اعتاد بعضنا أن يسلم على آخر لقيه في الشارع بقوله: السلام عليكم، وبعض آخر يحيي صاحبه بقول: صباح الخير أو مساء الخير، وبعضهم يسلم على صاحبه وهو مشغول بالأكل أو بالدعاء أو بغيره.

يعني ذلك أن هناك صوراً كثيرة للسلام، وصوراً كثيرة للرد أيضاً، حيث لوحظ أن بعضهم يرد على المسلم بقوله: مرحباً أو هلا أو عليكم، ولا يكمل.

والسلام في الإسلام لو بحثنا عنه لوجدنا أن له صيغة معروفة ومواقف خاصة، وجواباً خاصاً، وحكم رده غير حكم القائه، ويختلف سلام المسلم على المسلم عن سلام المسلم على غير المسلم باعتبار معناه.

فالسلام يأتي بمعنى السلامة والأمن، والسلام من أسماء الله تعالى، وهكذا ورد في كتب اللغة كالمصباح المنير للفيومي ولسان العرب لابن منظور.

أما الفقهاء فقالوا إن السلام يأتي بمعنى التحية، فيكون معرفاً بالألف واللام السلام عليكم، ويكون منكراً: سلام عليكم، إلا أن المعرف أفضل لأنه تحية أهل الدنيا، أما المنكر فتحية أهل الجنة في الآخرة لقوله تعالى: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (سورة الرعد: 23و24).

ويجب ان نفرق بين إلقاء السلام مجرداً، وبين أن يقترن بالمعانقة والمصافحة، فالسلام الشرعي هو أي يلقى مجرداً من غير مصافحة ولا معانقة، لأن القصد التحية.

بل وردت كراهية المعانقة عند السلام، حيث يذكر القرفي في كتاب الذخيرة عن الإمام مالك رحمه الله كراهتها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا مع جعفر بن أبي طالب لما رجع من الحبشة، ولم يصحبها العمل من الصحابة بعده.

وإنني أميل الى قول مالك، لأن الناس اليوم لم يقفوا عند حد المعانقة، بل يقبل الرجل الرجل عند السلام بصوت عال، كأن الرجل يعانق امرأته، وعند بعضهم يقبل بعضهم بعضاً عند السلام في الفم.

وقد أدت مثل هذه المبالغات في السلام الى أن يصافح ويعانق الرجل الاجنبي المرأة الاجنبية، أيضاً، بحكم أنه سلام ولا يعني شيئاً، وقد فعل ذلك بحجة أنه لم يرها منذ زمن فكان واجباً أن يعبر عن شوقه.

وأؤيد السلام المجرد أيضاً لأننا لو اكتفينا بإلقاء السلام من غير مصافحة ومعانقة، لكان ذلك أسلم صحياً، إذ يحصل أن بعض الناس يدخل المجالس وهو مزكوم محموم، فيسلم ويصافح ويعانق، وهو يقول: تراني أنا مزكوم، ولكن ما يصير ما اسلم، قصده ما يعانق، فيسلم على عشرين شخصاً أو أكثر من ذلك، ولا يخرج من عندهم، إلا بعد أن يصبح نصفهم من ضحاياه، وهذا ليس من تعاليم الإسلام الذي نهانا عن أن نورد الممرض على المصح.

والذين أجازوا من الفقهاء المصافحة والمعانقة، ذكروا للمصافحة والمعانقة آداباً، فابن عابدين الفقيه الحنفي قال إن المصالحة أن تضع كامل كفك في كامل كف صاحبك، وأن تقبل عليه بوجهك، لا أن تمد اليه رؤوس اصابعك كما نرى ذلك اليوم عند بعض الناس حيث يسلم على الناس برؤوس أصابعه.

ويقول الفقيه ابن مفلح الحنبلي في كتاب الآداب الشرعية: تصح المعانقة لكن مع أمن الشهوة.

وفي حاشية قليوبي نجد السادة الشافعية يجيزون المعانقة، لكن حرموا معانقة الأجنبية والأمرد وذوي العاهات، مما يعني أن الأصل عند الجميع هو أن يلقى السلام، وإن كانت هناك مصافحة ومعانقة فينبغي أن تراعى الآداب.