في صيف العام ،1976 كان المشهد اللبناني في لحظة خطرة للغاية، بسبب الاقتتال الأهلي البشع، والتورط السوري العسكري في هذا الاقتتال، في محاولة لوقفه من جهة، وللحيلولة دون هزيمة القوى السياسية المسيحية أمام قوى الحركة الوطنية التي يقودها كمال جنبلاط، والمتعاونة مع المقاومة الفلسطينية التي يتزعمها ياسر عرفات، من جهة أخرى .

أفرز هذا الاقتتال، تقسيماً حاداً في الجغرافياً والطوائف، وكان القتل فيه على الهوية، ودفع لبنان الوطن ثمناً مرتفعاً من الضحايا والإمكانات، وترك أثره السلبي الكبير على مستقبل البلد والعلاقات بين أبنائه، فضلاً عن تحويل لبنان ساحة للصراعات العربية - العربية .

في بداية الصراع الأهلي، كان سليمان فرنجية، وهو صاحب مراس قوي، رئيساً للجمهورية، وكان التدخل السوري العسكري، في بدايات الاقتتال الأهلي، يدعم الجبهة الوطنية والفلسطينية عسكرياً، واستمر الدعم السوري العسكري لهذه الجبهة نحو سبعة أشهر، لكن التغير في موازين القوى المشاركة في الاقتتال، وظهور محاولات انقلابية عسكرية في الجيش اللبناني، والاستقطابات العربية والتدخلات في الساحة اللبنانية لتصفية الحسابات، والطموحات السورية الإقليمية، أدت إلى تغير في الاصطفافات الداخلية، وإلى احتدام الصراع . . وتزايد الاحتمالات أمام التقسيم وبخاصة مع تراجع القوى المسيحية السياسية . وبروز مؤشرات على إمكانية تدخل فرنسي بوساطة مصرية، وفي أوائل العام ،1976 تغير الموقف السوري .

وكان لبنان قبل التدخل السوري العسكري لمصلحة جبهة القوى المسيحية السياسية، يعارض تعريب المسألة اللبنانية، باعتبار أن بعض الدول العربية أصبحت طرفاً في النزاع . ويبدو أنه كانت هناك مؤشرات أمريكية وإسرائيلية، بعدم الممانعة، أمام دخول القوات المسلحة السورية إلى لبنان، لوقف الاقتتال .

وفي ضوء هذه التحولات، وتغير المواقف والاصطفافات في الإقليم، أعادت مصر علاقاتها مع عرفات، بعد أن كان معارضاً لاتفاقيات سيناء الثانية . وفي المقابل كانت قوات عرفات، قد تمكنت من تصفية جميع مكاتب تنظيم الصاعقة الموالي لسوريا في لبنان، ورغم محاولات ليبيا في ذلك الوقت، تشكيل ما يسمى جبهة رفض لمواجهة مصر السادات، ضمت العراق والجزائر وليبيا والمقاومة وسوريا، إلا أن هذه الجبهة سرعان ما تفككت عراها، إثر التدخل السوري العسكري في لبنان لمصلحة جبهة القوى المسيحية السياسية، وارتفعت وتيرة العداء بين العراق وسوريا . وحينما تشكلت قوات الردع العربية من عدد من الدول العربية، فإن الجزائر انسحبت منها وكذلك ليبيا .

وحينما استحضر أوراق وذكريات الاجتماعات التي عقدت في مقر الجامعة العربية القاهرة في صيف ،1976 تحضرني عدة مواقف بارزة، بعضها عظيم في أهميته، وبعضها الآخر مملوء بالطرافة والسخرية المرة .

أما الجانب العظيم الأهمية، فهو مبادرة الإمارات بالمشاركة بقوات في قوات الردع العربية الرمزية، التي تقرر إرسالها إلى لبنان، للمعاونة على وقف الاقتتال، ومنع تدهور الأوضاع في لبنان، في إطار احترام استقلال لبنان ورفض المحاولات الرامية لتقسيمه .

وتبرز أهمية هذه المشاركة، كونها المرة الأولى تاريخياً، التي يخرج فيها الجندي الإماراتي خارج حدود بلاده، للمشاركة في تعزيز عمل عربي مشترك، وسجلت الإمارات في هذه المبادرة، إجماعاً عربياً ولبنانياً حولها، ولعلها أيضاً كانت فرصة ملائمة لاكتساب الخبرة في مجال الفصل بين المتحاربين، وبناء علاقات تعاونية طيبة مع السكان وأهالي المناطق التي تواجدت القوات فيها .

أما الطرائف الساخرة، فهي كثيرة، رغم مرارة الأوضاع وتصاعد اقتتال أبناء الوطن الواحد . ففي مطلع أحد الاجتماعات التي عقدت في نهاية يونيو/ حزيران من ذلك العام، جرى تلاسن بين عرفات وعبدالحليم خدام وزير خارجية سوريا كما جرى تلاسن عالي الوتيرة، بين سعدون حمادي (العراق) وعبدالحليم خدام (سوريا)، وتبادلا الشتم والسب وتهمة الخيانة .

وطوال جلسة الاجتماع، التي استمرت أكثر من ست ساعات متواصلة، ظل رئيس وفد لبنان صامتاً، لا يتدخل في المناقشات التي تجرى حول بلده . . وفي الدقائق الأخيرة، صمت الجميع، عندما لاحظوا أن رئيس وفد لبنان يطلب الكلمة، لكن المفاجأة المضحكة في قوله، والتي على إثرها رفعت الجلسة، وانتهى الاجتماع، كانت في كونها مجرد جملة قصيرة، توضيحية (على حد قوله) ومفادها: سمعتكم طوال الاجتماع، حينما يرد اسم لبنان، تذكرونه وكأنه مؤنث، وفي الحقيقة اللغوية، فإن لبنان هو مذكر، للعلم فقط .

ضحك الجميع، وكانت الحرب الأهلية على أشدها .