بين الله سبحانه وتعالى في كتابه أن الذين ينقضون عهدهم المرة بعد المرة هم شر الدواب قال تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون . (سورة الأنفال: الآيات 55-57) .
يذكر محمد خليل الخطيب في كتابه خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك لنا العديد من الخطب التي تتحدث عن فضل المحافظة على العهد وترك الخيانة فعن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه . ألا إن الله قد فرض فرائض . وسن سنناً، وحد حدوداً، وأحل حلالا، وحرم حراماً، وشرع الدين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً، ولم يجعله ضيقاً، ألا إنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن خاصمته فلجت عليه . ومن نكث ذمتي لم ينل شفاعتي، ولم يرد علي الحوض، إلا أن الله لم يرخص في القتل إلا ثلاثة: مرتد بعد إيمان أو زان بعد إحصان، أو قاتل نفس فيقتل بقتله . ألا هل بلغت . (رواه الطبرانى في الكبير) .
المتأمل لهذه الخطبة يجد أنها شددت على ضرورة الوفاء بالعهد، وأن الذين يخلفون العهد لا دين لهم، ومن يخلف عهد الله، خرج من دينه ومن ينكث العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمه ومن خاصمه المصطفى صلى الله عليه وسلم غلبه ولم يفز بشفاعته يوم القيامة .
وعن قيمة الوفاء بالعهد، يقول الدكتور رمضان المحلاوي في كتابه من أخلاق الإسلام: إن الله سبحانه وتعالى يأمر بالوفاء بالعهد، قال تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً (سورة الإسراء: الآية 34) .
الوفاء حتى مع العدو
وتتجلى روعة الإسلام في الأمر بالوفاء بالعهد مع العدو فضلاً عن الأمر بالوفاء بالعهد مع الصديق، قال تعالى:وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (سورة الأنفال: الآية 58)، والمعنى: وإما تعلمن يا محمد من قوم بينك وبينهم عهد نقض العهد خيانة منهم بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستوٍ ظاهر: بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد سواء؛ لأن الله لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التى يبغضها الله تعالى أن يحارب أحد المتعاهدين الآخر من دون أن يعلمه بإنهاء عهده .
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد عن سليمة بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدراً، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقده ولا يشدها حتى ينقضي أحدهما أو ينبذ إليهم على سواء فبلغ ذلك معاوية فرجع فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة .
وقال الفخر الرازى: قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً، أو ظهوراً مقطوعاً به، فإن ظهرت آثار نقض العهد ظهوراً محتملاً وجب الإعلام على ما هو مذكور في الآية: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء وذلك لأن بني قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهدهم على سواء، ويأذنهم بالحرب أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فهنا لا حاجة إلى نبذ العهد وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة . أي أنهم لم يعلموا بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى جاء لمحاربتهم إلا بعد وصوله إلى هذا المكان .
وبذلك ترى تعاليم الإسلام ترتفع بالبشرية إلى أسمى آفاق الوفاء والشرف والأمان وتحقر من شأن الخيانة والخائنين وتتوعدهم بالطرد من رحمة الله . ولقد بين الله سبحانه في كتابه أن الله ورسوله بريئان من عهود المشركين بسبب نقضهم لها . لكن الذين عاهدوا المسلمين ولم ينقضوا عهودهم أو لم ينقضوا شيئاً من شروط العهد ولم يعاونوا عليهم أحداً من الأعداء فهؤلاء أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ولا تعاملوهم معاملة الناكثين، قال تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين . (سورة التوبة:الآية 4) .
صفة إلهية
ويؤكد طه عبد الله العفيفي في كتابه من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوفاء بالعهد من صفات الله عز وجل الذى يقول: وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله (سورة التوبة الآية 111) .
فلا تنس هذا وكن وفياً لعهدك حتى لا تقع في شباك النفاق، ففي الحديث: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر . (رواه البخارى ومسلم) .