إعداد: محمد هاني عطوي
ليس من المستغرب أن يعلم الإنسان المعاصر، أنه يعيش فوق كوكب صخري كروي معلقاً في السماء، يدور في فلكه مع بقية الكواكب حول الشمس، وهذه المعرفة ليست ضرباً من الخيال والأوهام، فلقد ظهر كوكبنا الأرضي على جميع شاشات الأجهزة العاملة، وشاهده الناس بمظهره الجديد، كدائرة مضيئة مرتسمة في نهاية الظلمة كالنجم، وقد وصلت فيما بعد الصور التي التقطت بواسطة الآلات، والتي عملت على إبراز الحقيقة المظهرية ذات الوضوح العالي، وبذلك أمكن تحويل الدائرة الأرضية، وظروف هيكلها السماوي إلى حقيقة ساطعة، بعدما عاشت تغلفها التأكيدات العائدة لآلاف السنين .
لكن ماذا كان تصورُ الناس في الأحقاب الماضية ونظرتهم إلى شكل الأرض؟ وهل كان ما يملكون من أدوات بحث أولية، ومعطيات علمية في عصرهم تخولهم معرفة حقيقة شكل الأرض أم لا؟
الحق أن الأغلبية الساحقة من الأقدمين، كانوا يعتقدون بانبساط الأرض وعدم كرويتها، وأنها ثابتة غير متحركة، وأنها مركز الكون، وكل ما في الكون يدور حولها، إلا أن علماء العرب والمسلمين كانوا يجزمون بكرويتها، ويعتقدون أنها غير ثابتة، بل هي كوكب كروي متحرك سابح في الفسحة الكونية، فنحن نتحرك على سطح الأرض في كل نقطة من دون الوصول إلى نهاية ولو أن الأرض منبسطة لكانت لها نهاية نقف عندها ولغمرت كلها بالنور دفعة واحدة عند شروق الشمس، ولاكتست كلها بالظلمة دفعة واحدة بعد غيابها .
فالأرض كرة، لكن نظراً لمساحة أبعادها الواسعة فإن الإنسان يراها منبسطة . وإنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح، شأن كل دائرة عظيمة، وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكون الأرض كروية .
ولو كانت الأرض آخذة أي شكل هندسي كمربع أو مخمس، لوصل الإنسان إلى حافة هذا الضلع، وبما أن الإنسان لا يصل إلى حافة، فهذا دليل على كرويتها بدليل امتدادها وانحنائها، أي مهما مشينا في مناكب الأرض ووهادها ونجادها، وبين جبالها فلن نصل إلى حافة، حتى ولو سرنا الشهور والسنين، وفي أسرع المركبات، فسوف نجد الأرض أمامنا ممدودة، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا إذا كانت الأرض كروية .
كل شيء يقع على الأرض بتأثير نظام الجاذبية، ولكن لماذا يسقط؟ لأنه مربوط إلى الأرض بالجاذبية، ولو كنا في الفضاء الخارجي وتركنا هذا الجسم فإنه سيبقى هناك، ففي مناطق انعدام الجاذبية لا يوجد وزن، ورُوَاد الفضاء يسبحون فيه من دون وزن ولا يسقطون، فإذا كان ثمة تجاذب في الكون فلماذا لا يتجاذب بعضه ببعض فيصبح كتلة واحدة؟ وما دام الأكبر يجذب الأصغرَ، فلا بدَّ أن تجذب الشمس المشتري وزحل وأورانوس والمريخ، وأن تصبح المجموعة الشمسية كتلة واحدة، وهذه الكتلة الضَّخمةُ تنجذب إلى أكبر نجم في المجرَّةِ، وتصبح المجرة كلُّها كتلة واحدة، والمجرات تنجذب إلى بعضها فيصبح الكونُ كلُّه كتلةً واحدةً .
الجواب لأن الحركة تنشئ القوَّة النابذة التي تكافئ القوَّةَ الجاذبةَ . فلولا الحركة لأصبح الكون كتلة واحدة . ومن هنا نجد أن الشكل الكُروي رائع جدّاً، لا نهاية لخطوطه وحجمه محدود، فالشمس كرةٌ وكذلك الأرض وزحل والكواكب كلها ذات أشكال كروية .
المعروف أن للمكعب أضلاعاً وزوايا ويختلف اختلافاً بيِّناً عن الكرة ولو تصوّرنا أن الكواكب كانت مكعبة الشكل، وكذلك الأرض والشمس والقمر لاختلفت كل مقاييس ونظرة الإنسان والمخلوقات التي تعيش على الأرض . ففي حالة كروية الأرض لا يمكنك وأنت عند شاطئ البحر أن ترى أي شيء بعد مسافة 3-4 كيلومترات، لأن الأرض منحنية، ولابد للضوء أيضاً أن ينحني كي يصل إليك ويريك ما وراء الأفق . أما إذا كانت الأرض مكعبة فإنك سترى في كل الاتجاهات ولمسافة بعيدة تصل إلى 5000 كم أي إلى حدود جوانب هذا المكعب وسيكون الآفق عل أقل تقدير أبعد ألف مرة مما أنت متعود عليه! ولو قررت أن تتجه نحو إحدى زوايا المكعب فإنك ستعيش تجربة غريبة جدا فعلى مدى الساعات المارة ستلاحظ أن عملية المشي ستصبح صعبة شيئاً فشيئاً نظراً لعظم المساحة التي تتحرك فيها والتي تمتد لآلاف الكيلومترات وستشعر وكأنك تتسلق جداراً عظيماً لأن الجاذبية التي تمارسها هذه الكتلة الهائلة لعالمك الجديد تتجه نحو مركز المكعب، وهو ما يحدث في الشكل الكروي أيضاً ويكون العمود الوهمي المتجه من الجسم إلى المركز عمودياً على سطح الكرة، ولكن الأمر الجديد في العالم المكعب هو أن هذا العمود ينحني تدريجياً بالنسبة إلى سطح الأرض كلما ابتعدنا عن وسط أحد أوجه المكعب، وهذا سيمنحك الانطباع بأنك ترتقي منحنياً يزيد في انحنائه كلما ابتعدت عن ذلك الجانب من المكعب . ويجب أن نعلم أن هذا المنحنى ليس مجرد وهم، فلو أننا رمينا كرة فإنها ستسقط بزاوية مائلة بالنسبة للأرض، ولو أنك فقدت توازنك فإنك ستتجه لا محالة نحو مركز وجه المكعب أي أن كل وجه من أوجه هذا المكعب سيبدو كما لو كان على هيئة طشت! ولكن أعلم أنه كلما ابتعدت عن وسط أحد أوجه المكعب فإن الجاذبية ستنقص وهذا يعني أنه عند وصولك لزاوية المكعب، فإن وزنك سينقص بنسبة 35% عن وزنك العادي .
ولو تخيلنا الأمر ينطبق على المياه والغازات المحيطة بالأرض والضرورية للحياة فسنجد أنها ستتجمع في قاع هذا الطشت الكبير لتكون بقعة عملاقة وسط أحد أوجه المكعب ما يعني أنه في كل وجه من أوجه المكعب سيتكون محيط محدب من الماء يبلغ قطره 2000 كم وسيبلغ عمقه 100 كم عند المركز أي أعمق بعشرين مرة من محيطاتنا الأرضية المعروفة! وطالما أن هذا المحيط سيكون محدباً، فإن المكان الوحيد الذي ستراه في هذا العالم المسطح، حيث الأفق محدود، هو شاطئ البحر بمعنى أنك لن تتمكن من رؤية الشاطئ المواجه نظراً لتحدب شكل المياه . وسيكون الأمر مماثلاً بالنسبة إلى الهواء، حيث ستتجمع كتله على شكل قوقعة كروية فوق الشاطئ . الأمر السيئ هنا هو أن الحلقة الجوية الرقيقة التي ستغطي الأراضي الواقعة حول المحيط هي وحدها التي ستجعل هذه الأراضي قابلة للسكن وما دون ذلك فغير صالح! لكن الخبر الجيد هو أننا نستطيع التنزه في الفضاء، لأننا بمجرد أن نعطي ظهرنا للمحيط ونتوجه في الاتجاه المعاكس نحو 500 كم فإنه يمكننا أن نخرج من الغلاف الجوي ونشاهد الفضاء المعتم أي أن أربعة أخماس سطح هذا العالم ستكون عرضة لقسوة الفراغ الفضائي كما هو الحال على الجزء الخالي من الغلاف الجوي، وبالتالي يتحتم على كل إنسان يعيش في هذا العالم أن يمتلك بزة فضائية .
على أي الأحوال وقبل أن تقطع في نزهتك 100-200 كم ستلاحظ أن مسارك على الأرض بدأ يميل جداً، كما أن كثافة الهواء أخذت بالنقصان الشديد ولم تعد قادرة على الاحتفاظ بحرارة الشمس وستتغطى الأراضي حولك بالثلج السرمدي وسيصبح الطقس أبرد مما هو عليه في قمة إفرست! وإذا أردت أن تعيش في هذا العالم المكعب فيجب أن تتقوقع على نفسك في ال150 كم الأولى من الساحل وضمن مساحة قابلة للعيش تزيد بمرتين على مساحة بلد مثل فرنسا (675 ت 417 (كم مربع) . ولكن كيف ستكون حالة الطقس في هذه البقعة الصغيرة المأهولة؟ كي نفهمها يجب أن نعلم أنه لا يمكن أن تشهد مثل هذه المنطقة مناطق مناخية مختلفة، كما هي الحال على أرضنا الكروية، نظراً لاختلاف زاوية سقوط أشعة الشمس في المناطق المختلفة وصولاً إلى القطبين وهذا ما يفسر لنا انخفاض درجات الحرارة كلما ابتعدنا عن خط الاستواء . ومن هنا سنجد أن المناخ في عالم مكعب سيكون غريباً، لأن أشعة الشمس ستسقط على كل النقاط بالزاوية نفسها، وهذا يعني أنه بإمكانك أن تقطع آلاف الكيلومترات من دون أن يتغير الطقس بالنسبة إليك اللهم إلا إذا خرجت من المنطقة المأهولة فعندها ستجد نفسك في منطقة لا طقس فيها لأنها ستخلو من الغلاف الجوي!
وكل أمر في عالم الأرض المكعبة يعتمد على محور دورانها فإذا مر وسط وجهين متقابلين، فإن الوجه الأعلى والأسفل سيكونان متجمدين، في حين أن الأوجه الأربعة الباقية ستستفيد من مناخ مداري . وإذا مر محور الدوران من زاويتين متقابلتين فإن كل الأوجه ستكون متجهة بزاوية تقارب ال45 درجة بالنسبة لأشعة الشمس الساقطة، وبالتالي سيكون الطقس معتدلاً في كل الأنحاء . فضلاً عن ذلك لن يكون هناك رياح كثيرة فعلى الأرض الكروية تسهم حركة الرياح الكبيرة في الغلاف الجوي في تفريغ مخزون الطاقة المرتفع من الشمس عند المنطقة الاستوائية نحو المناطق المعتدلة، لكن الأمر في الأرض المكعبة غير متوفر بهذا الشكل، بل إن كتل الهواء الواقعة فوق وسط المحيط ستسخن نهاراً، وتصعد نحو قمة الغلاف الجوي كي تبرد وتعاود الهبوط نحو أطراف المنطقة المأهولة، ومن هناك تتحرك ثانية نحو المحيط المركزي منتشرة على طول هذه المنطقة . ولذا سنلاحظ أن توقعات الأحوال الجوية ستكون متشابهة في كل الأيام، وهي على هيئة نسيم أرضي يهب على البحر بدءا من منتصف النهار .
ولكن ماذا عن طريقة الاسترشاد بالنجوم التي مارسها الناس على أرضهم الكروية منذ قرون؟ بالطبع لن تكون لها أية فائدة، بل سيتم قياس فارق الزمن بين شروق وغروب الشمس لمعرفة كم من الوقت ابتعدنا من جهة الشرق عن الغرب، كما سيتم قياس ارتفاع النجم القطبي لمعرفة كم المسافة التي ابتعدنا فيها من جهة الشمال عن الجنوب، لأن النجم القطبي في حالة الأرض المكعبة سيظهر بالضبط عند أفق المنطقة الاستوائية وفوق رأس المشاهد عند القطب الشمالي . وسنلاحظ هنا أنه لا يوجد فارق زمني، فعندما تشرق الشمس بالنسبة لك فإنها ستشرق لكل النقاط الواقعة عند الوجه التي تقيم عنده، كما أن النجم القطبي ستوجد دائماً عند الارتفاع نفسه بالنسبة لأطراف المكعب التي تحل محل الأفق حيثما كانت وجهتك . المهم أنك في عالم مسطح مكعب لن تضيع طريقك لأنه بإمكانك رؤية كل الاتجاهات .