وضع القرآن الكريم دستوراً واضحاً لقضية الحلال والحرام، حتى لا تختلط الأمور على الإنسان ويفقد القدرة على التمييز بين المباح والمحظور والنافع والضار، ولذلك تعددت النصوص القرآنية التي تحذر المتشددين والمتطرفين في كل العصور من تحريم ما أباحه الخالق المشرع لعباده، أو تحليل ما حرمه الله سبحانه، فالتحليل والتحريم في الإسلام له هدف وفلسفة لا يدركها الإنسان، لذلك يجب أن يترك الأمر لصاحب الأمر ويقول (سمعاً وطاعة) للخالق القادر المشرع العليم بأحوال عباده الخبير البصير بما ينفعهم وما يضرهم .

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة المائدة: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون .

سبب النزول

في هاتين الآيتين يوجه الحق سبحانه وتعالى نداء إلى المؤمنين ينهاهم فيه عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم، ويأمرهم بأن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال .

وفي سبب نزول هاتين الآيتين جاءت روايات منها ما روي عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني إذا أكلت انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم . . فأنزل الله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا . . وفي رواية أخرى أن أناساً من أصحاب النبي هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء فنزلت هذه الآية . . وقيل نزلت هذه الآية في مجموعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم، فقال النبي لهم: لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني .

وقد وجه سبحانه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان، لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم حتى يمتثلوا أوامر الله ونواهيه . . والمراد بقوله: لا تحرموا لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم من طيبات بأن تأخذوا على أنفسكم عهداً بعدم تناولها أو الانتفاع بها .

فالنهي عن التحريم هنا ليس منصبّاً على الترك المجرد، فقد يترك الإنسان بعض الطيبات لأسباب تتعلق بالمرض أو غيره، وإنما هو منصبٌّ على اعتقاد أن هذه الطيبات يجب تركها ويأخذ الشخص على نفسه عهدا بذلك .

والمراد بالطيبات: الأشياء المستلذة المحللة التي تقوي بدن الإنسان وتعينه على القيام بواجباته الدينية والدنيوية: من طعام شهي وشراب سائغ، وملبس جميل .

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله إيماناً حقاً لا تحرموا على أنفسكم شيئاً من الطيبات التي أحلها الله لكم، فإنه سبحانه وتعالى لا يحب الذين يتجاوزون حدود شريعته، وسنن فطرته، وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم .

استمتعوا بالطيبات

وبعد أن نهى سبحانه عن تحريم الطيبات أمر بتناولها والتمتع بها، فقال: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون .

والأمر في قوله وكلوا للإباحة . . وقيل إنه للندب . . ويرى بعض العلماء أنه للوجوب، لأن من الواجب على المؤمن ألا يترك أمراً أباحه الله تعالى تركاً مطلقاً، لأن هذا الترك يكون من باب تحريم ما أحله الله .

أي: كلوا - أيها المؤمنون - من الرزق الحلال الطيب الذي رزقكم الله إياه وتفضل عليكم به واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون، بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه وتلتزموا في مأكلكم ومشربكم وملبسكم وسائر شؤونكم حدود شريعته، وتوجيهات رسوله صلى الله عليه وسلم .

والمراد بالأكل هنا التمتع بألوان الطيبات التي أحلها الله، فيدخل فيه الشرب مما كان حلالا، وكذلك يدخل فيه كل ما أباحه سبحانه من متعة طيبة تميل إليها النفوس وتشتهيها .

وعبر عن مطلق التمتع بما أحله الله بالأكل، لأنه أعظم أنواع المتع وأهم ألوان منافع الإنسان التي عليها قوام حياته .

وقد زكى سبحانه طلب التمتع بعطائه وخيره بأمور منها أنه جعله مما رزقهم إياه، وأنه وصفه بكونه حلالاً وليس محرماً، وبكونه طيباً وليس خبيثاً . . والمأكول أو المشروب أو غيرهما متى كان كذلك اتجهت نفس المؤمن إليه بارتياح وطمأنينة واجتهدت في الشكر لواهب النعم على ما أنعم وأعطى .

وقوله: واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون استدعاء التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن . . والآية واضحة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى، وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى .

تحذير للغلاة

قال القرطبي في تفسيره: قال علماؤنا: في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رد على غلاة المتزهدين، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين، إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه .

وقال الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون .

والخلاصة أن هاتين الآيتين تنهيان المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم، وتأمرانهم بالتمتع بها من دون إسراف أو تقتير مع خشيتهم لله تعالى وشكره على ما وهبهم من نعم، وذلك لأن ترك هذه الطيبات يؤدي إلى ضعف العقول والأجسام، والإسلام يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء في عقولهم وفي أجسادهم وفي سائر شؤونهم، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، كما جاء في الحديث الشريف .

ومن خلال هذا النص القرآني وما في معناه يتضح لنا أن القرآن جاء بدستور حياة شامل لكل ما يحتاجه الإنسان السوي، فهو ليس كتاب رهبنة وانقطاع عن الدنيا، وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يبعثني بالرهبانية، وإنما القرآن، كما يقول الفقيه الأزهري د . نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء دستور عبادة وعمل، فهو لا يقطع العابد عن الحياة، ولكنه يأمره بأن يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها . . والتفاضل بين المؤمنين يكون باستقامة النفس، وسلامة العبادة وكثرة إيصال النفع للناس، ولا يكون بالانقطاع عن الدنيا وتحريم طيباتها التي أحلها الله تعالى .

مصلحة الإنسان

ويضيف د . واصل: كل قارئ مدقق في كتاب الله الخاتم وكل دارس لما جاء به من أحكام شرعية، يدرك أن أحكام القرآن هدفها مصلحة الإنسان، فكل ما فيه مصلحة حقيقية للإنسان جاءت نصوص بإباحته، وكل ما فيه ضرر جاءت نصوص بتحريمه والتحذير منه .

ولذلك جاءت أحكام شريعتنا الإسلامية - وهي تعتمد على القرآن كمصدر رئيس للتشريع - عادلة ومنصفة وموضوعية، ومساحة الأحكام المتغيرة والمتجددة فيها تفوق كثيراً مساحة الأحكام الثابتة، حيث يدور الحكم مع مصلحة الإنسان وجوداً وعدماً .

ويوضح د . واصل أن الشريعة الإسلامية التي تستمد أحكامها ومبادئها من القرآن الكريم، جاءت بجملة من المبادئ الأساسية وجعلتها ركائز يقوم عليها أمر الحلال والحرام وأبرزها: أن الأصل في الأشياء الإباحة . . فالأصل في ما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، فلا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح بتحريمه، ولذلك ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام واتسعت دائرة الحلال اتساعا كبيرا، فالنصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدا، والأمر الذي لم يأت نص بحله أو حرمته باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي . . وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاْقبلوا من الله بعافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا، وتلا صلوات الله وسلامه عليه قول الحق سبحانه: وما كان ربك نسياً .

وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها .

لا وصاية لأحد

ويقول أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، د . محمد نبيل غنايم: القرآن الكريم لم يترك سلطة التحليل والتحريم في يد أحد، حتى العلماء والفقهاء المتخصصون في أمور الدين والعالمين بدقائق وأسرار الأحكام الشرعية لا يملك أحد منهم أن يحلل أمرا حرمه القرآن، ولا أن يحرم ما أحله الله ورسوله، وهذه إحدى خصائص التميز والموضوعية في الشريعة الإسلامية على عكس الشرائع السابقة، التي كان التحليل والتحريم فيها في أيدي الأحبار والرهبان، وقد نعى القرآن الكريم سلوك أهل الكتاب الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، فقال سبحانه في سورة التوبة: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .