يواصل ضيوف الرحمن في مشارق الأرض ومغاربها توافدهم على الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج والتزود منها بكل ما هو خير ليعودوا إلى أسرهم وأوطانهم بلا ذنوب أو آثام، تحقيقاً لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
والسؤال الذي يفرض نفسه على كل حاج أو حاجة هو: كيف أستفيد من هذه الرحلة المباركة وأعود منها بأكبر الفوائد التي أشار إليها القرآن الكريم في قول الحق سبحانه: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات...»؟
هذا السؤال وغيره من التساؤلات المتعلقة بمنافع رحلة الحج عرضناها على عدد من كبار علماء الأزهر.. وهذه خلاصة نصائحهم وتوجيهاتهم لضيوف الرحمن وغيرهم قبل أداء فريضة الحج ليحققوا منها أعظم المنافع ويعودوا بلا ذنوب وآثام كما وعدهم الرسول الكريم:
في البداية يثمن العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء، الإقبال المتزايد للمسلمين من مختلف بقاع الأرض على أداء مناسك الحج والعمرة، سواء فريضة أو تطوعاً، ويؤكد أن إقبال المسلمين على السفر وتحمل مشقة وتكلفة هذه الرحلة يؤكد حرص المسلمين على أداء الفرائض والعبادات في سباق يكشف عن العاطفة الدينية للمسلمين.. ويقول: لا شك في أن الرغبة في تأدية العبادات والحرص على الطاعات يؤكد ارتباط المسلمين بدينهم رغم مظاهر الخروج على تعاليم الإسلام في كل المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، ورغم المحاولات التي لا تتوقف من جانب خصوم الإسلام لعزل المسلمين عن عباداتهم وتعاليم ومبادئ وأخلاق دينهم.

من علامات الإيمان

ويضيف: الحرص على الحج والعمرة من علامات الإيمان، وهو يؤكد الرغبة في التطهر من كل الذنوب والآثام، فالحج- كما أوضح لنا رسولنا الكريم- فيه تطهير للمسلم ظاهراً وباطناً، وفيه تكفير للذنوب، وتزكية للنفوس لتنعم برحمة الله سبحانه وبثوابه الوافر الجزيل.. فقد بشرنا صلى الله عليه وسلم بأن الحج المبرور ثوابه الجنة، وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، وأن من الآثار الطيبة والثمرات الكريمة التي تترتب على المتابعة بين الحج والعمرة غفران الذنوب وتيسير الأرزاق، فقال عليه الصلاة والسلام: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة».
ويوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويجب في العمر مرة واحدة على كل مسلم ومسلمة عندما تتوافر الاستطاعة لقوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين»، ولذلك لا يجوز لمسلم قادر على أعباء الفريضة البدنية والمادية أن يتراخى أو يتكاسل عن أداء الحج، حيث أجمع علماء الأمة قديماً وحديثاً على أنه فرض عين، وهو لازم على كل مستطيع حال توافر شرط الاستطاعة، ولذلك فإن الانشغال عن فريضة الحج انشغال عن عبادة واجبة وتأخيرها يعرض الإنسان لضياع فرصة لا يدري هل ستتاح له مرة أخرى أم لا، فالأعمار بيد الخالق القادر وهو العليم الخبير، وعلى كل إنسان أن يلبي نداء خالقه ويبادر بأداء الفريضة متى توافرت له الاستطاعة المادية والبدنية، خاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رغّبنا في أداء هذه الفريضة بكل وسائل الترغيب، فقد «سئل صلوات الله وسلامه عليه أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور»، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه «حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن»، وقال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

نقطة تحول مصيرية

الفقيه الأزهري د. نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء، مفتي مصر الأسبق، ينصح كل حاج بأداء العبادات والطاعات وأعمال الخير خلال رحلة الحج بحرص وإخلاص ورغبة، ويقول: لا ينبغي أن يضجر الحاج مما يواجهه من متاعب وصعوبات في هذه الرحلة الإيمانية المباركة، وعليه أن يتعلم منها كل معاني الصبر والاحتساب عند الله حتى لا يهدر الأجر والثواب، فالحج مشقة وعلى الحاج- رجلاً كان أو امرأة- أن يعلم أنه ليس في رحلة ترفيهية، بل في رحلة عبادة وتقرب إلى الله. ويضيف: رحلة الحج وما فيها من عبادات وتضحيات والتزام سلوكي وأخلاقي يجب أن تكون نقطة تحول مهمة ومصيرية في حياة من يقوم بها، حيث ينبغي أن يستثمرها ليتخلص من كل الذنوب والمعاصي التي لحقت به طوال حياته، ولذلك فإن المسلم الواعي هو الذي يعود منها بدون ذنوب أو معاص.
ويقول: أول ما أنصح به الحاج قبل سفره لأداء الفريضة هو الحرص على الحلال، وتجنب كل ما فيه شبهة حرام، حتى يتقبل الله منه عبادته وطاعته ويستجيب لدعائه، كما ننصح الحاج بالإنفاق المعتدل فلا إسراف ولا تقتير.. والقرآن الكريم يقول في هذا الشأن: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، فعلى الحاج أن يتمتع بطيبات الطعام والشراب من دون إسراف، وعليه أن يدرك أنه سافر وتحمل مشاق السفر والبعد عن الأهل والأحباب والأصحاب من أجل أداء عبادة، وليس من أجل الطعام والشراب والتسوق وغير ذلك مما ينشغل به كثير من ضيوف الرحمن.

إهدار ثواب الفريضة

وعن موقف الذين يستسلمون لشياطين الجن والإنس ويرتكبون سلوكيات شاذة وغريبة لا تتفق مع طبيعة الرحلة الإيمانية التي يقومون بها، يؤكد مفتي مصر الأسبق أن هؤلاء يهدرون أجر وثواب الفريضة، فالحج رحلة «انضباط سلوكي وأخلاقي»، والذين يستسلمون للشيطان ويرتكبون حماقات ويسيئون لرفاقهم من ضيوف الرحمن أو يتعمدون إلحاق الأذى بهم بعيدون عن أخلاق الحج، وهم في واقع الأمر لم يستفيدوا منها لأن العبادات والطاعات من شأنها تهذيب سلوك الإنسان، ولذلك اشترط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحج الذي يغفر الذنوب ويمحو الخطايا أن يكون خالياً من «الرفث والفسوق».
ويضيف: من يؤدون العبادات ويقومون بالأعمال الخيرية المتنوعة ويرتكبون الحماقات السلوكية يخرجون من الدنيا مفلسين مهما تعددت وجوه الخير الذي يفعلونه، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوضح لنا هذه الحقيقة فقد قال لبعض صحابته الكرام: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليهم قائلاً: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».

التواصل المثمر

د. محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ينصح كل حاج بأن يحقق مقاصد الحج المتنوعة من خلال رحلته الإيمانية، ويقول: من مقاصد رحلة الحج تطهير المسلم من الذنوب والآثام من خلال التوبة الصادقة، والعودة من هذه الرحلة إنساناً آخر غير الذي ذهب، فالحج الذي يؤديه المسلم ملتزماً بآدابه وأخلاقه ويحرص فيه على مكارم السلوك والأخلاق ينتقل به إلى الأفضل ويصحح مسيرة حياته.
ويشير د. عفيفي إلى مقصد آخر من أهم مقاصد الحج ومنافعه وهو التلاقي المفيد والتواصل المثمر بين المسلمين، ويقول: في الأماكن المقدسة يتلاقى المسلمون من كل فج عميق ليتحاوروا ويتفاهموا ويتناقلوا فيما بينهم الأفكار المفيدة والتجارب والخبرات الرائدة، والمسلم الحق هو الذي يعرف الخطوط الفاصلة بين الحوار الذي يؤدي إلى التفاهم والتلاقي، وبين النقاش الحاد الذي ينتهي بأصحابه إلى التعصب الأعمى للرأي، فالحوار مطلوب ومرغوب والنزاع والتعصب مرفوض وينتهي بالمتحاورين والمتناقشين إلى ما يتنافى مع مقاصد رحلة الحج.
ومن هنا يرى أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ضرورة التحلي بخلق الرفق في الحوار والرفق في التعامل، فالرفق خلق كريم يجلب لصاحبه رضا الله عز وجل ورضا كل الناس المحيطين به والمتعاملين معه.

الحج المبرور

وعن مواصفات الحج المبرور الذي بشرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأن ثوابه الجنة يقول: الحج المبرور هو الذي يتقبله الله عز وجل، ومن علامات القبول أن يرجع الحاج إلى أسرته وأهله وعشيرته خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقد قال بعض العلماء إن الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه، أو هو الذي لا تعقبه معصية، وقال بعضهم: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم وهو مأخوذ من البر وهو الطاعة.
لذلك يجب على كل من أنعم الله عليه بالسفر للحج أن يحرص على الآداب والسنن، وأن يلتزم بمكارم الأخلاق في تعامله مع كل الناس من أهل مكة والمدينة وحجاج بيت الله الحرام، وألا يشغل نفسه بمشاحنات ومجادلات عقيمة تغير النفوس وتفرق الصفوف، وألا يرتكب محظوراً من محظورات الحج، وأن يكثر من الإنفاق على الفقراء والمحتاجين طوال رحلته المباركة، فالنفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله الدرهم بسبعمائة ضعف، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويختتم د. عفيفي نصائحه لضيوف الرحمن قائلاً: لا تنشغلوا بشيء عن العبادة والطاعة، فالحج ليس نزهة أو رحلة ترفيهية ينشغل فيها الإنسان بالطعام والشراب، واللف في الأسواق والمتاجر بل هو رحلة إيمانية يجب أن يستفيد الحاج من كل لحظة فيها وأن يوظف كل وقته وجهده لطاعة الله عز وجل، وكذلك ينبغي أن يحرص الحاج على التواجد في الحرم أطول وقت ممكن لأداء الصلوات في أوقاتها وقراءة القرآن الكريم، والطواف حول البيت كلما وجد القدرة على ذلك.