سادت في الأوساط العلمية والفكرية، الفكرة القائلة بأن القرن العشرين هو قرن كلود ليفي شتراوس، بحكم اكتشافه وإعادة تأويله لثقافات شعوب نائية أدرجت، تبعا للمركزية الأوروبية، في خانة البدائية والتوحش وفي غمرة الاستعداد للاحتفال بعيد ميلاده الواحد بعد المائة، توارى المفكر الفرنسي كلود ليفي شتراوس، الرجل المتعدد التخصصات والانشغالات، من الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا والبنيوية، والذي أمضى حياته وهو يشتغل على بنيات القرابة والأساطير والتفكير البري، كما أنه انهمك بالعمل على التنوع الثقافي، ونادى بالاعتراف بالأهمية المتساوية للثقافات.

وظل يرى أن إصباغ البعد الواحد على الثقافة لن يكون سوى خسارة. كما أنه يحكم على الحضارة العالمية بكونها فكرة تجريدية.

أراد شتراوس أن يمنح الإثنولوجيا دورا حاسما في التفكير البشري، بوصفها الى جانب التاريخ تضعنا في حضرة تطور من نفس النمط لقد اعتقدنا، خلال فترة طويلة، أن التاريخ يرمي فقط إلى إعادة تشكيل الماضي. إن التاريخ، في حقيقة الأمر، مثل الإثنولوجيا يدرس مجتمعات تختلف عن المجتمعات التي نعيش فيها. إنهما يريدان معا توسيع تجربة خاصة ذات أبعاد تجربة عامة، أو أكثر عمومية، والتي يجب أن تكون مفتوحة أمام أناس من بلد آخر أو من زمن آخر. إن الإثنولوجيا، مثلما التاريخ، تندرج إذاً في التقليد الإنسانوي. ولكن دورها هو أن تطور، لأول مرة، ما يمكن أن نطلق عليه إنسانوية ديموقراطية. بعد الإنسانوية الأرستقراطية لعصر النهضة التي كانت تتأسس على مقارنة المجتمعات الإغريقية والرومانية (لأننا لم نكن نعرف غيرهما)، والإنسانوية الغريبة للقرن التاسع عشر، التي أضافت إلى الحضارتين الإغريقية والرومانية حضارات الشرق والشرق الأقصى (لكن فقط من خلال وثائق مكتوبة وآثار مصورة)، تظهر الإثنولوجيا باعتبارها الموجة الثالثة الأخيرة من دون شك- لأنها، من بين كل العلوم الاجتماعية، الأكثر تمييزا لعالَم مُنْتهٍ، هو ما أصبحت عليه كرتُنا الأرضية في القرن العشرين. ويرى شتراوس إن الإثنولوجيا تدعو إلى مجموع المجتمعات البشرية لتطوير معرفة شاملة للانسان؛ (من وثيقة تعود إلى 8 أغسطس/آب سنة ،1956 بعنوان مثير: العلوم الاجتماعية هي فلسفة إنسانوية)

هذه الروح الإنسانوية هي مفتاح معرفة الآخر. في حال تعذر وجود نصوص مكتوبة أو مآثر مصوَّرَة، فإنّ صيغ المعرفة، هذه، هي خارجية جدا وداخلية جدا، في آن، (يمكن أن نتحدث عن كونها أيضا أكثر ضخامة وأكثر دقة)، من صيغ المعرفة في العلوم الاجتماعية الأخرى: من جهة، تقوم تدرس من الخارج (أنثروبولوجيا طبيعية، ما قبل التاريخ، تكنولوجيا)، من جهة ثانية، تدرس من الداخل (تماهي الإثنولوجي مع المجموعة التي يتقاسم معها الوجود). دائما ما وراء العلوم الاجتماعية، لا يمكن للإثنولوجيا أن تنفصل عن العلوم الطبيعية ولا عن العلوم الانسانية. إن أصالتها تتعلق باتحاد مناهج هذه وتلك، الموضوعة في خدمة معرفة مُعمَّمَة للإنسان، أي في خدمة الأنثروبولوجيا.

ولأن الرغبة دائما هي إضفاء البُعد العلمي على الدراسات، يرى شتراوس أنه من أجل تحقيق هذا (الإعلان عن كوننا اجتماعيين) فإنه ليس بإعلاننا عن كوننا اجتماعيين وبانعزالنا عن الباقي يمكن لتخصصاتنا (العلمية) أن تؤنسن الحضارة، ولكن، ببساطة، من خلال الرغبة في أن تصبح أكثر علمية. إن الحضارة التقنية ليست حضارة، على حدة، تستدعي اختراع تقنيات خاصة لتحسينها: إن أنْسَنَة الحياة الاجتماعية ليس هي عمل ووظيفة. إنها تتعلق بكل الرجال وكل العلوم. إن أنسنة الحضارة التقنية، قبل كل شيء، وضعها في أفق التاريخ الشامل للبشرية؛ ثم، ثانيا، تحليل وفهم محرّكات ظهورها وسيرها. وبالتالي، في كل الأحوال: المعرفة.

امبراطورية العنف

دافع شتراوس عن ثقافات وحضارات الشعوب المقصية، واعتبر ان مستواها يرقى إلى مصاف الدول الحديثة، ونعت مكامن الداء: امبراطورية العنف الغربي التي تتسبب بالتدمير المنهجي لحضارات بأكملها، ولا نزال نعاين إلى اليوم تجليات هذا العنف على البيئة في بقاع عديدة أفرغت من سكانها وحقولها قبل أن تحول منتجعات سياحية مبتذلة، وتبقى النقطة الأهم في فكر شتراوس تلك التي تخص انتقاد المركزية الغربية ونزوعها العدائي إلى إقصاء الآخر، بل وهدم مقومات حضارته. ويسجل له دارسوه ونقاده وتلاميذه بأن الإنسانية التي نادي بها، ليست إنسانية إشفاق ومؤازرة رخوة، بل دعوة إلى الاعتراف بكلية الإنسان بمنأى عن أي تفرقة أو تمييز عنصري، حيث انخرط شتراوس في الإيقاع اليومي للمجتمعات التي زارها أو أقام بها ليدرس الآليات الميثولوجية، والطقوس التي تحكمها، وليكتشف الأنماط والقواعد الدقيقة التي تقوم عليها، والتي لا تتوافر بسهولة للعين المجردة. أدخل شتراوس مفهوم التباعد، لمقاربة هذه المجتمعات: مطلوب من عالم الأتثروبولوجيا أن يترك ثقافته عند عتبة هذه المجتمعات قبل أن يلج رحابها. أن يبقى في منأى من ذاته، بمعنى أن يتخلص من موروثه العقلاني، وانطلق شتراوس من اكتشافه لعلم الإثنولوجيا بقراءته كتاب روبير لوفي بعنوان المجتمع البدائي، وفيعام 1934 اقترح عليه مدير المدرسة العليا للمعلمين منصب أستاذ لعلم الاجتماع في جامعة ساو بولو في البرازيل. وفي السنة التالية كان له أول لقاء مع هنود كادويفو والبورورو. وفي عام 1938 قام برحلة استكشافية لدى هنود نامبيكوارا.

اتجهت أبحاث شتراوس الى إلغاء فكرة الفرق والتعارض بين العقلية البدائية التي تمثلها هذه الشعوب والطابع العقلاني الذي يتحلى به الغرب. وكانت تلك الأبحاث محصلة فترة تاريخية ساد فيها الاستعمار وأحدثت بموجبها تراتبية أقصي على إثرها كل ما ليس غربياً إلى الهامش البدائي المتوحش، لكأن تلك الشعوب شبه العارية، المعتمرة الريش، وذات الجسد المزركش، حيوانات في سيرك مغلق.

تأتي ريادة شتراوس من فتحه للقارة التي أطلق عليها اسم البنيوية. وبقدر ما تبنى بلا تردد وباعتراف صريح مفهوم الوظيفة الشعرية والرمزية على حساب باقي وظائف اللغة، كما نادى بها رومان ياكوبسون، كانت علاقته بالفرويدية علاقة جذب سالب، حيث قام بقراءة نقدية انتهت في الأخير بنوع من الازدراء حين شبه المحلل النفساني بالساحر في المجتمعات الأولية. ولكن في العلاقة بين ليفي شتراوس وفرويد، غواية وحيطة. وقد رفض شتراوس مفاهيم فرويدية مثل الإسقاط، الإشباع اللاواعي، وغيرها من المفاهيم التي احترس من نجاعتها. وفي ما نهل شتراوس من مفهوم الشعرية والرمزية لدى رومان ياكوبسون، عاد جاك لاكان إلى فرويد عبر وساطة شتراوس واستعمالاته للرمزية. وكما يشير الأنتروبولوجي والمحلل النفساني ماركوس زافيروبولوس في مؤلفه لاكان وليفي شتراوس أو العودة إلى فرويد، فإن ثمة دينا كبيرا لجاك لاكان على ليفي شتراوس، في البعد الذي يهم المسألة الرمزية التي مكنته من السير بعيدا في إعادة قراءة فرويد.

ان تقديم جردة وافية لفكر شتراوس الأنتروبولوجي في علاقاته بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وبخاصة التحليل النفسي الفرويدي منه واللاكاني، تستدعي عقد صلة مع لحظتين خصيبتين في التاريخ الحديث للفكر الغربي: اللحظة الأولى، ابتكار شتراوس في الأربعينات من القرن العشرين للأنتروبولوجيا البنيوية، التي كانت وبفضل عالم اللسانيات رومان ياكوبسون، محصلة لقاء بين الإثنولوجيا وعلم الأصوات البنيوي. واللحظة الثانية تتمثل في إدراج المحلل النفساني جاك لاكان للأنتروبولوجيا في التحليل النفسي مع إعادة الدفع بمتطلبات العقل إلى أشواط نائية. يحتل مفهوم البنية صميم عمل شتراوس، فبعد أن كان عالم اللسانيات رومان ياكوبسون أول من دعا إلى مقاربتها، قام شتراوس بتعميق مقتضياتها الأنتروبولوجية في أشغاله حول مفهومي القرابة والأساطير. وفي حين ركز ياكوبسون على الوظيفة الرمزية، وسّع ليفي شتراوس المجال إلى ما سمّاه الوظيفة الموسيقية. في ما بعد استلهم جاك لاكان المقتضى البنيوي الشتراوسي، قبل أن يشدد على أهمية الدال. ركز شتراوس على أهمية النظرية الشعرية، وقد ساعدت كما صاغها في إعادة النظر في العلاقة الاعتباطية بين الدال والمدلول. وقد اهتم بالدال الخالص بمعزل عن مضمونه الدلالي، في الوقت الذي كانت البنيوية فيه مفترق طرق نظريا وتطبيقيا، وأحدث ما يشبه التماس المنهجي والنظري مع ميادين أخرى مثل اللسانيات، التحليل النفسي، النقد الأدبي.. إلخ