في‮ ‬الستينات عندما كان صوت السلطوية العسكرية في‮ ‬عدد من بلدان الشرق الأوسط‮ ‬يزمجر على أشده،‮ ‬ولا‮ ‬يعلو صوت على صوت ما كانوا‮ ‬يسمونه بالمعركة‮.. ‬المعركة الوهمية التي‮ ‬كان كل همها تثبيت الديكتاتورية وحكم القسر‮.. ‬كنا في‮ ‬تلك الأيام نسمع من خلال هذيان الأبواق الإعلامية الموجهة،‮ ‬عن‮ (الثورات‮) ‬التي‮ ‬كانت تقوم في‮ ‬أماكن أخرى،‮ ‬كأمريكا اللاتينية على سبيل المثال،‮ ‬وكان صراخ جيفارا وتلميذه فيدل كاسترو في‮ ‬منطقة البحر الكاريبي،‮ ‬لا‮ ‬يقل في‮ ‬إزعاجه ونشازه عن أصوات القيادات العسكرية الأخرى،‮ ‬التي‮ ‬كانت من شدة تكتيكها التضليلي‮ ‬تمتص أي‮ ‬وعي‮ ‬مخزون في‮ ‬خلد المواطن العادي،‮ ‬وتُحيل هذا المواطن البسيط إلى جسمٍ‮ ‬يتحرك في‮ ‬مهب ريح الخيال الزائف،‮ ‬و‮(‬روموت كنترول‮) ‬يتحكم فيه كأي‮ ‬جسم جامد‮.

‮ ‬ولو عدنا إلى الوراء وتتبعنا عددياً‮ ‬المشروعات الإصلاحية التي‮ ‬كانت تصورها أجهزة إعلام السلطة القسرية،‮ ‬من تلك التي‮ ‬توهمها للناس،‮ ‬ما كانت تسمى‮ (‬بثورة‮) ‬فيدل كاسترو في‮ ‬كوبا،‮ ‬البلد الذي‮ ‬نُكب على‮ ‬يد هذا الديكتاتور السلطوي،‮ ‬لوجدنا أن الشعب الكوبي يعاني‮ ‬سوء العذاب حتى‮ ‬يومنا هذا منذ ستين عاماً،‮ ‬وبشكل قلما‮ ‬يجد الإنسان له مثيلاً‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬بلد ، وبين أي‮ ‬شعب‮. ‬
عندما كنا نهم بالاتجاه إلى سواحل ولاية فلوريدا في‮ ‬الولايات المتحدة الأمريكية في‮ ‬مستهل‮ ‬يناير من العام ‮ ‬2012،‮ ‬على متن سفينة خاصة،‮ ‬مع جملة من أصدقاء حَلَت وراقت بهم الرفقة،‮ ‬اقترح البعض أن تكون كوبا،‮ ‬هي‮ ‬الوجهة،‮ ‬قبل المرور بالسواحل الأمريكية،‮ ‬لقربها من هذه السواحل‮.. ‬وتقبّل الجميع الفكرة،‮ ‬وكنت أكثرهم قبولاً،‮ ‬حيث أعادت لنا الذكرى ما كان يذاع من «صوت العرب» ومذيعها الصراخي المشهور أحمد سعيد عن مآثر‮ (‬ثورة‮) ‬كوبا،‮ ‬وما جاءت به من الخير للشعب الكوبي،‮ ‬الذي‮ ‬كان كما تصفه إذاعة صوت العرب‮ ‬يومذاك،‮ ‬يعاني‮ الاستعمار الأمريكي‮ ‬والسيطرة الأمريكية على مقدراته.
ويا ليتنا لم نذهب إلى هناك،‮ ‬ولكننا ذهبنا رغم الشكوك التي‮ ‬تساورنا حول تلك الخيالات التي‮ ‬تعطينا إياها أجهزة الإعلام الموجهة،‮ ‬ومنها أن هناك أسداً‮ ‬رابضاً‮ ‬في‮ ‬عرينه‮ ‬يقال له كاسترو كوبا،‮ ‬هذا الأسد الذي‮ ‬تقشعر له فرائص أمريكا عندما‮ ‬يزأر‮. ‬
ماذا وجدنا ونحن نخرج سائحين من ميناء هافانا،‮ ‬عاصمة كوبا،‮ ‬الكئيب الخاوي‮ ‬على عروشه،‮ ‬متجهين إلى مشاهد ومعالم المدينة،‮ ‬ومعنا السائق ودليلة سياحية من المؤسسة السياحية الكوبية‮؟ ‬كلما مررنا بمبنى وفندق عليه مسحة من الجمال‮ ‬المعماري‮ ‬كان مقراً‮ ‬للحكومة،‮ ‬وغير ذلك قيل لنا إن هذا قد شُيِّد في‮ ‬الأربعينات قبل الانقلاب الكاستروي،‮ ‬وكلما مررنا بشارع مزدوج السير قيل إنه من تراث الأيام الخوالي،‮ ‬وكلما مررنا بخرائب من أسواق خاوية،‮ ‬وأناس جالسين في‮ ‬الشوارع الضيقة،‮ ‬يعلو وجوههم البؤس والشقاء والمظهر المزري‮ ‬في‮ ‬الملبس والمأكل،‮ ‬عرفنا أن هؤلاء هم أهل كوبا‮.. ‬وأن هذا المنظر من نِعم الثورة‮ «‬الكوبية المجيدة منذ ستين عاماً‮ ‬مضت‮!!..». ‬
‮ ‬‬قلت للسيدة الدليلة المرافقة،‮ ‬أين مآثر الثورة الكوبية؟‮! ‬أريد أن أراها للاستشهاد بها‮.. ‬أجابت: إن المقاطعة الأمريكية قضت على كثير من معالم هذه المآثر‮.. ‬قلت: أريني‮ ‬شيئاً‮ ‬من بقاياها وآثارها فأنا لا أرى منظراً‮ ‬للعمران حسناً‮.. ‬قالت‮ ‬السيدة الدليلة: إن الشيء الذي‮ ‬يمكن الإشادة به هو،‮ ‬أن الكوبيين بلغ‮ ‬مستواهم التعليمي‮ ‬نسبة ‮‬مئة في المئة،‮ ‬قلت: ‬وهل هذه النسبة تؤكل الكوبيين خبزاً‮ ‬وتشيد لهم رفاهاً‮‬؟‮ ‬أين‮ ‬يعمل هؤلاء المتعلمون؟ ‬وأين هو سوق العمل المتوفر لهؤلاء؟ ‬وما الفائدة من الشهادات العلمية إذا لم‮ ‬يجد حامل الشهادة عملاً‮ ‬يقتات منه‮؟ ‬ثم إن التعليم عند العسكرتاريا تعليم‮ ‬كمي ‬وليس نوعياً،‮ ‬ورأينا منه في‮ ‬الشرق الأوسط حشداً‮ ‬من الغُثاء،‮ ‬لا‮ ‬يسمن ولا‮ ‬يغني‮ ‬من جوع‮.. ‬وأحسست بما أصاب دليلتنا من الارتباك وهي‮ ‬تلتفت‮ ‬يمنة ويسرة خوفاً‮ ‬من أن‮ ‬يسمعنا أحد،‮ ‬فآثرت السكوت‮.
وقرأت فيما مضى من الأيام خبر‮ ‬أن الزعيم الروسي،‮ ‬فلاديمير بوتين زار كوبا واجتمع بفيدل كاسترو،‮ الذي‮ ‬كان من أكبر حلفاء الاتحاد السوفييتي في‮ ‬الستينات والسبعينات من القرن الماضي،‮ ‬وكاد الاتحاد السوفييتي في‮ ‬تلك الأيام أن يحل محل أمريكا في‮ ‬بسط نفوذه على هذه الجزيرة المتاخمة للولايات المتحدة،‮ ‬حيث قرر إقامة منصات للصواريخ على أرض كوبا وتعريض الولايات المتحدة‮ ‬للخطر في‮ ‬حالة نشوب حرب‮..
ووقف جون كينيدي‮ ‬رئيس الولايات المتحدة آنذاك،‮ ‬وقفته المشهورة في‮ ‬إنذار الاتحاد السوفييتي وكوبا بوجوب سحب وتفكيك هذه المنصات الصاروخية وإلا فإن الولايات المتحدة ستتصدى لهذا الأمر بالقوة،‮ ‬وقد أراد الله تجنيب العالم ويلات حرب عالمية ثالثة بخضوع موسكو للإنذار الأمريكي،‮ ‬ولكن كوبا بقيت موضع نفوذ للاتحاد السوفييتي‮ بعد ذلك،‮ ‬وبقيت منكوبة‮!‬
ولعل اللقاء التاريخي‮ ‬الأخير بين الرئيسين الكوبي‮ ‬والأمريكي،‮ ‬‬يكون سبباً‮ ‬في‮ ‬خروج كوبا من نكبتها ومن نظامها المنغلق ، بحيث تصبح هذه الجزيرة الجميلة في‮ ‬الطبيعة جميلة أيضاً‮ ‬في‮ ‬عمرانها واقتصادها وازدهارها العام‮.‬


بقلم‮: ‬عبد الغفار حسين‮ ‬
[email protected]