القرآن الكريم يغرس في نفوس جميع المسلمين الطمأنينة والرضا بكل ما يقدره الخالق سبحانه وتعالى للإنسان في هذه الدنيا، حيث يؤكد الحق سبحانه في العديد من الآيات القرآنية الكريمة أن كل شيء في هذه الحياة، خاضع لقضاء الله تعالى وقدره، وواجب المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء، صابرا عند البلاء .

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الحديد: مَا أصاب مِن مصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ من قَبْلِ أن نبْرَأَهَا إن ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِب كُل مُخْتَالٍ فَخُورٍ، الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَل فَإِن اللهَ هُوَ الْغَنِي الْحَمِيدُ .

ومعنى قوله عز وجل: مَا أصاب مِن مصِيبَةٍ فِي الأرض وَلا فِي أَنفُسِكُمْ . . .: اعلموا أيها المؤمنون أن ما أصابكم من مصائب سواء في الأرض كالقحط والزلازل أو في أنفسكم كالأسقام والأوجاع إلا وهذه المصائب مسجلة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس، وهذه المصائب .

ومعنى قوله تعالى: إن ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ إن ذلك الذي أثبتناه في لوحنا المحفوظ وفي علمنا الشامل لكل شيء، قبل أن نخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض يسير وسهل علينا، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء، وعلمنا لا يعزب عنه شيء .

فالآية الكريمة صريحة في بيان أن ما يقع في الأرض، وفي الأنفس من مصائب ومن غيرها من مسرات مكتوب ومسجل عند الله تعالى قبل خلق الأرض والأنفس . وخص سبحانه المصائب بالذكر، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا، وكثيرا ما يكون إحساسه بها وإدراكه لأثرها، أشد من إحساسه وإدراكه للمسرات .

ومن الآيات التي تشبه هذه في معناها قوله تعالى: قُل لن يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ .

لكي تهون المصائب

ثم بين سبحانه الحكم التي من أجلها فعل ذلك فقال: لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ .

أي: فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم في كتاب من قبل خلقكم، وأخبرناكم بذلك، لكي لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدي بكم إلى الجزع، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم الله تعالى من نعم عظمى وكثيرة فرحا يؤدي بكم إلى الطغيان، وإلى عدم استعمال نعم الله تعالى فيما خلقت له، فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ، هانت عليه المصائب واطمأنت نفسه لما قضاه الله تعالى، وكان عند الشدائد صبوراً، وعند المسرات شكوراً .

يقول صاحب تفسير الكشاف عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: إنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت، وفرحكم بالآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطّن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله .

ثم ختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: وَاللهُ لا يُحِب كُل مُخْتَالٍ فَخُورٍ أي: والله تعالى لا يحب أحدا من شأنه الاختيال بما أتاه الله سبحانه من نعم من دون أن يشكره تعالى عليها، ومن شأنه أيضا التفاخر والتباهي على الناس بما عنده من أموال وأولاد، وإنما يحب الله تعالى من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه عز وجل .

وهكذا . . نرى أن هاتين الآيتين كما يقول الشيخ محمد الراوي أستاذ التفسير وعضو مجمع البحوث الإسلامية قد غرستا في قلب المؤمن كل معاني الثقة والرضى بقضاء الله في كل الأحوال، وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التي شرعها الله تعالى، لأن ما سجله الله في كتابه علينا قبل أن يخلقنا لا علم لنا به، وإنما علمه مرده إليه وحده تعالى، وهو سبحانه لا يحاسبنا على ما نجهله وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به، أو نهانا عنه عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم .

وكما سجل سبحانه أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها، وبين لنا في كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعمالنا .

وعندما قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟

أجابهم قائلاً: اعملوا فكل ميسر لما خلق له .

حرب على البخلاء

والمراد بالبخل في قوله سبحانه: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، كل من يبخل بماله أو بعلمه، فكأنه تعالى يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه في وجوه الخير، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا، ولا يكتفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح .

وعلى رأس الذين لا يحبهم الله المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شيء منها في سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم .

يقول د .أحمد عمر هاشم، الأستاذ بكلية أصول الدين والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر: لقد ذم الله البخلاء في العديد من آيات القرآن الكريم، لأن البخل آفة خطيرة ورذيلة من أقبح الرذائل، والبخل دليل على قلة العقل وسوء التدبير، وهو أصل لنقائص كثيرة، ويدعو إلى خصال ذميمة، ولا يجتمع مع الإيمان، بل من شأنه أن يهلك الإنسان ويدمر الأخلاق، كما أنه دليل على سوء الظن بالله عز وجل، يُؤخر صاحبه، ويبعده عن صفات الأنبياء والصالحين فالبخيل محروم في الدنيا مؤاخذ في الآخرة، وهو مكروه من الله عز وجل مبغوض من الناس، ولذلك شن عليه القرآن حملة شديدة .

قال تعالى: وَلا يَحْسَبَن الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَر لَهُمْ سَيُطَوقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلهِ مِيرَاثُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .

وقال: الذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مهِينًا .

ذم المنافقين

وفي معرض ذم المنافقين قال سبحانه: وَمِنْهُم منْ عَاهَدَ اللهَ لئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصدقن وَلَنكونَن مِنَ الصالِحِينَ (*) فَلَما آتَاهم من فَضْلِهِ بَخِلُوا بهِ وتَوَلّوا وّهم معْرِضونَ (*) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه بما أَخْلَفوا اللهَ ما وَعدُوهُ وبِما كانوا يَكْذِبُونَ .

وبيّن جل وعلا أن عائد البخل إنما هو على النفس، فقال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَني وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلوْا يَسْتَبدِلْ قَوْماً غَيْرَكمْ ثُم لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ .

وقال سبحانه: الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَل فَإِن اللهَ هُوَ الْغَنِي الْحَمِيدُ .

وفي بيان مغبة البخل قال سبحانه: وَأَما مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى (*) وَكذبَ بالحُسْنَى (*) فَسَنُيَسرُهُ للعُسْرى .

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذُ بك من الهَم والحَزَنِ، والعَجْزِ والكسَل، والبُخْلِ والجبنِ، وضلع الدّين، وغَلَبَة الرجَالِ . . .

ومعنى قوله سبحانه: وَمَن يَتَوَل فَإِن اللهَ هُوَ الْغَنِي الْحَمِيدُ: من يعرض عن هدايات الله تعالى وعن إرشاداته، فلن يضر الله شيئا، فإن الله هو صاحب الغنى المطلق الذي لا يستغني عن عطائه أحد، وهو سبحانه كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله من دون اختيال أو تفاخر أو أذى .