إنجاب طفل ذكر رغبة مشروعة ولا ينبغي تجريم هذا الشعور والسعي الشرعي لتحقيق هذه الرغبة . لكن ما هو مرفوض ومجرم شرعاً وعرفاً وقانوناً هو تحميل الزوجة مسؤولية ذلك والإساءة إليها بسبب إنجاب البنات كما هو شائع بين شريحة كبيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية .

ويرى الدكتور غانم أن الآباء الذين لم ينعم الله عليهم بالذكور ولم يرضوا بذلك يعانون مشكلات نفسية عديدة قد تنغص عليهم حياتهم فيعيشون في نكد أو قد يدفعهم الأمر إلى ارتكاب جريمة أو يعامل زوجته أسوأ معاملة فتسوء حالتها النفسية وقد يؤدي ذلك إلى انتحارها .

ويضيف: أما الذين يرضون بما قسمه الله لهم فيعيشون في سعادة وراحة نفسية تنعكس على حياتهم بالأمن والاستقرار فتنشأ بناتهم وهن متفوقات حافظات لجميل الآباء وعلى البر بهم بعكس الفئة الأولى، حيث يتولد لدى البنات شعور بأنهن غير مقبولات من آبائهن وينعكس ذلك على حياتهن المستقبلية، وكذا الذكر وسط هؤلاء البنات يفشل نتيجة التدليل الزائد الذي يلقاه .

ويكشف الدكتور غانم الأسباب النفسية التي تؤدي إلى تنامي هذا الشعور والرغبة في إنجاب الذكور خاصة لدى الآباء، ويقول: للأسف مجتمعاتنا العربية ما زالت ذات ثقافة قبلية تعتمد على أن الذكور هم الذين يحملون اسم العائلة ويتسببون في استمرارها ويرثونها في كل شيء، وهنا يظهر الدافع النفسي لدى الكثير من الآباء في الرغبة في عدم إخراج الميراث المادي من حيز الأسرة إلى أسرة أخرى لأن عدم وجود الذكر يجعل الميراث ينتقل إلى البنت التي تتزوج من آخر ومن ثم إلى الزوج وهذا ما يفسر إصرار بعض الأسر على عدم توريث الإناث حتى يومنا هذا رغم مخالفة ذلك للشرع والقانون .

جهل فاضح

أما الدكتور عبد الله، النجار أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية، فيرى أن أهم الخصال التي لا بد أن يتحلى بها البيت الذي يحرسه الخالق الرضا بكل ما يصيبنا في هذه الدنيا والإيمان بالقضاء والقدر . . ويقول: يجب أن يرضى المسلم بما قسمه الله له، وينبغي أن يكون فرحه بالأنثى أشد من فرحه بالذكر، مخالفة لأهل الجاهلية الذين وأدوا البنات وشعروا بالعار من إنجابهن . . يقول الله تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون .

ويضيف: إن كراهية البنات ووأدهن إجرام وجهل فاضح ورفض صارخ لإرادة الله ومشيئته، فتحديد نوع المولود لا دخل للأب ولا للأم به فحكمة الله - سبحانه وتعالى - اقتضت أن يتنوع الإنجاب داخل الأسرة الواحدة بين بنين وبنات أو يقتصر على نوع منهما، أو قد يكون الإنسان عقيماً لا ينجب والإنسان العاقل يأخذ بالأسباب ويدع العواقب لله سبحانه وتعالى فهو أحكم الحاكمين، فالله سبحانه وتعالى يقول: لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير .

وينصح د .عبدالله النجار هؤلاء الأزواج بالتعقل والتخلص من هذه المفاهيم الخاطئة التي تسيطر على عقولهم، وأن يرضوا بما قسمه الله لهم وأن يكفوا عن الإساءة إلى زوجاتهم سواء كان ذلك بالاعتداء عليهن أو توبيخهن أو جرح مشاعرهن أو تطليقهن .

وينتهي د .النجار إلى أن الأولاد رزق وهبة من الله، وليس من حق الموهوب له أن يحدد للواهب نوعية الهبة، فنوعية الجنس أمر يتعلق بإرادة الله وحكمته، وكل فعل من أفعاله سبحانه لا يخلو من حكمة، والمشكلة أن بعض الناس لا يرضى بما قسمه الله وقدره له من الذرية، فمن رزقه الله بالذكور فقط فإنه يتطلع إلى إنجاب أنثى ومن رزقه الله بالإناث فهو يتطلع ويتمنى ويسعى بكل الوسائل إلى إنجاب الذكور .

مباح . . بضوابط

الفقيهة الأزهرية د .سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، تستنكر هي الأخرى سلوك الأزواج الذين يفتعلون المشكلات مع زوجاتهم بسبب إنجاب البنات، حيث يتعامل الزوج ضعيف الإيمان بجفاء مع زوجته أم بناته، ويسيء التعامل معها ومع البنات، ويسعى للزواج بامرأة أخرى لكي تنجب له الذكر، وتقول: لقد قال الأطباء وأكدت الأبحاث العلمية الموثوق بها أن الزوج هو المسؤول الأول عن نوعية المولود والمرأة مجرد وعاء للرجل، فإذا كان هناك لوم أو عتاب فينبغي أن يوجه للزوج وليس الزوجة .

كما أن ذلك يأس من رحمة الله، واعتراض على مشيئته والله أكبر من كل شيء، وكل شيء عنده بمقدار، وكم من نساء رزقهن الله بالإناث ثم رزقهن بالذكور قبل سن اليأس .

وحول مدى مشروعية لجوء البعض إلى التلقيح الصناعي لإنجاب ذكر تقول د .سعاد صالح: الإسلام لا يقف ضد رغبة أب وأم في إنجاب ولد ذكر، ولذلك فإن التحكم في جنس الجنين لا يتعارض مع مشيئة الله بل هو مباح شرعاً وفق ضوابط وشروط أهمها أن يكون ذلك للأسرة التي حرمت من الذكر، وعلاجاً لمشكلة نفسية بين الزوجين قد تعصف بعلاقتهما الزوجية، فضلاً عن الضوابط الأخرى بأن يكون الطفل نتيجة تلقيح ماء الرجل بماء الأنثى من دون تدخل أي عناصر خارجية .

وتضيف: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص، ولقد كان من دعاء زكريا عليه السلام فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب . فطلب من الله الولد الذكر، كما حمد إبراهيم ربه حين رزقه الولد فقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء وفيه إشعار بأنه دعا به وسأل منه الولد فأجابه، حين وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم .

وتنتهي د .سعاد إلى تقرير مشروعية تحديد جنس الجنين وفق الشروط والضوابط وتحت إشراف طبي دقيق يلتزم فيه الأطباء بالضوابط الشرعية والأخلاقية التي تحكم هذه المسألة، وتقول: السعي للوصول إلى ذلك مشروع والأمور بمقاصدها . ومقاصد الشريعة الإسلامية دائماً شريفة وتستهدف مصلحة الإنسان .