نعرف جميعاً التاريخ الطويل لرحلة الخط بداية من آدم مروراً بإدريس وبإسماعيل بن إبراهيم الخليل، ولكن البسطامي جسد الحروف شكلاً ونسب كل حرف منها إلى نبي أو عالم . ولا شك في أن الإنسان قضى قروناً طويلة قبل أن يعرف اللغة، وعندما عرفها، عرفها نطقاً قبل أن يعرفها كتابة .
تعد اللغة أحد أسباب التقدم الحضاري وقد مرت بأطوار عدة قبل أن تصل إلى الطور الهجائي المستخدم حالياً، فقد لجأ الإنسان القديم إلى تصوير ما يريد التعبير عنه بالصور والرسوم، وهي ما تعرف بالطور الصوري أو الذاتي وهي طويلة ومتعبة لما تحتاج إليه من وقت وجهد، لذا، لجأ الإنسان إلى الرمز بالصور تعبيراً عما يريد (هذا ما نراه في وقتنا الراهن في بعض إشارات المرور كالمدرسة والمشاة . .) . بعد ذلك أخذ الإنسان في استخدام مقاطع من الكلمة التي يريد أن يعبر عنها كتابة على شكل رسومات، وبذلك يكون قد اختصر كثيراً في عدد الرسوم التي يستخدمها، بعد ذلك لجأ الإنسان إلى التعبير بالصور للدلالة على حروف كلمة ما، وهو ما يدعى بالتعبير الصوتي، والذي لايزال يستخدم حتى الآن في بداية تعليم الأطفال، مثل تاء تفاحة والكاف كورة، وهكذا . بعد ذلك أتى الفينيقيون، حيث استبدلوا الصور الرامزة إلى حروف ومنها أخذت إلى كل الأمم .
يقول المذهب الاصطلاحي إن أول من وضع الحروف العربية ستة أشخاص من طسم كانت أسماؤهم أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص قرشت، فوضعوا الكتابة على أسمائهم، فلما وجدوا في الألفاظ حروفاً ليست من أسمائهم، ألحقوها بها وسموها الروادف، ويغلب على هذه المعلومات، كما يقول عفيف بهنسي، الخيال والأسطورة منها إلى الواقع التاريخي، ولكن الدراسات الحديثة تؤكد أن العرب أخذوا خطهم من الأنباط، إذ تم العثور على نقوش عربية يرجع تاريخها إلى ما قبل الإسلام ومكتوبة بالخط النبطي المتأخر . كانت هذه الحروف خالية من الحركات فأدخل أبو الأسود الدؤلي النقط للدلالة عليها، كما كلف الحجاج بن يوسف الثقفي كاتبه بوضع علامات على الأحرف المتشابهة فتم وضع النقط بشكلها الحالي، ثم أتى الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي وضع طريقة أخرى للتشكيل التي نعرفها اليوم .
إذا عدنا للتاريخ، نجد أن أول الكتابات التي بينتها الأحافير القديمة في العالم هي اللغة المسمارية التي يرجع تاريخها إلى 3600 ق .م، وكانت تنقش على ألواح من الطين (الصلصال) المعالج بطريقة معينة بالحرق وعندما تجف تصبح كالصحائف، أو على الحجر أو أنواع المعادن المختلفة، كما استخدم الشمع بعض الأحيان لهذا الغرض، ويتم النقش بآلة حادة .
ظهرت أولاً جنوب بلاد الرافدين لدي السومريين للتعبير بها عن اللغة السومرية وكانت ملائمة لكتابة اللغة الأكادية التي كان يتكلمها البابليون والآشوريون . وتم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل العام 3000 قبل الميلاد في سوريا والعراق، وتطورت الكتابة من استعمال الصور إلى استعمال الأنماط المنحوتة بالمسامير والتي تعرف بالكتابة المسمارية، وأول كتابة تم التعرف إليها هي الكتابة السومرية التي لا تمت بصلة إلى أي لغة معاصرة، وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، كما استعمل الخط نفسه في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين العربية والعبرية . وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين (الحيثيين) في سوريا والأناضول واللغة الفارسية القديمة، وكانت تستعمل إلى نهاية القرن الأول الميلادي، وتم فك رموز الخط المسماري في القرن التاسع عشر وبذلك تسنى للعلماء قراءة النصوص الإدارية والرياضية والتاريخية والفلكية والمدرسية والطلاسم والملاحم والرسائل والقواميس المسمارية، ويوجد نحو 130000 لوح طيني من سوريا في المتحف البريطاني من الحضارات القديمة ومملكة ماري السورية التي اكتشف فيها أكبر مكتبة في التاريخ القديم وبلاد الرافدين، وكانت الكتابة المسمارية لها قواعدها في سنة 3000 ق .م . إبان العصر السومري حيث انتشر استعمالها . فدون السومريون بها السجلات الرسمية وأعمال وتاريخ الملوك والأمراء والشؤون الحياتية العامة كالمعاملات التجارية والأحوال الشخصية والمراسلات والآداب والأساطير والنصوص المسمارية القديمة والشؤون الدينية والعبادات . وأيام حكم الملك حمورابي (1728- 1686ق .م) وضع شريعة واحدة تسري أحكامها في جميع أنحاء مملكة بابل، وهذه الشريعة عرفت بشريعة حمورابي الذي كان يضم القانون المدني والأحوال الشخصية وقانون العقوبات .
وفي عصره دونت العلوم، فانتقلت الحضارة من بلاد الرافدين شرق سوريا والعراق في العصر البابلي القديم إلى جميع أنحاء المشرق وإلى أطراف العالم القديم، وكان الملك آشوربانيبال (668 - 626ق .م) من أكثر ملوك العهد الآشوري ثقافة . فجمع الكتب من أنحاء البلاد وخزنها في دار كتب قومية خاصة شيّدها في عاصمته نينوى بالعراق، وجمع فيها كل الألواح الطينية التي دونت فوقها العلوم والمعارف .
ظهرت الكتابة الهيروغليفية في عام 3500 ق .م وتعني بالإغريقية النقش المقدس، وقد ظهرت بعد المسمارية بفترة بسيطة، حيث استخدمت فيها الرموز للتعبير عن الدلالات الصوتية الأولية، وكانت تضم بداية الأعداد والأسماء وبعض السلع، واستعملت كنقوش وزخارف على جدران القصور والأعمدة والتماثيل والألواح الحجرية والخشبية لتعبر عن الأمور الدينية، وتمثل كل علامة هيروغليفية شيئاً واقعياً له وجود فعلي في الحياة اليومية المصرية القديمة، مثل النباتات وأجزاء الجسد والأشكال الهندسية والطيور . وقد تستخدم تلك العلامات لكتابة الكلمة أو الشكل فتسمى (إيدوغرام) أو لكي تعطي نطق الكلمة، فتسمى (فونوغرام) ولم تفقد خصائصها التصويرية، كما ذهبت ارتباطاتها الفنية الجمالية إلى ما وراء شكل العلامات لكي تشتمل على مجموعات ألفاظ وتوليفات نصوص وصور . وانبثقت عنها الهيراطقية وهي أكثر تبسيطاً وكانت تستخدم في الأمور اليومية كالرسائل والوثائق الإدارية والقانونية، وكانت تكتب بالحبر على ورق البردي واستمرت حتى القرن السابع قبل الميلاد لتحل محلها اللغة الديموطقية .
بالنسبة للغة الصينية، تقول الأسطورة إن شخصاً يدعى تسان جيي كان خارجاً للصيد عام 2650 ق .م رأى سلحفاة، فانبهر بالعروق التي تملأ جسدها، أو ربما بالصخرة التي تحملها فوق جسدها، فأثار الفضول لديه وبدأ بعدها بدراسة الحيوانات والنجوم وعلوم الأرض، ثم بدأ بكتابة أول خنزة (وتعني الكتابات الصينية ولا تسمى أحرف، وهي مترجمة عن الصينية هان زء) وتقول الأسطورة أيضاً إن السماء في ذلك الوقت أمطرت حصاداً من الزرع، وإن الشيطان حزن في ذلك اليوم فقد كان إعلاناً لبداية حضارة العالم، كما تقول الأسطورة .
يعود تاريخ هذه الخنزات إلى حوالي الثلاثة آلاف سنة ويبلغ عددها أكثر من 47000 خنزة بعضها نادر الاستخدام، ولكي يتمكن القارئ من أن يفهم الجريدة مثلا، عليه أن يتعلم ما لا يقل عن ألفين وقيل ثلاثة آلاف خنزة ويوجد القليل فقط من الصينيين من يعرف أكثر من عشرة آلاف، تعتبر اللغة الصينية الأكثر استخداماً من حيث عدد المتحدثين اليوميين في العالم، وقد بدأت كنقوش على ظهر السلاحف من عهد أسرة شانغ ( القرن 16-11) ق .م وكانت عبارة عن كلمات رمزية وصوتية في آن .
ينقسم نظام اللغة الصينية إلى نظامين، نظام الشكل الأصلي المعقد الذي يستخدم في تايوان وهونغ كونغ وماكاو والجاليات الصينية التي تعيش في أمريكا الشمالية، ونظام مبسط يستخدم في البر الرئيس للصين وماليزيا وسنغافورة وأوساط الجاليات الصينية في جنوب شرق آسيا . قامت اليابان بتبسيط كتابة المقاطع الصينية ومازالت تستخدمها بالأسلوب التقليدي، أما أسلوب الكتابة في كوريا الجنوبية فيقترب من أسلوب الكتابة الصينية التقليدية . لكل مقطع صيني معان كثيرة، وله قدرة كبيرة على تكوين المفردات، ويمكن للعديد من المقاطع الصينية أن تصبح مفردات مستقلة، ما جعل نسبة استعمالها عالية جداً، ويمكن لنحو 2000 مقطع صيني أن تغطي أكثر من 98 في المئة من الوسائل الكتابية للتعبير، إضافة لذلك، تتميز المقاطع الصينية بميزات الكلمات الصوتية والمعنوية، لذلك كانت نسبة قراءة المقاطع الصينية عالية جداً، كما أنها تتميز بأنها تغطي نسبة أكبر من المعاني مقارنة باللغات الأخرى .
والكتابة في أوروبا بدأت على شكل صور تعبر عن الحياة اليومية، كبعض النقوش والصور، كما وجدت في كهوف لاسكو في فرنسا والتميرا في إسبانيا . وكانت لغة مصورة في شكلها البدائي، وقد كانت الكتابة في بداية عهدها عبارة عن صور توحي تماماً بما رسم فيها . ثم تطورت إلى صور رمزية توحي بمعنى معين . وكانت هذه الرموز يصعب فهم العامة لها . فلجأوا إلى استعمال رموز توحي بأصوات معينة، وهذه الرموز الصوتية كانت خطوة أساسية في نشوء الأبجدية وفي تطوير الكتابة في ما بعد .
تاريخ الكتابة العربية: اختلف المؤرخون في من ينسب إليه الفضل في الكتابة العربية، فمنهم من ينسبها إلى آدم كما بينها القرآن في سورة البقرة وهذا ما قاله القلقشندي في كتابه صبح الأعشى، أما ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد فينسبها مرة إلى النبي إدريس وبعدها إلى النبي إسماعيل، أما محمد بن جرير الطبري، فيقول في كتابه تاريخ الأمم والملوك إن أخنوخ أو وخنوخ هو أول من كتب العربية .
مما سبق نجد أنه لا يوجد مصدر أكيد يعطي بالضرورة بداية الكتابة العربية، ولكن الحفريات التي بدأت في القرن التاسع عشر، والآثار التي اكتشفت، بينت وجود نوعين من الخطوط ينسب إليهما أصل الكتابة العربية . الأول هو الخط الجنوبي، وهو عبارة عن خطوط عدة أشهرها الحميري، ولقد استعمله سكان جنوب اليمن لأكثر من ألف سنة، وبملاحظة خصائصه، نجده متأثراً بالعبرية والإثيوبية، واستناداً لهذه الخصائص يستبعد أن يكون الخط الجنوبي أصلاً للكتابة العربية .
النوع الآخر هو الخط الشمالي، حيث كان شمال الجزيرة العربية مرتبطاً بالحضارات المجاورة، العراق، مصر والشام، حيث انتشرت مجموعة من الخطوط من الأصل السامي مثل العبرية والآرامية والسريانية والنبطية، وقد لوحظ الكثير من التشابه بين الخطوط العربية والسريانية، وكذلك النبطية التي انبثقت عن الآرامية في القرن الثاني ق .م، وقد عززت النقوش الأثرية العربية من القرن السادس الميلادي والتي وجدت جنوب سوريا، شدة التطابق بين العربية والنبطية، وأهم هذه النقوش نقش زبد، نقش أسيس، نقش حران ونقش أم الجمال الثاني، وهذا ما أكد أن الكتابة العربية تنحدر من الخط الشمالي وليس من السريانية بل من النبطية التي هي متطورة من الآرامية .
كانت الكتابة قبل الإسلام تعد ترفاً، ولكنها موجودة بكثرة في المناطق التجارية أو التي تمر بها القوافل، وذلك لضرورات العقود والمواثيق والتحالفات، وخصوصاً في منطقة مكة، حيث وجدت الكثير من العقود والاتفاقيات المكتوبة بينها وبين القبائل والمدن الأخرى، وهناك أدلة أخرى مهمة كوجود المعلقات السبع التي علقت على ستار الكعبة، كذلك وجود مجموعة من المسيحيين واليهود العرب الذين كانوا يكتبون بلغات عدة منها العربية .
بعد ظهور الإسلام، انتشرت الكتابة بشكل كبير، حيث كان الوحي ينزل شفوياً على الرسول صلى الله عليه وسلم ليتم تدوينه بعد ذلك وجمعه، كذلك الحديث الشريف، وكذلك العديد من العهود والمواثيق التي أملاها عليه الصلاة والسلام لتكتب، مثل صحيفة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود والعرب من غير المسلمين، كما كانت تسجل مستحقات قابضي الزكاة، ولكثرة الكتابة تلك، تأثير كبير في تطورها .
استمر الحال إلى ما بعد الخلفاء الراشدين في ما يخص الكتابة والمكتوب، ولكن الملاحظ أنه لا توجد فروق كبيرة بين الكتابة في الجاهلية والكتابة في الإسلام، وكلاهما يشبه الكتابة النبطية من وجوه كثيرة مع إدخال بعض التطور والوضوح عليها وأصبحت بعض الحروف مستقيمة كما ظهر بعض الإعجام (نقط الحروف)، ولكن بشكل غير منظم وغير منهجي .
يعد العصر الأموي العصر الذهبي للكتابة العربية التي تطورت بشكل لافت وبدأت تظهر التشكيلات والنقط كما ظهرت بداية الخطوات في النحو العربي ما أزال الغموض واللبس عن الكلمة وتفادي الخطأ (التصحيف) في القراءة، وقد بدأ هذا، حسب الكثير من المؤرخين في عهد الصحابة، وكانت توضع فوق أو تحت الحروف بألوان مختلفة، وهذا موجود في اللغة السريانية والعبرية وليس في النبطية .
بدأت هذه العملية على يدي أبي الأسود الدؤلي وتابعها وأتمها تلاميذه يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم ثم انتشرت في البلاد الإسلامية مع اختلافهم في اختيار ألوان النقط والشكل، لتتطور في العهد العباسي وتنتشر في جميع البقاع، بعد أن أصبحت أكثر مرونة ويسراً، وتمت ترجمة العديد من المعارف الأجنبية إلى العربية أيضاً، كما ظهر الإعجام في اللغة وهو ما ساعد على سهولتها وتبسيطها، مع بعض الاختلافات في ذلك الوقت، ليأتي بعد ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ليضع القواعد الثابتة للشكل والنقط والإعجام لتأخذ اللغة وضعها وشكلها النهائي .