من جوانب العظمة والتميز في شريعة الإسلام أن أحكامها معللة ومبررة وتستهدف مصلحة الإنسان كما سبق وأشرنا في حلقة سابقة.. فلا تحليل لشيء فيه ضرر للإنسان ولا تحريم لشيء فيه منفعة حقيقية له. وتستند فلسفة التحليل والتحريم في شريعة الإسلام إلى مبادئ وأسس ينبغي أن يستند إليها كل حكم شرعي سواء انتهى إلى الحلال أو إلى الحرام.
أول مبدأ تستند إليه فلسفة التحليل والتحريم في الشريعة الإسلامية كما يقول الدكتور عبدالفتاح الشيخ أستاذ الشريعة الإسلامية والرئيس السابق لجامعة الأزهر هو أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا تحريم لشيء في شريعة الإسلام إلا ما ورد نص صريح في القرآن أو السنة بتحريمه.. والباحث في أحكام شريعة الإسلام يجد أن دائرة التحريم ضيقة للغاية ودائرة التحليل متسعة ورحبة، فالنصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، ولذلك اتفق الفقهاء على أن كل ما لم يتأت نص بحله أو حرمته هو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.
ويوضح الدكتور الشيخ أن شريعة الإسلام حددت السلطة التي تملك التحليل والتحريم، فهي في يد خالق الإنسان والعالم باحتياجاته والبصير الخبير بما يصلحه وما يفسده، فلا سلطة لبشر في تحليل أمر أو تحريم آخر وانتزاع هذه السلطة من أيدي البشر وحصرها في يد الخالق عز وجل حمى الناس جميعا من الأهواء الشخصية فلا سلطان لبشر على بشر، ولا يستطيع أحد مهما كان علمه أو سلطته أو مكانته أن يفرض على إنسان مثله أن يفعل شيئا ولا يفعل آخر.. فالكل أمام تشريعات الإسلام سواء.. ودور العالم أو الفقيه الذي يفتي ويقول (هذا حلال وهذا حرام) أن ينقل الأحكام الشرعية أو يستنبطها من الأدلة والبراهين المعتبرة.. وقد أدرك كل فقهاء الإسلام ذلك وأرجعوا حق التحليل والتحريم إلى صاحب هذا الحق وهو الله ورسوله.. وأوضحوا للناس أنه ليس من مهمتهم التشريع الديني للناس وتقرير ما يجوز وما لا يجوز، وإنما مهمتهم الأساسية توضيح الأحكام الشرعية المقررة بنصوص قرآنية أو نبوية والاجتهاد في استنباط الأحكام فيما لم يأت فيه نص صريح، وكانوا مع علمهم وفقههم وورعهم وتقواهم يهربون من تحمل مسؤولية الإفتاء ويحيل بعضهم على بعض خشية أن يقعوا في أخطاء ويقولوا بتحليل حرام أو تحريم حلال.
عقاب أشد
وجرم الإسلام سلوك هؤلاء الذين يحللون ويحرمون دون دليل واضح صريح من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد اختص الله عز وجل المحرمين بعقاب أشد وأعنف لما في ذلك من تضييق على الناس وتعسير عليهم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهلاك على المتنطعين في الدين الذين يحرمون ما أحله الله وقال: ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون واستنكر الحق سبحانه سلوك هؤلاء الذين يحرمون ما أحله للناس فقال عز وجل: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وجعل عز وجل تحريم الحلال قرين الشرك به فقال في سورة الأعراف: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
ويوضح الدكتور الشيخ أن شريعة الإسلام تميل دائما وتتجه نحو التيسير على الناس والتخفيف عنهم وترفض سلوك هؤلاء المتشددين والمتزمتين الذين يحرمون الطيبات ويصعبون الحياة على الناس, ولذلك جاء العديد من الآيات القرآنية تطالب كل من يفتي الناس ويوضح لهم أحكام شريعة الإسلام بالوقوف عند حدود الله والتزام بما أحله وحرمه.. من بين هذه الآيات قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون.
مصلحة الإنسان
الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية يشرح لنا جانبا آخر من جوانب العظمة والرحمة في فلسفة الحلال والحرام في الإسلام حيث يوضح أن التحريم هو حق لله وحده لا يعني حرمان الناس من أمور وأشياء ومظاهر حياة هم في حاجة إليها، بل إن التحريم يستهدف مصلحة الإنسان أولا وأخيراً.
ويقول: حق للخالق الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى أن يحل لنا وأن يحرم علينا ما يشاء، فهو سبحانه العليم بنا الخبير بما يصلحنا وما يفسدنا، ومن واجبنا في كل الأحوال أن نقول سمعا وطاعة لمن خلقنا وأنعم علينا.. لكننا لو دققنا النظر في كل أحكام التحريم لوجدناها تستهدف مصلحة الإنسان، فالله سبحانه وتعالى لا يحل لنا إلا الطيبات ولا يحرم علينا إلا الخبائث، فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكثر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال.. وهذا ما صرح به القرآن الكريم في تحريم الخمر عندما قال: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما.
ويحث الدكتور إمام جموع المسلمين على الالتزام بالأحكام الشرعية التي تصدر عن علماء ثقات دون مناقشة للأسباب والدوافع التي تقف وراء هذه الأحكام، فليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالأضرار التي حرم الله من أجلها الأشياء أو أن هذه الأضرار والمفاسد لم يكشف عنها العلم الحديث، فالإنسان لا يعرف بعلمه المحدود أسرار الأشياء والأمور المحرمة شيئا، وهناك أمور حرمتها شريعة الإسلام منذ نزول القرآن ولم تكتشف أسرارها إلا مؤخراً.
ويضرب الدكتور إمام مثالا على ذلك فيقول: لقد حرم الله سبحانه لحم الخنزير، ولم يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنه مستقذر.. ثم تقدم الزمن فكشف العلم عما في لحوم الخنزير من ديدان وجراثيم قاتلة.. وأخيرا وباء إنفلونزا الخنازير التي تجتاح العالم حاليا.
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك من فضلات الإنسان التي يلقي بها في الطريق أو في الماء فقال: اتقوا الملاعن الثلاث ويقصد بها البراز في الموارد المائية، وعلى قارعة الطريق، والظل، ولم يعرف أحد في القرون الأولى مدى الخطورة التي يمثلها هذا الأمر على الصحة العامة، واكتفوا بتجنب هذه الأمور لمجرد أنها مستقذرة.
وهكذا يكشف لنا العلم كل يوم مزايا وعظمة تشريعات الإسلام ويؤكد أنها تشريعات مثالية تستهدف أولا وأخيرا مصلحة الإنسان، فالحلال يستهدف مصلحة الإنسان والحرام أيضا يستهدف ذلك.. وليس في قائمة المحرمات التي جاءت بها شريعة الإسلام أي تضييق على الإنسان كما يزعم الجهلاء من أعداء الشريعة في الشرق والغرب، بل في هذه المحرمات إنقاذ للإنسان من مخاطرها وأضرارها.
فقد حرم الإسلام الربا لأنه معاملة تقوم على الظلم والاستغلال لحاجة الإنسان الفقير وتحقيق الثراء دون جهد.. وشرع بدلا من ذلك العديد من المعاملات الحلال التي تغني الإنسان عن الربا المحرم.
وحرم الإسلام الزنى.. لأن فيه عدوانا على الأعراض، واختلاطا للأنساب، وانتهاكا للحرمات، وإثارة لغرائز الإنسان.. وعوض الإنسان عن ذلك بالزواج الحلال وأباح له أن يقترن بواحدة واثنتين وثلاث وأربع ما دام قادرا على الوفاء بحقوقهن.
وحرم الإسلام المسكرات لما فيها من إضرار بعقل الإنسان الذي جعله الحق أحد وسائل تمييزه عن بقية المخلوقات وجعله مناط التكليف وحماية للمجتمع كله من مخاطر السكر وفواحش السكارى وأباح للمسلم كل المشروبات اللذيذة والمفيدة والتي تحقق لجسده القوة والحماية من الأمراض وحرم الإسلام المخدرات بكل أشكالها وألوانها لأنها تحمل تدميرا لصحة الإنسان وإهدارا لماله في ما لا يفيد وتعرض أمن المجتمع كله للخطر.
وحرم الإسلام على المسلم لبس الحرير والذهب لما في ذلك من نعومة لا تتناسب مع طبيعة الرجل ودوره ورسالته في الحياة وعوض الإنسان المسلم عن ذلك بكل الملابس الأنيقة التي تتناسب مع رجولته والصورة التي ينبغي أن يكون عليها بين الناس.
ويوضح الدكتور محمد كمال إمام أن الإسلام بتوجيهاته وتشريعاته المثالية أغلق في وجه المسلم كل الطرق المؤدية إلى فعل المحرمات حماية لنفسه وللآخرين المحيطين به.. فكل ما يؤدي إلى الحرام هو محرم في نظر الإسلام.. فالإسلام لم يكتف بالقول إن الزنى حرام بل حرم كل مقدماته ودواعيه من تبرج فاضح، وخلوة آثمة، واختلاط عابث، وصور عارية وأدب مكشوف.
كما حرم الإسلام كل ما يؤدي إلى المحرمات من وسائل حرم التحايل على ارتكاب المحرمات، وأساليب التحايل كثيرة ومتنوعة وهي للأسف موجودة في حياة المسلمين الآن، ومن مظاهر تسمية الحرام بأسماء خادعة لتغيير صورته مع بقاء حقيقته، فقد انتشرت العلاقات المحرمة بين بعض المسلمين تحت مسميات زواج وهمية، وانتشر الربا تحت مسميات ومفاهيم غير صحيحة، وكل هذه الصور من التعامل والعلاقات المحرمة يدينها الإسلام ويقرر معاقبة كل من يلجأ إليها.