اللعبة جزء أساسي في عالم الطفل، وفي هذا العالم الصغير تتشكل هوية الطفل وميوله، وترسم شخصيته، التي سوف يعيش بها حياته فالعروس الصغيرة الحالمة هي لعبة البنت التي تناسب أنوثتها، وفطرة الحنان والأمومة، التي تولد معها، بينما يميل الطفل الولد لما يناسب فطرته، الأكثر ميلا للحركة، فتتوجه اهتماماته إلى ألعاب تشبع ميوله كالمسدس والسيارة، ولكن في بعض الأحيان تنعكس الميول فينجذب الطفل إلى ألعاب البنات، وتصبح الدمية هي لعبته المفضلة، بينما تزهد الطفلة في دميتها، وتفضل ألعاب الأولاد، ويبدأ قلق الآباء حول ميول أطفالهم ويثور التساؤل هل اللعبة التي يقع عليها اختيار الطفل تتدخل في تكوين شخصيته، وتحديد هويته؟

لقد مر عدد من الأباء بهذه التجربة، وأثارت ميول أطفالهم تساؤلات، مثل لماذا يحب أبني دمية شقيقته، ويفضلها على ألعابه، ولماذا تهمل صغيرتي دميتها، وتتنازع مع شقيقها على لعبته؟ بعض أولياء الأمور يراها مشكلة تدعو إلى القلق، بينما يعتبرها البعض مسألة وقتية لا تستحق الاهتمام .

أشرف بلال مترجم في شركة للخدمات المكتبية أب لطفلين، (ولد وبنت)، يعتبرها مسألة تدعو إلى القلق، لأنها صورة غير معتادة، وتخالف ما تربى عليه، و يقول:

إذا وجدت ابني يميل إلى حمل عروس شقيقته سوف أبدأ بالقلق، واشعر بأنه يعاني مشكلة ما، إن هذا ليس السلوك الطبيعي الذي تعودنا عليه، أو حتى الذي كنت أنا عليه وأنا طفل، فقد تعودنا أن الولد يميل بطبيعة تكوينه إلى ألعاب معينة، فأنا مثلا كنت أحب كثيرا اللعب بالألعاب المعروفة للأولاد، مثل المسدس والسيارة ودمى الحرب وغيرها، حتى سن السابعة أو الثامنة، وبعدها أحضر لي والدي دراجة، فكانت لعبتي المفضلة، رغم أنني واجهت أكثر المشكلات مع والدتي بسبب لعبي بها في المنزل، وما سببته من تكسير لبعض الأشياء، ولكني كنت متمسكا بألعابي، وأحيانا كانت شقيقتي تحب أن تشاركني ألعابي، مثل لعب الكرة، أو المكعبات، وهذا شيء مقبول، ولكني لم اذكر مرة أني أحببت أن ألعب بعروسها، بل على العكس أذكر أني كنت أرى ارتباطها بها شيئاً مضحكاً من وجهة نظري كطفل، وكان داخلي اقتناع بأنها لعبة البنات وأعتقد أن هذا هو الطبيعي، والولد الذي يميل إلى ألعاب البنات غير طبيعي، ولو حدث هذا مع ابني ستكون لي وقفة .

جابر خطاب (فني تركيب وحدات) في شركة للتجهيزات المنزلية والمكتبية يقول: نحن تعودنا أن العروس للبنت والمسدس للولد، فلا البنت يليق بها أن تلعب بالمسدس، ولا الولد يصح أن يلعب بالعروس، هذا ما ألفناه وتربينا عليه، وغير هذا غير مألوف، لكن توجد ألعاب أخرى ممكن يشترك أن فيها الاثنان، فأنا مثلا اشتريت سيارة لابني، ومثلها بلون آخر لابنتي، وأيضا هناك ألعاب التركيب والذكاء، فلا توجد مشكلة في أن يتشاركا في لعبها، ولكن لو أمسك ابني بالعروس أضربه فوراً لأن هذه لعبة البنات . أما ابنتي إذا لعبت بمسدس أخيها فأنهرها فقط، لأنها ليست اللعبة المناسبة لها، وهذا يعودها الخشونة والتصرف مثل الأولاد .

وتعبر عزة جمال الدين مديرة قسم المراجعة في شركة للمشروعات الهندسية عن مخاوفها كأم تجاه سلوكيات أطفالها قائلة: سلوك غير طبيعي وغير مألوف أن يحب الولد ألعاب البنات ويقلدهن، وأنا لدي بنتان وولد، وإحدى البنتين تحب كثيرا الدمى، وخاصة الدمية باربي وتجلس معها طويلا، تسرح لها شعرها، وتغير ثيابها، والأخرى ميالة للرسم بالألوان، وتحب أيضا أدوات الطبخ، ولأن أبني ولد وحيد، وهو الأصغر أيضا، أنا حريصة دائما على أن أجعل له شخصيته المستقلة، حتى لا يتأثر بوجوده بين بنتين، وأنا حتى الآن أختار له ألعابه، وأحرص على أن تكون مختلفة عن ألعاب شقيقتيه، وأذكر أنه في فترة كان يحب أن يشارك شقيقتيه ألعابهما، ولكن هذا استمر حتى بلغ سن الثالثة، أو الرابعة، وهذا أقلقني في البداية، ولكنه بدأ بعد ذلك يميل إلى ألعاب أخرى، مثل السيارات، وألعاب الميكانو وغيرها من الألعاب، وقتها توقف قلقي .

يسرا عبد الجبار، (مندوبة تسويق) مرت مع ابنتها الصغرى، وعمرها أربع سنوات بالصورة العكسية، تقول: ابنتي في عمر ست سنوات أحيانا تتشاجر مع أخيها (8 سنوات) للعب بألعابه، وهو يشتكي لي من عبثها بألعابه ولكنني لا أعتبرها مشكلة كبيرة، إلا أنني لا أريدها أن تصبح مثل الولد في سلوكها، ودوري كأم أن أوجهها للسلوك السليم، فأحضر العروس، وأجلس معها، وأحثها على اللعب بها، لأن اللعبة في رأيي جزء من شخصية الطفل، وأنا حساسة بعض الشيء من هذا الجانب، لأن لدي ذكريات مطبوعة في ذاكرتي منذ طفولتي لفتيات كنت أراهن يسلكن سلوك الأولاد، في طريقة كلامهن، وتصرفاتهن، وحتى في قصات شعرهن وأنا لا أحب هذه الصورة أبدا، ولا أحبها لابنتي، فالجميل أن يكون الولد، ولداً، والبنت بنتاً، ولكل منهما ألعابه الخاصة به .

وعن دوره في اختيار ألعاب أطفاله، يقول سمير شحاتة، (مهندس معماري) في البداية، كنت أنا أختار لأولادي ألعابهم وأقرب اختيار كان هو العروس للبنت والمسدس أو السيارة للولد، ولكن عندما كبروا بعض، الشيء كنت أصطحبهم ليختاروا ألعابهم، ومن تلقاء أنفسهم كانوا يتجهون إلى الألعاب المناسبة، ولا أتدخل في الاختيار، إلا إذا كانت اللعبة تفوق سنهم، ولم أمر بمثل هذه التجربة لأن سلوك أطفالي طبيعي من هذه الناحية، وأعتقد أن للأب والأم دوراً كبيراً في توجيه شخصية أولادهما، واللعبة من الأشياء المؤثرة في طبيعة الطفل، ليس فقط من هذه ناحية الأنوثة والذكورة، ولكن حتى في تعليم السلوك، وتنمية الذكاء .

وعن اختيار ابنه للعب غير المناسبة، يتحدث سامر ياسين، (مشرف توريدات في مطعم) قائلاً: أحيانا أواجه هذه المشكلة مع ابني الوحيد (5 سنوات)، عندما ندخل أي محل فيه ألعاب للأطفال، دائما يتوقف عند الدمى والعرائس، وفي البداية كنت أستجيب له، ولكن لا أشتري له عروساً طبعا، فهذه لعبة البنات، بل أشتري الدبدوب ودمى الحيوانات ثم بدأت أوجهه لألعاب تناسبه، وتكون شخصيته كولد، ولكني لا أميل إلى ألعاب العنف، مثل المسدسات، والبنادق، والسيوف، وأعتبرها خطراً أيضا على نفسية الطفل وتعلمه العنف، وأفضل الألعاب التي تجعله يفكر، وتنمي ذكاءه، وآخر لعبة اشتريتها له كانت قطاراً، وقد احبها، وصرفته عن اللعب بالدمى .

وتقول عزيزة قريدش بائعة مستحضرات تجميل: كان ابني وعمره ثلاث سنوات يحب ألعاب شقيقاته، وليس هذا فقط، بل كان يبكي ليرتدي الفستان مثلهن، وأحيانا كان يأخذ حليهن، ويضعها في شعره، لكن هذا لم يقلقني كثيرا، لأني اكتشفت أن ما يجذبه، خاصة للدمى، ألوان ثيابها الزاهية، فبدأت أختار ملابسه بألوان زاهية، وأختار الألعاب المناسبة له بالألوان التي يحبها، ومع الوقت، بدأ يحب ألعاب الأولاد مثله مثل غيره .

ويؤكد المتخصصون أهمية اللعبة في تكوين نفسية الطفل، ودورها كمؤشر لتحديد ميولهم، وصحتهم النفسية، والسلوكية .

د . مكرم متى أستاذ علم الاجتماع يشير إلى ما يمثله اختيار الطفل للعبته في تكوينه والتصرف الواجب من قبل الابوين في حالة الاختيار الخطأ، قائلاً: اللعبة من الأمور المؤثرة، والتي تعطي مؤشرات لطباع الطفل، وتكوينه السلوكي، والطبيعي أن الأولاد فطروا على فطرة الذكورة، والميل إلى ما يمثل سماتهم في ألعابهم والبنت فطرت على صفات الأنوثة، فتميل للعب بالدمية والاعتناء بها، وكأنها تمارس أمومتها مبكرا، ومن المهم جدا من الناحية السلوكية السليمة استقلال الشخصية والهوية الجنسية منذ الصغر، والأسرة لها دور كبير في رسم شخصية الطفل، الذي يمتص سلوكيات جنسه حسب ما تمليه عليه بيئة التنشئة، واختيار اللعبة أحد أساليب تكوين هذه الهوية، وأيضا الميول، والصفات الذاتية، وأحيانا يلاحظ بعض الآباء أن طفلهم الولد يحب أن يلعب بألعاب البنات، وتقع اختياراته على ألعابهن، أو العكس البنت تحب ألعاب الأولاد، وهذا أمر يستحق التوقف عنده، إذا استمر طوال فترة الطفولة، ولم يعدل السلوك تلقائيا، ولكن المهم طريقة التصرف، فالضرب، أو التوبيخ ليس السلوك المطلوب، خاصة وأن هذا السلوك لا يشير في غالبية الحالات إلى شذوذ أو خلل في التركيب النفسي للطفل، فقد يأتي الطفل ببعض سلوكيات الجنس الآخر، ولكنه يدرك هويته، ويستشعر بالفطرة الفروق، وغالبا ميل الأطفال إلى جنسهم وسلوكياته يتضح تلقائيا ببلوغ فترة الطفولة المتأخرة، من 9: 12 سنة، ولكن الملاحظة، والمتابعة مطلوبة من قبل الأبوين، لتقويم أي سلوك شاذ، خاصة إذا رتبط ميل الطفل إلى ألعاب الجنس الآخر، برغبته الدائمة في وجوده ضمن هذا المحيط، والتشبه به، ونفوره من جنسه فهذا مؤشر إلى مشكلة، تحتاج لاستشارة متخصصين .

وتشير د . حياة قابل طبيبة نفسية واستشارية علم السلوك التربوي، إلى دور الأسرة في تحديد ميول الطفل واختياراته قائلة: التدليل الزائد في الغالب يؤدي إلى انحراف في السلوك، وأحيانا بعض الآباء، وبالذات الأمهات، يحببن أن يعاملن أولادهن الذكور بدلال زائد، خاصة في السنوات الأولى ربما لأنها كانت ترغب في أنثى، معتقدة أن هذا لن يؤثر في الطفل، فتلبس طفلها ملابس البنات وتترك له شعره، وأحيانا تصنع له الضفائر، وتحضر له العاباً أنثوية كالعروس، وكلها سلوكيات تمسخ شخصيته، ويعتبر الأم هذا نوعاً من التدليل له فيحدث للطفل خلل في فهم هويته، ويتعلق بهذا العالم، وبألعابه الأنثوية، خاصة وهو يرى من حوله يستحسنون شكله وتصرفاته، ويعتبرونها مادة للضحك، وهذا يشجع الطفل أكثر، لأنه يلفت النظر إليه، ويتمتع بدلال الأم، التي لا تدرك أن ما تفعله يسبب خللا في شخصية طفلها، والعكس يحدث أيضا من الأب، الذي تمنى الولد، ولم يرزق به فيعمد إلى معاملة بناته معاملة الأولاد، ويلبسهن مثلهم، ويحضر لهن ألعاب الأولاد، فأحيانا تكون المشكلة في الأهل أساساً وهي تؤثر بالفعل في السلوك، وقد يستمر هذا الأمر حتى عندما يكبرون في شكل طريقة تفكير وطباع و سلوكيات مخالفة للطبيعة ألأنثوية أو الذكورية، لأن شخصية الطفل تتكون بالفعل في هذه المرحلة .

ويؤكد د . مراد وافي تأثير المحيط التربوي في ترسيخ هوية الطفل، مشيرا إلى أن اختيار اللعبة هي جزء من سلسلة متعاقبة في السلوك، إما الصحيح وإما الشاذ قائلاً: يجب الانتباه، خاصة إذا كان المحيط يساعد على ما يخالف الطبيعي، لأنه أحيانا تتدخل عوامل أخرى في توجيه الطفل نحو هذا السلوك، مثل عدم وجود الأب، لوفاته أو انفصاله عن الأم، وتربية الطفل مع أمه، وسط عدد من البنات، فيشب متطبعا بالعالم الأنثوي المحيط به، يلعب بألعاب البنات، لأن هذه هي الألعاب المتوفرة أمامه، والحال نفسها تحدث إذا ما نشأت البنت بين مجموعة من الذكور، فالارتباط بألعاب الجنس الآخر، هو تفصيلة صغيرة ضمن مجموعة من التفاصيل التي تكوّن شخصية الطفل، وتحدد معرفته بطبيعته، فالطفل يحتاج منذ صغره أن يعرف ويشعر بالفرق بينه، وبين الجنس الآخر، وأن يتخلق بسلوك جنسه، والبنت تتعلم هذا من أمها، والولد من أبيه طريقة البلس والتصرفات، وهذا يحدد ميوله في انتقاء ألعابه، ليشب كأمثاله، ويستطيع أن يتأقلم مع أقرانه، ولا يشعر بأنه مختلف أو غريب بينهم، فتتأثر نفسيته بشكل سلبي لأنه لا يدرك هويته الحقيقية، ودور الأم أن تعلم أبنها ألا يلعب بألعاب أخته، أو يقلدها، أو يلبس مثلها، والبنت كذلك، ويجب أن يرفض الأبوان أي سلوك يقوم به الولد، أو البنت لا يتوافق مع جنسهما، ويعملا على تقويمه، وعندما نجد أن الطفل يصر على اللعب بلعبة تصلح للجنس الآخر، يجب أن نوقف هذا، ونوجهه إلى ما يناسبه ولكن بهدوء ومرونة، دون توبيخ للطفل، حتى لا يأتي بنتيجة عكسية .

وتذهب د . سامية رشيد اختصاصية طب الأطفال إلى ما هو أبعد، حين تشير إلى أن سلوكيات الطفل وميوله قد تكون مؤشرا في بعض الحالات إلى مشاكل ليس فقط نفسية ولكن بيولوجية أيضا، قائلة: المشكلة الأخطر التي يجب الالتفات إليها، ووضعها في الاعتبار، هي أنه أحيانا تكون هناك عوامل فسيولوجية هي السبب في ظهور ميول غير طبيعية على الطفل ذكراً أم أنثى، فقد يكون هرمون الإستروجين الأنثوي زائداً في الطفل وغالباً على هرمون الذكورة نتيجة لخلل هرموني، فنجد أن سلوكه يأخذ منحى أنثوياً، في الميل إلى مجالسة البنات، واللعب بألعابهم، والتشبه بهن في السلوك والمظهر، وهذا يحدث بشكل خارج عن أرادته، نتيجة هذا الخلل الهرموني، وكذلك بالنسبة إلى البنت قد يؤدي خلل هرموني إلى زيادة هرمون التستستيرون الذكوري لديها، ولهذا يجب أن تتابع عيون الآباء مثل هذه الأمور والميول غير المألوفة لأطفالهم، ليس فقط لحمايتهم نفسيا، بل ولاكتشاف مشاكلهم البيولوجية أيضا، فسلوكيات الأطفال التي قد يعتبرها بعض الآباء سلوكيات بسيطة ولا تستحق القلق، قد تحمل خلفها مشكلة صحية، تحتاج للعلاج، وكلما كان هذا مبكرا كان أفضل .