ولو عدنا إلى الوراء وتتبعنا عددياً المشروعات الإصلاحية التي كانت تصورها أجهزة إعلام السلطة القسرية، من تلك التي توهمها للناس، ما كانت تسمى (بثورة) فيدل كاسترو في كوبا، البلد الذي نُكب على يد هذا الديكتاتور السلطوي، لوجدنا أن الشعب الكوبي يعاني سوء العذاب حتى يومنا هذا منذ ستين عاماً، وبشكل قلما يجد الإنسان له مثيلاً في أي بلد ، وبين أي شعب.
عندما كنا نهم بالاتجاه إلى سواحل ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية في مستهل يناير من العام 2012، على متن سفينة خاصة، مع جملة من أصدقاء حَلَت وراقت بهم الرفقة، اقترح البعض أن تكون كوبا، هي الوجهة، قبل المرور بالسواحل الأمريكية، لقربها من هذه السواحل.. وتقبّل الجميع الفكرة، وكنت أكثرهم قبولاً، حيث أعادت لنا الذكرى ما كان يذاع من «صوت العرب» ومذيعها الصراخي المشهور أحمد سعيد عن مآثر (ثورة) كوبا، وما جاءت به من الخير للشعب الكوبي، الذي كان كما تصفه إذاعة صوت العرب يومذاك، يعاني الاستعمار الأمريكي والسيطرة الأمريكية على مقدراته.
ويا ليتنا لم نذهب إلى هناك، ولكننا ذهبنا رغم الشكوك التي تساورنا حول تلك الخيالات التي تعطينا إياها أجهزة الإعلام الموجهة، ومنها أن هناك أسداً رابضاً في عرينه يقال له كاسترو كوبا، هذا الأسد الذي تقشعر له فرائص أمريكا عندما يزأر.
ماذا وجدنا ونحن نخرج سائحين من ميناء هافانا، عاصمة كوبا، الكئيب الخاوي على عروشه، متجهين إلى مشاهد ومعالم المدينة، ومعنا السائق ودليلة سياحية من المؤسسة السياحية الكوبية؟ كلما مررنا بمبنى وفندق عليه مسحة من الجمال المعماري كان مقراً للحكومة، وغير ذلك قيل لنا إن هذا قد شُيِّد في الأربعينات قبل الانقلاب الكاستروي، وكلما مررنا بشارع مزدوج السير قيل إنه من تراث الأيام الخوالي، وكلما مررنا بخرائب من أسواق خاوية، وأناس جالسين في الشوارع الضيقة، يعلو وجوههم البؤس والشقاء والمظهر المزري في الملبس والمأكل، عرفنا أن هؤلاء هم أهل كوبا.. وأن هذا المنظر من نِعم الثورة «الكوبية المجيدة منذ ستين عاماً مضت!!..».
قلت للسيدة الدليلة المرافقة، أين مآثر الثورة الكوبية؟! أريد أن أراها للاستشهاد بها.. أجابت: إن المقاطعة الأمريكية قضت على كثير من معالم هذه المآثر.. قلت: أريني شيئاً من بقاياها وآثارها فأنا لا أرى منظراً للعمران حسناً.. قالت السيدة الدليلة: إن الشيء الذي يمكن الإشادة به هو، أن الكوبيين بلغ مستواهم التعليمي نسبة مئة في المئة، قلت: وهل هذه النسبة تؤكل الكوبيين خبزاً وتشيد لهم رفاهاً؟ أين يعمل هؤلاء المتعلمون؟ وأين هو سوق العمل المتوفر لهؤلاء؟ وما الفائدة من الشهادات العلمية إذا لم يجد حامل الشهادة عملاً يقتات منه؟ ثم إن التعليم عند العسكرتاريا تعليم كمي وليس نوعياً، ورأينا منه في الشرق الأوسط حشداً من الغُثاء، لا يسمن ولا يغني من جوع.. وأحسست بما أصاب دليلتنا من الارتباك وهي تلتفت يمنة ويسرة خوفاً من أن يسمعنا أحد، فآثرت السكوت.
وقرأت فيما مضى من الأيام خبر أن الزعيم الروسي، فلاديمير بوتين زار كوبا واجتمع بفيدل كاسترو، الذي كان من أكبر حلفاء الاتحاد السوفييتي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وكاد الاتحاد السوفييتي في تلك الأيام أن يحل محل أمريكا في بسط نفوذه على هذه الجزيرة المتاخمة للولايات المتحدة، حيث قرر إقامة منصات للصواريخ على أرض كوبا وتعريض الولايات المتحدة للخطر في حالة نشوب حرب..
ووقف جون كينيدي رئيس الولايات المتحدة آنذاك، وقفته المشهورة في إنذار الاتحاد السوفييتي وكوبا بوجوب سحب وتفكيك هذه المنصات الصاروخية وإلا فإن الولايات المتحدة ستتصدى لهذا الأمر بالقوة، وقد أراد الله تجنيب العالم ويلات حرب عالمية ثالثة بخضوع موسكو للإنذار الأمريكي، ولكن كوبا بقيت موضع نفوذ للاتحاد السوفييتي بعد ذلك، وبقيت منكوبة!
ولعل اللقاء التاريخي الأخير بين الرئيسين الكوبي والأمريكي، يكون سبباً في خروج كوبا من نكبتها ومن نظامها المنغلق ، بحيث تصبح هذه الجزيرة الجميلة في الطبيعة جميلة أيضاً في عمرانها واقتصادها وازدهارها العام.
بقلم: عبد الغفار حسين
[email protected]