الزواج من سنته صلى الله عليه وسلم، وقد حث عليه، وحذر أولئك الذين تعاهدوا على اعتزال النساء والتبتل والتفرغ للعبادة، والرهبانية المنافية لطبيعة الإنسان، وكان صلى الله عليه وسلم وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له يصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء، وأن من يخرج عن هديه فليس له شرف الانتساب إليه، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء، بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عثمان إني لم أؤمر بالرهبانية (وفي رواية: إن الرهبانية لم تكتب علينا)، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله، قال: «إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني. يا عثمان: إن لأهلك عليك حقا، ولعينك عليك حقا». قال سعد: «فوالله لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه، أن نختصي فنتبتل».
والزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، لا يشذ عنها عالم الإنسان، أو عالم الحيوان أو عالم النبات: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات 49)، وهي الأسلوب الذي اختاره الله لاستمرار الحياة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الروم 21)، وقال تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات) (النحل 72).
سنة الأنبياء
وقد رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج، واعتبره من سنن الأنبياء، ففي حديث الترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من سنن المرسلين: الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح)، وضمن لمن يريد بنفسه العفاف عن المحارم عون الله فيما يقدم عليه، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)، فساوى بين المجاهد في سبيل الله والذي يريد سداد ما عليه من ديون، والذي يريد العفاف، واعتبر المرأة خير كنز يضاف إلى رصيد الرجل، ويروي مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة: إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله). والزواج عبادة يستكمل الإنسان بها نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء).
الأنموذج الكامل
وقدم لنا رسولنا الكريم نموذجا رائعا للرجل في بيته ومع زوجه، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكثير الذي يعلمنا كيف نكون مع أزواجنا، وقراءة لأخلاقه في بيته، وسلوكه مع زوجاته، وتعليمه للزوجين، وتوجيهه للأبوين، تمكننا من وضع القواعد التي ينبني عليها بيت سعيد، وحياة زوجية سليمة، داخل البيت المسلم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل والأسوة الحسنة للرجال في حسن معاشرة النساء أزواجاً وبناتٍ، وبلغ من عظم هذا الأمر أن جعله عليه الصلاة والسلام إحدى وصاياه لأمته في خطبة الوداع: (استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، وهو أمر للأزواج والآباء والإخوة والناس أجمعين بأن يستوصوا بالنساء خيرا، وأن يحسنوا إليهن، وألا يظلموهن، وأن يعطوهن حقوقهن، ويوجهوهن إلى الخير، فعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت).
وروى ابن ماجة والترمذي: (ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان (أي أسيرات) عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن). ولم يذكر عنه أنه ضرب أحدا من نسائه، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط)، وقالت عنه صلى الله عليه وسلم: (كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان بساما). وقد وضع لنا رسول الهدى ونبي التقى صلى الله عليه وسلم أسساً لبناء الحياة الزوجية، من تقدير واحترام، وتودد ومحبة ومكارم أخلاق، وما أكثر المواقف التي توضح المحبة والمودة في حياته صلى الله عليه وسلم لأزواجه ورقته ورحمته في التعامل معهن، وكان صلى الله عليه وسلم يطعم زوجاته ويسقيهن بيديه الكريمتين الشريفتين الطاهرتين، ويقول لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما زاره في بيته وهو مريض: (حتى اللقمة تضعها في في امرأتك يكون لك بها صدقة).
وكان صلى الله عليه وسلم يلاعب ويداعب ويلاطف زوجاته، وبلغ من حسن معاشرة الرسول صلى الله عليه وسلم لنسائه أنه كان يخدم في بيته ويقضي حوائجه بيده، ويتبرع بمساعدتهن في أمور البيت، وكان صلى الله عليه وسلم يصبح ويمسي في خدمة أهله، وأخبرتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته، ويرقع دلوه، ويغلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه)، وسئلت عائشة عنه: ما كان يصنع في بيته؟ قالت: «يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة».
وتحكي لنا كتب السنة والسيرة تعاونه صلى الله عليه وسلم مع أزواجه في أمور العبادة كالصلاة والصدقة ونحوها من الفرائض والمستحبات ومنها التعاون في قيام الليل، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صويحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة)، وكان يدعو لرجل أشرك أهله في صلاة قيامه بالليل ويقول: (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات).