محمد هاني عطوي

يعود النجم كيفن كوستنر إلى السينما بدور مهم، كرئيس للفريق الذي عمل على مشروع إطلاق أول مركبة إلى الفضاء في وكالة «ناسا» الأمريكية، في فيلم «أرقام خفية»، الذي يلقي الضوء على عبقرية المهندسة التي حسبت مسار المركبة الفضائية التي قادها رائد الفضاء، جون غلين، في أول جولة مكوكية حول الأرض في العام 1962، للمخرج تيودور ملفي. الفيلم يروي القصة الحقيقية لثلاث نساء إفريقيات أمريكيات متخصصات في الرياضيات، مكن أمريكا من الفوز في تحدي الفضاء. ومهمة كيفن كوستنر إلقاء الضوء على وضع المرأة الأفرو أمريكية من خلال عالمات بارزات. بطل «الرقص مع الذئاب»، والمدعي العام في التحقيق في اغتيال «كينيدي» يفتح صفحة غامضة أخرى في تاريخ الولايات المتحدة، وهي التمييز العنصري. مجلة «باري ماتش» حاورته في هذا اللقاء.

} قبل اتخاذ القرار بالمشاركة في «أرقام خفية»، هل كنت تعلم بوجود هؤلاء النسوة الثلاث؟

لا، وأعترف بذلك، بل أشعر بالخجل، فمن الواضح أن هناك أشياء كثيرة في تاريخنا لم نسمع بها أبداً، فضلاً عن أنها ضاعت إلى الأبد. ولنا فقط أن نتخيل ما الذي مرت عليه أمريكا مرور الكرام، وما زالت، من خلال عدم قبولها بأفكار تأتي من ثقافات مختلفة! وفي هذه الحالة بالتحديد هناك أمر لا يُغتفر، وهو عدم الاعتراف بأن واحدة من اللحظات الأكثر أهمية في القرن العشرين، كانت تستند كلياً إلى امرأة شابة من أصل إفريقي أجرت حساباتها باليد. وعليها توقفت قدرة أمريكا على إرسال جون غلين إلى الفضاء.

} هل تعتقد أن هذه القصة تم تجاهلها عن عمد؟

لا، بل أعتقد أن الأمر فيه شيء من الكسل أو ربما الغطرسة.

} هل هي مصادفة أن يخرج الفيلم في وقت نشهد فيه عودة للعنصرية في أمريكا؟

أنا واثق من أنه كان سيلقى نفس التأثير وردود الفعل، لو خرج قبل عشرة أعوام. الآن أشعر بالعار حقاً، عندما يقال إنه في بلد الحرية العظيم، كنا نمنع «السود» وليس ذلك منذ زمن بعيد، من استخدام نفس دورات المياه التي يستخدمها «البيض». وثمة لحظة في الفيلم، أقوم فيها بإسقاط تلك اللوحة المخزية التي كانت توضع فوق باب الدخول إلى المرحاض ومكتوب عليها: «غير مسموح للسود باستخدامه». وبالفعل نشعر بالقشعريرة تنتاب الجمهور، ويكفي فقط أن نفعل ذلك ليقوم الكل بالتصفيق تقديراً لهذا العمل. ينبغي استخدام هذا الفيلم ليكون بمثابة المرآة لطرح الأسئلة الصحيحة. لقد قطعنا شوطاً طويلاً، ولكن ليس كل الطريق.

} هل تذكر لحظة ما في حياتك تعرضت فيها شخصياً للظلم؟

نعم، ولكن ليس بشكل خطر، وفي المكان الذي عشت فيه، كنت شاهداً على العديد من التصرفات العنصرية، على الأقل في المدرسة. لدي خلفية محافظة جداً وضيقة الأفق، وكثيراً ما ساعدني هذا لاحقاً في اختيار الشخصيات التي جسدتها في التمثيل، ولكن ليس وفقاً للمنظور الذي كنت أرى من خلاله العالم، وهو منظور أهلي. لحسن الحظ، أنني فهمت أخيراً أنه كان عليّ أن أنفصل عن تلك الرؤية الخاصة، فنحن جميعاً نتاج لبيئتنا، ولكن يأتي وقت يصبح فيه لزاماً أن نقرر فيه ما نريد أن نكون عليه.

} خارج إطار عملك الفني، ما الأمر الذي يميزك؟

قدرتي على استيعاب الأفكار الجديدة، وأن أكون سخياً وأسعى نحو التقدم. كنت محظوظاً جداً في حياتي، ولي الشرف أنني استخدمت ذلك لتقديم المنفعة للآخرين، وإلّا لما ظهرت إنسانيتي. لا شك في أن ماضيّ المحافظ شكلني، ولكنه لا يحدد شخصيتي. وأعتقد أنه عندما يفكر الآخرون بي، يظنون على الفور أنني من رعاة البقر، صحيح أنني رجل بسيط جداً، وأتميز بكل ما هو أمريكي، ولكنني أرى نفسي كمواطن «عالمي».

} كيف يمكننا أن نحافظ على نزاهتنا عندما نتربى في هوليوود؟

المهم أن تكون لك وجهة نظر. في هوليوود، نصف الناس لا يمتلكون وجهة نظر، وأنا لم ولن أتبع أبداً أنماط هوليوود، ولم أمش يوماً مع ما هو رائج. قبل عامين، أنتجت فيلماً بعنوان «أسود أو أبيض» وعملت دائماً ما أردته، وفي الوقت الذي أختاره.

} تمر أمريكا بمرحلة مهمة جداً في تاريخها، فكيف ترى المستقبل؟

ليس لدينا أي خيار سوى أن نكون متفائلين، وأجد صعوبة في تخيل أن رجلاً واحداً قادراً على قتل فكرة الحرية، والتي هي جوهر هذا البلد. لست سعيداً، وأشك في كل ما يحدث اليوم، ولكنني أريد أن أصدق أن الرجال والنساء الذين يؤمنون بمعتقدات حقيقية سوف يتحدون لإسماع أصواتهم. كثيرون يقولون إنهم قلقون على البيئة وبسبب الظلم العنصري، ولا أرى تراجعاً لهذا الظلم، بل هناك دائماً حروب. للأسف هناك عشرات الأشخاص على هذا الكوكب يأخذوننا رهائن.

} فاريل وليامز، الذي يشارك في إنتاج الفيلم، وكتب له الموسيقى، قال في مقابلة «كلما حاولت الحد من دور النساء، دفعت بهن كي يصبحن أقوى»، فما رأيك؟

أنا على الأغلب أقول: كلما أجبرتهن على أن يصبحن أقوى!

} لديك سبعة أطفال تراوح أعمارهم بين 6 و 32 عاماً، منهم ثلاثة من زوجتك الأخيرة كريستين. ما هي الرسالة التي تريد أن تنقلها لهم؟
} أفعل كل شيء لجعل أطفالي سعداء، على عكسي أنا الذي نشأت دون مال، أريدهم ألّا ينسوا أبداً أنهم محظوظون جداً، وأقول لهم باستمرار إنهم على هذا الكوكب ليتركوا بصمة ويحدثوا فرقاً.
} أي نوع من الآباء أنت؟

حاضر جداً في حياة أولادي وأعانقهم في كل وقت، وعندما لا أعمل، أصطحبهم في الصباح إلى المدرسة. وعندما أعود في المساء، ألعب معهم وأظل يقظاً جداً. وأنا في حرب مستمرة معهم، كي لا يضيعوا حياتهم مثل معظم المراهقين البلداء اليوم، الذين لا يرفعون رؤوسهم عن هواتفهم الذكية.

} هل لا تزال لديك أحلام؟

أحلم دائماً وأحب الحياة، وأن أتعلم وأعلّم، وقبل كل شيء أن أكون في سلام مع نفسي.

} هل أنت في سلام مع نفسك اليوم؟

أعتقد ذلك، ولكن هذا لا يمنعني من أن أكون شغوفاً بأشياء كثيرة. وأستطيع البقاء اثنتي عشرة ساعة في اليوم أعمل على جراري لقلب التربة، وأقضي ليالي أضع الخطط لأرى ماذا سأفعل بأرضي في اليوم التالي، وفي السابعة والنصف أكون في ساحة المعركة.

} ما كنت تود أن تصبح لو لم تأتِ إلى السينما للتعبير عن نفسك؟

كثيراً ما أسال نفسي هذا السؤال. أنا لست رجل المدن، وأعتقد أنني كنت سأعيش في الشمال الغربي لأصبح صياداً. ولو لم أكن رجل أعمال جيداً، لكانت حياتي بالتأكيد غير ذلك منذ فترة طويلة. أما بالنسبة للشهرة، فأنا لا أراها غاية في حد ذاتها، بل مجرد علامة عصرنا، ولم أحاول أبداً أن أكون مشهوراً، بل أردت فقط أن أكون نفسي.

} بلغت 62 عاماً، ما الذي أنت متأكد منه اليوم؟

متأكد من قناعاتي، رغم أنني في بعض الأحيان أعتبر نفسي جزءاً من الأقلية.

جوائز وإنجازات

كيفن كوستنر سبق أن نال جائزتي أوسكار عام 1991 عن فيلمه «الرقص مع الذئاب». أما فيلمه الأخير «أرقام خفية» فلم يخرج بأي جائزة من الأوسكار لكنه نال جوائز عالمية أخرى. وهو مأخوذ عن رواية مارجو لي شيترلي، عن كاثرين جونسون مع دوروثي فوجان وماري جاكسون، عبقريات في «ناسا»، وكانت كاثرين أذكاهن، وأدت دورها تراجي بي هنسون. وبفضل كاثرين، تمكن رائد الفضاء جون جلين من إنجاز مهمته التاريخية في 20 فبراير/ شباط 1962، بالدوران حول الأرض والعودة سالماً. وهي التي حسبت مسار رحلة الفضاء التي نفذها في 5 مايو/ أيار 1961 آلان شيبرد، أول أمريكي في الفضاء. كانت كاثرين جونسون أول امرأة سوداء تعمل في هندسة الفضاء في وكالة «ناسا»، حتى عام 1986. وفي عام 2015، منحها الرئيس السابق باراك أوباما وسام الحرية.