في كتابه الممتع «النبطي الفصيح» غوص في لغة الشعر النبطي، يرجع الشاعر والباحث الإماراتي سالم الزمر نحو 288 كلمة وردت في قصائد نبطية شعبية إلى أصولها أو جذورها اللغوية الفصحى، وعلى وجه آخر كأن كل شاعر كبير في داخله شاعر شعبي لا يفصح عنه، ويظل يخبئه تحت معطف الشاعر الفصيح.
لوركا شاعر كبير، في داخله شاعر شعبي نستطيع رؤيته من خلال الروح الشعبية في قصائد هذا الشاعر الأندلسي الذي تأثر بأغاني الغجر الشعبية، لا بل إن شعر لوركا نفسه يقوم على نسيج شعبي، وذلك لبساطته وغنائيته وانتمائه للناس البسطاء، بحيث تحول شعره إلى أغانٍ أندلسية تليق بالفلاحين والمزارعين الذاهبين إلى قطاف الزيتون في أندلس خضراء.. كان يقول عنها محمود درويش «.. الكمنجات تبكي على الأندلس»، وحتى شعر درويش الغنائي، و«السهل الممتنع» هو أيضاً شعر غناء وشعر (شعب).. والشعوب التي تتعلق بشاعر وتحبه وتحوله إلى ضمير وإلى رمز، تحوله مع الأيام إلى شاعر شعبي.
ومن يدري؟.. فقد يتحول شعر محمود درويش عند الفلاحين والمزارعين «الكنعانيين» الجدد إلى شعر شعبي بعد مئة عام أو بعد مئات الأعوام، أما الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة فله «الكنعانيات»، أو تلك القصائد المصنوعة من روح الشعب الفلسطيني إلى درجة أن حوّلها إلى «إلياذة» فلسطينية أو كنعانية.
في داخل بابلو نيرودا أيضاً شاعر شعبي غنائي.. نقول ذلك من خلال الروح الإنسانية العظيمة في شعره الذي (خرق حدود) بلاده تشيلي، وأصبح شعر العالم.
الشاعر العراقي كريم العراقي في داخله شاعر شعبي بلهجة عراقية بالغة الشفافية (يكتب الشعبي ويكتب الفصيح)، أما روح شعره في النوعين من الشعر فهي روح واحدة.. روح شفافة يزيدها شفافية غنائيته العراقية الحزينة.
الشاعر الأردني حبيب الزيودي في داخله شاعر شعبي، وهو يكتب باللهجة الشعبية الأردنية، كما يكتب الفصيح، وهو حبيب الزيودي في النوعين من الشعر.
الشاعر اللبناني جوزيف حرب كتب بالدّارجة اللبنانية أرق وأعذب أغانٍ فيروز «ذهب أيلول» و«أبواب أبواب شي غرب شي صحاب.. شي مسكر أي (مغلق) تا يرجعوا الغياب..»، وعندما تقرأ جوزيف حرب في رائعته الشعرية «شجرة الأكاسيا» بالعربية الفصحى تخاله يغني أو يتحرك في الهواء مثل غصن من الزيزفون.
وإذا لم تخن الذاكرة، فإن الشاعر الفلسطيني إبراهيم نصرالله كتب في بدايات حياته الشعرية شعراً بالدّارجة أو اللهجة الفلسطينية، أما الفرقة الفلسطينية الغنائية فرقة «بلدنا»، فقد أخذت جزءاً من مجدها الغنائي من خلال شعر إبراهيم نصرالله الفصيح.
في الإمارات.. ثمة شعراء كثيرون في داخلهم شعراء شعبيون.. أحمد راشد ثاني كتب قصيدة التفعيلة في أول حياته الشعرية، ثم تحوّل إلى قصيدة النثر، ولكنه قبل ذلك هو شاعر إماراتي شعبي في مجموعته الشعبية «ياماكل خنيزي».
اللافت في عدد من شعراء الإمارات أنهم على أقصى طرف من الحداثة الشعرية بكتابتهم قصيدة النثر، ولكن ذلك لم يمنعهم من كتابة الشعر الشعبي، ومثالي على ذلك الشاعر خالد البدور الذي يكتب قصيدة النثر، وهو أيضاً شاعر شعبي على درجة عالية في شعره الشعبي من الرقة والغنائية المشبعة بالحنين.
أحمد العسم شاعر قصيدة النثر، أذكر أنني قرأت له بعض القصائد الشعبية، والشاعر سالم الزمر المبدع في العمود والتفعيلي في داخله هو الآخر شاعر شعبي بلغة إنسانية صافية.
في كل شاعر ثمة شاعر آخر أحياناً يقيم في الباطن، وأحياناً يقيم في الظاهر.. ويظل الشعر هو الشعر، إن كان في بطن الشاعر أو على لسانه.. المهم أن يكون شعراً إنسانياً.. شعراً يعود في الحاضر وفي المستقبل إلى الحياة وإلى الناس الذين يكرّمون هذا الشعر، ويحوّلونه مع الأيام إلى أغانٍ شعبية مقيمة إلى الأبد في الذاكرة.
درب
لجوء شعري للشعبي
17 أكتوبر 2016 00:55 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 أكتوبر 00:55 2016
شارك
يوسف أبولوز